تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية١١ وقوله تعالى :﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ قيل :﴿يوصيكم الله﴾ ( أي يفرضكم الله ) (١) وقد سمى الله تعالى الميراث فريضة في غير آية من القرآن بقوله :﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب﴾ ثم قال :﴿نصيبا مفروضا﴾ ( النساء ٧ ) وقال أيضا في آخر وهذه الآية :﴿فريضة من الله﴾، ولأنه شيء تولى الله إيجابه من غير اكتساب أهله فهو كالفرائض التي أوجبها الله على عباده من غير اكتساب أهلها، فعلى ذلك سمى هذه فريضة لأن الله تعالى أوجبه والله أعلم.
وقيل : قوله :﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ إلى آخر ما ذكر، فيه(٢) نسخ الوصية للوالدين والأقربين في قوله :﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين﴾ ( البقرة ١٨٠ ) ودليل نسخه ما روي عن رسول الله ﷺ قال : " إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث " ( الترمذي ٢١٢١ ) ثم قيل : إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون(٣) النساء ولا الصغار من الأولاد والإناث، وإنما كانوا يورثون الرجل ولم يجوزوا ) (٤) الغنيمة فنزل قوله :﴿للرجال نصيب مما ترك﴾ الآية ( النساء ٨ ) فالآية في بيان الحق للإناث في الميراث، وكذلك قوله ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ فيه بيان حق الميراث جميعا.
وقيل : تأويل هذه الآية ما بين في ذوي الأرحام، وإن كانوا مختلفين في سبب ذلك وأن الآيات التي بعدها من قوله :﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ إلى آخر الآيات التي فيها ذكر المواريث فسر بها مبلغ النصيب الذي أوجبه الله للنساء والرجال في الآية الأولى مجملا، وأجمعوا أن الرجل إذا مات وترك ولدا ذكورا وإناثا فالمال بينهم ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ ويحتمل قوله :﴿في أولادكم﴾ أولاد(٥) موتاكم وهذا جائز في اللغة لأنه لا يجوز أن يفرض على الرجل قسمة الميراث في أولاده وهو حي، دل أنه أراد أولاد الموتى أو يحتمل ما ذكرنا لأنهم(٦) كانوا لا يورثون(٧) الإناث من الأولاد والصغار منهم، فخاطب الجملة بذلك لئلا يحرموا الإناث من الأولاد والصغار.
وفي قوله أيضا :﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ أي في أولاد من مات منكم إذ لا يحتمل خطاب الحي ما ذكر في ولده، فهذا عن كان تأويل : يوصي : يفرض أو يأمر، وإن كان تأويل ذلك : يبين فذلك جائز بعد أن يجيز الحي ما يبين الله في أولاده بعد موته في ماله، وذلك يمنع الوصية لأنه يزيل حق البيان ولما يمكن رفع القسمة وتحصيل / ٨٠ –ب/ الوصية على بعض لبعض وذلك بعيد إذ لا يملك في غيرهم.
ثم من الناس من رأى نسخ الوصية للوارث بقوله :﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان﴾ الآية ( النساء ٧ ) لأن(٨) الآية أوجبت(٩) الميراث في ما قل أو أكثر، فلو كانت الوصية تجب للوالدين بقوله تعالى :﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين﴾ الآية ( البقرة ١٨٠ ) لكان الميراث لا يجب في ما قل منه وإنما يجب في ما يفضل منه لكن الآية إذا لم تمنع الوصية للأجنبي وهو يصرف السهم المفروض إلى ما يفضل من الوصية فمثله للوارث لكن في الآية دلالة على رفع الكتاب إذ في الأولى أنها كتبت فلما أوجب الحق في كل قليل وكثير لم يبق معه الفرض والوجوب ولكن يجب الفضل.
ثم كان حق الوالدين ومن ذكر بحق اللزوم وقد سقط ذلك وبه كان يجوز فلما سقط الحق قد جاء في الخبر أن " فلا وصية لوارث " وقال النبي ﷺ : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " ( الترمذي ٢١٢١ ) فسقط الحق بالآية من الوجه الذي يثبت والنقل ( بقوله : عليه السلام ) (١٠) " فلا وصية لوارث ".
فمن هذا الوجه الذي ذكرت يسقط حق الوصية بالقرآن لكن قد ذكر للمرأة لا بحرف الوجوب بقوله :﴿متاعا إلى الحول﴾ ( البقرة ٢٤٠ ) ثم سقط أيضا بالخبر فيه نظر، إذ ليس في الآية ذكر المرأة بما ذكر فيها ميراث الأولاد والأقربين، وقد بقي حق المتاع، إذ له أن يوصي لغير الورثة لكن في ميراث المرأة وصية، كقوله :﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم﴾ ( البقرة ٢٤٠ ) ﴿وصية من الله﴾ ( النساء ١٢ ). والوصية مكتوبة على ما للوالدين والأقربين. ثم أشرك الزوجين في ميراث الوالدين والأقربين مما قل أو كثر كقوله :﴿النصف﴾ ( النساء ١١ ) و﴿الربع﴾ ( النساء ١٢ ) و﴿الثمن﴾ ( النساء ١٢ ) مما ترك وقد بينا أن الآية نسخت ما ذكرت فصارت ناسخة للأمرين جميعا.
فهذا من جهة الاستخراج في حق النسخ على أنها(١١) على مذهبنا ( أهل ) (١٢) السنة كافية في بيان نسخ الحكم الذي بينه الكتاب إذ هو بيان منتهى الحكم من الوقت وقد جعل الله تعالى نبيه ﷺ بحيث البيان مما في القرآن.
وقوله تعالى :﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ ( فيه )(١٣) دلالة أن المال كله للذكر من الوالد إذا لم يكن ثمة أنثى لأنه جعل للذكر مثلي ( ما ) (١٤) جعل للأنثى و﴿يوصيكم﴾ ( النساء ١١ ) إذا لم يكن معها ذكر لقوله تعالى :﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ ( النساء ١١ ) فدل أن للذكر من الولد ( مثلي ما )(١٥) جعل للأنثى عند الجمع، له ذلك بحق الكل ففي حال الإنفراد له الكل.
وقوله تعالى :﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك﴾ قال بعضهم : بين الحق لما فوق اثنتين، ولم يبين للاثنتين، ولهما النصف الذي ذكر للواحدة وهو قول ابن عباس رضي الله عنه.
وأما عندنا فإن للاثنتين ما للثلاث فصاعدا فيكون بيان الحق للثلاث بيانه(١٦) للاثنتين لأن الله تعالى جعل حق ميراث الواحدة من الأخوات النصف بقوله تعالى :﴿وله أخت فلها نصف ما ترك﴾ ( النساء ١٧٦ ) كما جعل حق الابنة النصف إذا لم يكن معها ذكر بقوله :﴿وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾ ( النساء ١١ ) ثم جعل للأختين الثلثين بقوله :﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾ ( النساء ١٧٦ ).
فإذا نزلت الأخوات منزلة البنات في استحقاق النصف إذا كانت واحدة، واستحقاق الثلثين إذا كانتا اثنتين فصاعدا فعلى ذلك نزل بيان الحكم في الأختين منزلة بيان الحكم في الابنتين وقيل : يفوق اثنتين فما فوقهما وقيل : يبين الكتاب الاستواء بين الابنة الواحدة والأخت الواحدة ليعلم استواء حق الوالد ووالد الأب.
ثم بين ( الحكم )(١٧) في الأخوات للبنتين(١٨) ﴿الثلثان﴾ ( النساء ١٧٦ ) وفي البنات لما فوقهما ليكون الذي في الأختين دليلا على الابنتين، وفي ما كثر من البنات على ما ذكر من الأخوات وأيد ذلك أمر الاجتماع بين البنين(١٩) والبنات وإن كثروا بالإخوة والأخوات وإن كثروا مع ما كان معلوما أن بنات الرجل أحق من بنات أبيه(٢٠) أيد ذلك أن بنات ابنه قد يرثن وبنات أبيه لا، فلا يجوز أن تكون الأختان(٢١) أكثر حقا من الابنتين، وفي الأغلب أن يجعل لهن ميراث من هؤلاء، وعلى ما ذكر ما دام يوجد في الأولاد من له فرض أو فضل لم يصرف إلى أولاد الأب ثبت أنهم بمعنى الخلف من هؤلاء وعلى ما ذكر جاءت الآثار واجتمع أهلب الفتوى.
وقوله تعالى :﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾ ﴿وإن كان ولد﴾ اختلف فيه قال بعضهم : أراد بالولد الذكور خاصة لأنه جعل للأبوين لكل واحد السدس إذا كان الولد ذكرا أما إذا كان الولد أنثى فللأب يكون الثلث.
وأما عندنا فإن اسم الولد يجمع الذكور والإناث جميعا فإنه إن كان الولد ههنا ذكرا أو(٢٢) أنثى ينظر(٢٣) إن كان ذكرا يكون لكل واحد من الأبوين السدس والباقي للولد وإن كان أنثى فلها النصف وللأبوين السدسان(٢٤) والباقي للأب على ما جاء في الخبر : " ما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر " ( البخاري ٦٧٣٢ ).
وقالت الروافض : الباقي للابنة ذهبوا في ذلك إلى أن الذي يقابل الابنة هو الابن والذي يقابل الأب هي الأم فالذي يقابل الابنة هو أولى بإحراز الميراث من الذي يقابل الأم وهو الأب فعلى ذلك الذي يقابل الابن وهي الابنة أولى بذلك من الذي يقابل الأم وهو الأب.
وأما عندنا فإن الأب أولى بذلك من الابنة لأن للأب حقين : حق فريضة وحق عصبة، أما حق الفريضة ( فهو ) (٢٥) بقوله :﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾ وأما حق العصبة ( فهو ) (٢٦) بقوله عز وجل :﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ جعل الباقي له، فذو حقين أولى بذلك من ذي حق واحد والابنة ليس لها حق الفريضة لذلك كان الأب أولى وفي الخبر دلالة أن حكم الابنتين وما فوقهما سواء وهو الثلثان ما روي عن جابر بن عبد الله أنه قال : جاءت امرأة ثابت بن قيس بابنتين إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله هاتان ابنتا ثابت بن قيس أصيب يوم أحد وقد أخذ عمهما مالهما ولم يدع لهما شيئا إلا أخذه فما ترى يا رسول الله فو الله لا تنكحان إلا ولهما مال فنزل قوله تعالى ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ فقال رسول الله ﷺ لعم الجارتين : " أعطهما الثلثين وأعط أمهما الثمن ولك ما بقي " (٢٧) ( أبو داوود ٢٨٩١ ).
ثم في الآية دلائل : أحدهما(٢٨) يخرج الخطاب على العموم والمراد منه خاص لأنه ذكر الأولاد والولد قد يكون على غير دينه فلا يرث وقد يكون مملوكا فلا يرث على ما روي في الخبر : " لا يتوارث أهل ملتين " ( الترمذي ٢١٠٨ ) وما روي : " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم إلا العبد مولاه " ( الحاكم في المستدرك ٤ /٣٤٥ ) وذلك في الحقيقة ليس بميراث ولكن للعبد يكون لمولاه وفي هذا دليل جواز الاستثناء من غير نوعه استثنى العبد وذلك في الحقيقة ليس بميراث(٢٩).
وفي الآية دليل(٣٠) جواز القياس والفكر فيها والاعتبار لأن ميراث الابنتين مستدل عليه(٣١) غير منصوص، وكذلك ميراث الذكور من الأولاد بالانفراد مستدل عليه غير منصوص، وما يحرز الأب من الميراث لحق العصبة مستدل عليه لا منصوص، وما يستحق بالفريضة فهو منصوص عليه، وهكذا كل من يستحق / ٨١ –أ/ شيئا بحق الفريضة فهو منصوص عليه، فدل أن ما ترك ذكره إنما ترك للاجتهاد والتفكر فيه والاعتبار.
وفيه دليل(٣٢) أنه يجوز ألا يطلع الله عباده على الأشياء بقوله تعالى :﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب نفعا﴾ إذ لم يبين أيهم(٣٣) أقرب نفعا دل قوله :﴿وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾ إذ ذكر وراثتهما ولم يبين حق الأب أنه جعله عصبة يرد إليه الفضل فيظهر للأب في هذه الآية في قوله عز وجل ﴿يوصيكم﴾ على آخرها أمران :
أحدهما : حق العصبة.
والثاني : حق الفرض بقوله :﴿للواحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد﴾.
ثم بعد هذا فيه أمران :
أحدهما : أنه إذا ثبت له حق العصبة وقد بين الله تعالى نصيب الابنة أنه النصف ونصيب الأب مع الولد أنه له السدس، فزعمت الشيعة أن الفضل يرد إلى الابنة لأنها ولد، ولم تذكر له مع الولد إلا السدس.
وعندنا يرد إلى الأب لأنه لم يذكر للابنة إلا النصف ثم قد جعل الأب عصبة في ما له حق الفضل عن المفروض ولم يجعل الابنة لذلك كان الرد إلى الأب أحق مع ما يحتمل إن كان له ولد ذكر ثم حرمت الأم بالابنة إذ هي تحرم بالأخوات فالبنات أحق إذ هن أقرب.
والثاني : أنه جعل إذ جعل للأب السهم من وجهتين ثم الذي له في أحد الوجهين، صار للجد دون أولاده، وبين لأولاد الأب الحق وإبقاء حق الجد لما بين لوالده. فعلى ذلك ماله من الوجه الثاني، وهو أولى لأن حق العصبات يخرج على إلحاق الأبعدين فيه الأقربين، وحق الفرائض لا حتى تب
١ من م..
٢ في الأصل و م: وفيه..
٣ في الأصل و م: يرثون..
٤ في الأصل م: ومن يجوز..
٥ من م في الأصل: وأولاد..
٦ في الأصل و م: أنهم..
٧ في الأصل و م: يرثون..
٨ في الأصل و م: كان..
٩ في الأصل و م: أوجب..
١٠ من م الأصل: بقول..
١١ في الأصل و م: أنه..
١٢ ساقطة من الأصل و م..
١٣ من م ساقطة من الأصل..
١٤ من م ساقطة من الأصل..
١٥ في الأصل و م: إذا..
١٦ في الأصل و م: بيان..
١٧ ساقطة من الأصل و م:..
١٨ من م في الأصل: للثلثين.
١٩ في الأصل و م: البنتين..
٢٠ من م في الأصل ابنة..
٢١ في الأصل و م: الأختين..
٢٢ في الأصل و م: و..
٢٣ في الأصل و م: فينظر..
٢٤ في الأصل و م: السدس..
٢٥ ساقطة من الأصل و م..
٢٦ ساقطة من الأصل و م..
٢٧ روي مثل هذا الخبر في تأويل الآية (١٨٢) من سورة البقرة في زوجة ابن الربيع وابنتيه..
٢٨ في الأصل و م: أحدهما..
٢٩ من م في الأصل: ميراث..
٣٠ هذا هو الدليل الثاني..
٣١ في الأصل و م: عليهما..
٣٢ هذا هو الدليل الثالث..
٣٣ في الأصل و م: أنهم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى