البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً﴾ قيل : نزلت في طعمة بن أبيرق حين سرق الدرع ورماها في دار اليهودي.
وروى الضحاك عن ابن عباس : أنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول، إذ رمى عائشة بالإفك.
وظاهر العطف بأو المغايرة، فقيل : الخطيئة ما كان عن غير عمد.
والإثم : ما كان عن عمد، والصغيرة والكبيرة، أو القاصر على فعل والمتعدي إلى غيره.
وقيل : الخطيئة سرقة الدرع، والإثم يمينه الكاذبة.
وقال ابن السائب : الخطيئة يمين السارق الكاذبة، والإثم سرقة الدرع، ورمى اليهودي به.
وقال الطبري : الخطيئة تكون عن عمد وغير عمد، والإثم لا يكون إلا عن عمد.
وقيل : هما لفظان بمعنى واحد، كرّرا مبالغة.
والضمير في : به، عائد على الإثم، والمعطوف بأو يجوز أن يعود الضمير على المعطوف عليه كقوله : انفضوا إليها وعلى المعطوف كهذا.
وتقدم الكلام في ذلك بأشبع من هذا.
وقيل : يعود على الكسب المفهوم من يكسب.
وقيل : على المكسوب.
وقيل : يعود على أحد المذكورين الدال عليه العطف بأو، كأنه قيل : ثم يرم بأحد المذكورين.
وقيل : ثم محذوف تقديره : ومن يكسب خطيئة ثم يرم به بريئاً أو إثماً ثم يرم به بريئاً، وهذه تخاريج من لم يتحقق بشيء من علم النحو.
والبريء المتهم بالذنب ولم يذنب.
ومعنى : فقد احتمل بهتاناً، أي برميه البريء، فإنه يبهته بذلك، وإثماً مبيناً أي : ظاهراً لكسبه الخطيئة أو الإثم.
والمعنى : أنه يستحق عقابين : عقاب الكسب، وعقاب البهت.
وقدم البهت لقربه من قوله : ثم يرم به بريئاً، ولأنه ذنب أفظع من كسب الخطيئة أو الإثم.
ولفظ احتمل أبلغ من حمل، لأنّ افتعل فيه للتسبب كاعتمل.
ويحتمل أن يكون افتعل فيه كالمجرد كما قال :﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ فيكون كقدر واقتدر.
لما كان الوزر يوصف بالفعل، جاء ذكر الحمل والاحتمال وهو استعارة.
جعل المجني كالجرم المحمول.
ولفظة : ومَن تدل على العموم، فلا ينبغي أن تخصّ ببني أبيرق، بل هم مندرجون فيها.
وقرأ معاذ بن جبل : ومن يكِسّب بكسر الكاف وتشديد السين، وأصله : يكتسب.
وقرأ الزهري : خطية بالتشديد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
منها الاستعارة في : وإذا ضربتم في الأرض، وفي : فيميلون استعار الميل للحرب.
والتكرار في : جناح ولا جناح لاختلاف متعلقهما، وفي : فلتقم طائفة : ولتأت طائفة، وفي : الحذر والأسلحة، وفي : الصلاة، وفي : تألمون، وفي : اسم الله.
والتجنيس المغاير في : فيميلون ميلة، وفي : كفروا إن الكافرين، وفي : تختانون وخواناً، وفي : يستغفروا غفوراً.
والتجنيس المماثل في : فأقمت فلتقم، وفي : لم يصلوا فليصلوا، وفي : يستخفون ولا يستخفون، وفي : جادلتم فمن يجادل، وفي : يكسب ويكسب، وفي : يضلوك وما يضلون، وفي : وعلمك وتعلم.
قيل : والعام يراد به الخاص في : فإذا قضيتم الصلاة ظاهره العموم، وأجمعوا على أن المراد بها صلاة الخوف خاصة، لأن السياق يدل على ذلك، ولذلك كانت أل فيه للعهد انتهى.
وإذا كانت أل للعهد فليس من باب العام المراد به الخاص، لأن أل للعموم وأل للعهد فهما قسيمان، فإذا استعمل لأحد القسيمين فليس موضوعاً للآخر.
والإبهام في قوله : بما أراك الله وفي : ما لم تكن تعلم.
وخطاب عين ويراد به غيره وفي : ولا تكن للخائنين خصيماً فإنه ﷺ محروس بالعصمة أن يخاصم عن المبطلين.
والتتميم في قوله : وهو معهم للإنكار عليهم والتغليظ لقبح فعلهم لأن حياء الإنسان ممن يصحبه أكثر من حيائه وحده، وأصل المعية في الإجرام، والله تعالى منزه عن ذلك، فهو مع عبده بالعلم والإحاطة.
وإطلاق وصف الإجرام على المعاني فقد احتمل بهتاناً.
والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى