مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
النوع الثالث : قوله تعالى :﴿ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا﴾
وذكروا في الخطيئة والإثم وجوها : الأول : أن الخطيئة هي الصغيرة، والإثم هو الكبيرة وثانيها : الخطيئة هي الذنب القاصر على فاعلها، والإثم هو الذنب المتعدي إلى الغير كالظلم والقتل. وثالثها : الخطيئة ما لا ينبغي فعله سواء كان بالعمد أو بالخطأ، والإثم ما يحصل بسبب العمد، والدليل عليه ما قبل هذه الآية وهو قوله ﴿ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه﴾ فبين أن الإثم ما يكون سببا لاستحقاق العقوبة.
وأما قوله ﴿ثم يرم به بريئا﴾ فالضمير في ﴿به﴾ إلى ماذا يعود ؟ فيه وجوه : الأول : ثم يرم بأحد هذين المذكورين. الثاني : أن يكون عائدا إلى الإثم وحده لأنه هو الأقرب كما عاد إلى التجارة في قوله ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها﴾ الثالث : أن يكون عائدا إلى الكسب، والتقدير : يرم بكسبه بريئا، فدل يكسب على الكسب. الرابع : أن يكون الضمير راجعا إلى معنى الخطيئة فكأنه قال : ومن يكسب ذنبا ثم يرم به بريئا.
وأما قوله ﴿فقد احتمل بهتانا﴾ فالبهتان أن ترمي أخاك بأمر منكر وهو برئ منه.
واعلم أن صاحب البهتان مذموم في الدنيا أشد الذم، ومعاقب في الآخرة أشد العقاب، فقوله ﴿فقد احتمل بهتانا﴾ إشارة إلى ما يلحقه من الذم العظيم في الدنيا، وقوله ﴿وإثما مبينا﴾ إشارة إلى ما يلحقه من العقاب العظيم في الآخرة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى