فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قاله القرطبي :﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً﴾ قيل : هما بمعنى واحد كرر للتأكيد. وقال الطبري : إن الخطيئة تكون عن عمد، وعن غير عمد، والإثم لا يكون إلا عن عمد، وقيل : الخطيئة : الصغيرة، والإثم : الكبيرة. قوله :﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ توحيد الضمير لكون العطف بأو، أو لتغليب الإثم على الخطيئة، وقيل : إنه يرجع إلى الكسب. قوله :﴿فَقَدِ احتمل بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً﴾ لما كانت الذنوب لازمة لفاعلها كانت كالثقل الذي يحمل، ومثله :﴿وَلَيَحْمِلنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً معَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، والبهتان مأخوذ من البهت : وهو الكذب على البريء بما ينبهت له، ويتحير منه، يقال بهته بهتاً، وبهتاناً : إذا قال عليه ما لم يقل، ويقال بهت الرجل بالكسر : إذا دهش وتحير، وبهت بالضم، ومنه :﴿فَبُهِتَ الذي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، والإثم المبين : الواضح.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآية. قال : أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنباً صغيراً كان أو كبيراً، ثم استغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً، ولو كانت ذنوبه أعظم من السماوات والأرض والجبال. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن مسعود قال : من قرأ هاتين الآيتين من سورة النساء، ثم استغفر الله غفر له :﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُوراً رحِيماً﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءوكَ فاستغفروا الله واستغفر لَهُمُ الرسول﴾ [النساء: ٦٤] الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله :﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ قال : علمه الله بيان الدنيا، والآخرة بين حلاله وحرامه ليحتج بذلك على خلقه. وأخرج أيضاً عن الضحاك قال : علمه الخير والشر، وقد ورد في قبول الاستغفار، وأنه يمحو الذنب أحاديث كثيرة مدوّنة في كتب السنة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى