البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
النجوى مصدر كالدعوى يقال : نجوت الرجل أنجوه نجوى إذا ناجيته.
قال الواحدي : ولا تكون النجوى إلا بين اثنين.
وقال الزجاج : النجوى ما انفرد به الجماعة، أو الإثنان سرّاً كان وظاهراً انتهى.
وقال ابن عطية : المسارة، وتطلق النجوى على القوم المتناجين، وهو من باب قوم عدل وصف بالمصدر.
وقال الكرماني : نجوى جمع نجي، وتقدم الكلام في هذه المادة، وتكرر هنا لخصوصية البنية.
مريد من مرد، عتا وعلا في الحذاقة، وتجرد للشر والغواية.
وقال ابن عيسى : وأصله التملس، ومن شجرة مرداء أي ملساء تناثر ورقها، وغلام أمرد لا نبات بوجهه، وصرح ممرد مملس لا يعلق به شيء لملاسته، والمارد الذي لا يعلق بشيء من الفضائل.
البتك : الشق والقطع، بتك يبتك، وبتك للتكثير، والبتك القطع واحدها بتكة.
قال الشاعر :
محيص : مفعل من حاص يحيص، زاع بنفور ومنه : فحاصوا حيصة حمر الوحش.
وقول الشاعر :
ويقال جاض بالجيم والضاد المعجمة والمحاص مثل المحيص.
قال الشاعر :
وفي المثل : وقعوا في حيص بيص.
وحاص باص إذا وقع فيما لا يقدر على التخلص منه، ويقال : حاص يحوص حوصاً وحياصاً إذا نفر وزايل المكان الذي فيه.
والحوص في العين ضيق مؤخرها.
الخليل : فعيل من الخلة، وهي الفاقة والحاجة.
أو من الخلة وهي صفاء المودّة، أو من الخلل.
قال ثعلب : سمى خليلاً لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللاً إلا ملأته.
وأنشد قول بشار :
﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ الضمير في نجواهم عائد على قوم طعمة الذين تقدم ذكرهم قاله : ابن عباس وغيره.
وقال مقاتل : هم قوم من اليهود ناجوا قوم طعمة، واتفقا معهم على التلبيس على الرسول ﷺ في أمر طعمة.
وقال ابن عطية : هو عائد على الناس أجمع.
وجاءت هذه الآيات عامة فاندرج أصحاب النازلة وهم قوم طعمة في ذلك العموم، وهذا من باب الإيجاز والفصاحة، لكون الماضي والمغاير تشملهما عبارة واحدة انتهى.
وهذا الاستثناء منقطع إن كان النجوى مصدراً، ويمكن اتصاله على حذف مضاف أي : إلا نجوى من أمر، وقاله : أبو عبيدة.
وإن كان النجوى المتناجين قيل : ويجوز في : مِن الخفض من وجهين : أن يكون تابعاً لكثير، أو تابعاً للنجوى، كما تقول : لا خير في جماعة من القوم إلا زيد إن شئت اتبعت زيد الجماعة، وإن شئت اتبعته القوم.
ويجوز أن يكون مِن أمر مجروراً على البدل من كثير، لأنه في حيز النفي، أو على الصفة.
وإذا كان منقطعاً فالتقدير : لكن مَن أمر بصدقة فالخير في نجواه.
ومعنى أمر : حث وحض.
والصدقة تشمل الفرض والتطوّع.
والمعروف عام في كل بر.
واختاره جماعة منهم : أبو سليمان الدمشقي، وابن عطية.
فيندرج تحته الصدقة والاصلاح.
لكنهما جردا منه واختصا بالذكر اهتماماً، إذ هما عظيما الغذاء في مصالح العباد.
وعطف بأو فجعلا كالقسم المعادل مبالغة في تجريدهما، حتى صار القسم قسيماً.
وقيل : المعروف الفرض.
روي ذلك عن ابن عباس ومقاتل.
وقيل : إغاثة الملهوف.
قال الزمخشري : ويجوز أن يراد بالصدقة الواجب، وبالمعروف ما يتصدق به على سبيل التطوع انتهى.
وفي الحديث الصحيح :« كلُّ كلام ابن آدم عليه لا له إلا مَن كان أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكر الله تعالى ».
وحدّث سفيان الثوري بهذا الحديث أقواماً فقال أحدهم : ما أشد هذا الحديث ! فقال له : ألم تسمع كل معروف صدقة، وإنّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلقٍ.
وقال الحطيئة :
وظاهر قوله : أو إصلاح بين الناس، أنه في كل شيء يقع فيه اختلاف ونزاع.
وقيل : هو خاص بالإصلاح بين طعمة واليهودي المذكورين.
قال أبو عبد الله الرازي ما ملخصه : ذكر ثلاثة أنواع، لأن عمل الخير إما أن يكون بدفع المضرة وإليه الإشارة بقوله : أو إصلاح بين الناس.
أو بإيصال المنفعة إما جسمانياً وهو إعطاء المال، وإليه الإشارة بقوله : بصدقة.
أو روحانياً وهو تكميل القوة النظرية بالعلوم، أو القوة العملية بالأفعال الحسنة، ومجموعها عبارة عن الأمر بالمعروف، وإليه الإشارة بقوله : أو معروف.
وقال الراغب : يقال لكل ما يستحسنه العقل ويعرفه معروف، ولكل ما يستقبحه وينكره منكر.
ووجه ذلك أنه تعالى ركّز في العقول معرفة الخبر والشر، وإليه أشار بقوله :﴿صبغة الله﴾ ﴿وفطرة الله﴾ وعلى ذلك ما اطمأنت إليه النفس لمعرفتها به انتهى.
وهذه نزغة اعتزالية في أنّ العقل يحسن ويقبح.
وقيل : هذه الثلاثة تضمنت الأفعال الحسنة، وبدأ بأكثرها نفعاً وهو إيصال النفع إلى الغير، ونبه بالمعروف على النوافل التي هي من الإحسان والتفضل، والإصلاح بين الناس على سياستهم، وما يؤدي إلى نظم شملهم انتهى.
وقال عليه السلام :« ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة قيل : بلى يا رسول الله، قال : صلاح ذات البين » وخصّ مَن أمر بهذه الأشياء، وفي ضمن ذلك أنّ الفاعل أكثر استحقاقاً من الأمر، وإذا كان الخير في نجوى الأمر به فلا يكون في من يفعله بطريق الأولى.
﴿ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً﴾ لما ذكر أن الخير في مَن أمر ذكر ثواب من فعل، ويجوز أن يريد : ومن يأمر بذلك، فيعبر بالفعل عن الأمر، كما يعبر به عن سائر الأفعال.
وقرأ أبو عمرو وحمزة : يؤتيه بالياء، والباقون بالنون على سبيل الالتفات، ليناسب ما بعده من قوله :﴿نوله ما تولى ونصله﴾ فيكون إسناد الثواب والعقاب إلى ضمير المتكلم العظيم، وهو أبلغ من إسناده إلى ضمير الغائب.
ومن قرأ بالياء لحظ الاسم الغائب في قوله : ابتغاء مرضاة الله، وفي قوله : ابتغاء مرضاة الله دليل على أنه لا يجزي من الأعمال إلا ما كان فيه رضا الله تعالى، وخلوصه لله دون رياء ولا سمعة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبلاغة والبيان والبديع.
منها التجنيس المغاير في : فقد ضل ضلالاً، وفي : فقد خسر خسراناً، وفي : ومن أحسن وهو محسن.
والتكرار في : لا يغفر ويغفر، وفي : يشرك ومن يشرك، وفي : لآمرنهم، وفي : اسم الشيطان، وفي : يعدهم وما يعدهم، وفي : الجلالة في مواضع، وفي : بأمانيكم ولا أماني، وفي : من يعمل ومن يعمل، وفي : ابراهيم.
والطباق المعنوي في : ومن يشاقق والهدى، وفي : أن يشرك به ولمن يشاء يعني المؤمن، وفي : سواء والصالحات.
والاختصاص في : بصدقة أو معروف أو إصلاح، وفي : وهو مؤمن، وملة ابراهيم، وفي : ما في السموات وما في الأرض.
والمقابلة في : من ذكر أو أنثى.
والتأكيد بالمصدر في : وعد الله حقاً.
والاستعارة في : وجهه لله عبر به عن القصد أو الجهة وفي : محيطاً عبر به عن العلم بالشيء من جميع جهاته.
والحذف في عدة مواضع.
قال الواحدي : ولا تكون النجوى إلا بين اثنين.
وقال الزجاج : النجوى ما انفرد به الجماعة، أو الإثنان سرّاً كان وظاهراً انتهى.
وقال ابن عطية : المسارة، وتطلق النجوى على القوم المتناجين، وهو من باب قوم عدل وصف بالمصدر.
وقال الكرماني : نجوى جمع نجي، وتقدم الكلام في هذه المادة، وتكرر هنا لخصوصية البنية.
مريد من مرد، عتا وعلا في الحذاقة، وتجرد للشر والغواية.
وقال ابن عيسى : وأصله التملس، ومن شجرة مرداء أي ملساء تناثر ورقها، وغلام أمرد لا نبات بوجهه، وصرح ممرد مملس لا يعلق به شيء لملاسته، والمارد الذي لا يعلق بشيء من الفضائل.
البتك : الشق والقطع، بتك يبتك، وبتك للتكثير، والبتك القطع واحدها بتكة.
قال الشاعر :
| حتى إذا ما هوت كف الوليد لها | طارت وفي كفه من ريشها بتك |
وقول الشاعر :
| ولم ندر أن حصنا من الموت حيصة | كم العمر باق والمدا متطاول |
قال الشاعر :
| تحيص من حكم المنية جاهداً | ما للرجال عن المنون محاص |
وحاص باص إذا وقع فيما لا يقدر على التخلص منه، ويقال : حاص يحوص حوصاً وحياصاً إذا نفر وزايل المكان الذي فيه.
والحوص في العين ضيق مؤخرها.
الخليل : فعيل من الخلة، وهي الفاقة والحاجة.
أو من الخلة وهي صفاء المودّة، أو من الخلل.
قال ثعلب : سمى خليلاً لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللاً إلا ملأته.
وأنشد قول بشار :
| قد تخللت مسلك الروح مني | وبه سمي الخليل خليلا |
وقال مقاتل : هم قوم من اليهود ناجوا قوم طعمة، واتفقا معهم على التلبيس على الرسول ﷺ في أمر طعمة.
وقال ابن عطية : هو عائد على الناس أجمع.
وجاءت هذه الآيات عامة فاندرج أصحاب النازلة وهم قوم طعمة في ذلك العموم، وهذا من باب الإيجاز والفصاحة، لكون الماضي والمغاير تشملهما عبارة واحدة انتهى.
وهذا الاستثناء منقطع إن كان النجوى مصدراً، ويمكن اتصاله على حذف مضاف أي : إلا نجوى من أمر، وقاله : أبو عبيدة.
وإن كان النجوى المتناجين قيل : ويجوز في : مِن الخفض من وجهين : أن يكون تابعاً لكثير، أو تابعاً للنجوى، كما تقول : لا خير في جماعة من القوم إلا زيد إن شئت اتبعت زيد الجماعة، وإن شئت اتبعته القوم.
ويجوز أن يكون مِن أمر مجروراً على البدل من كثير، لأنه في حيز النفي، أو على الصفة.
وإذا كان منقطعاً فالتقدير : لكن مَن أمر بصدقة فالخير في نجواه.
ومعنى أمر : حث وحض.
والصدقة تشمل الفرض والتطوّع.
والمعروف عام في كل بر.
واختاره جماعة منهم : أبو سليمان الدمشقي، وابن عطية.
فيندرج تحته الصدقة والاصلاح.
لكنهما جردا منه واختصا بالذكر اهتماماً، إذ هما عظيما الغذاء في مصالح العباد.
وعطف بأو فجعلا كالقسم المعادل مبالغة في تجريدهما، حتى صار القسم قسيماً.
وقيل : المعروف الفرض.
روي ذلك عن ابن عباس ومقاتل.
وقيل : إغاثة الملهوف.
قال الزمخشري : ويجوز أن يراد بالصدقة الواجب، وبالمعروف ما يتصدق به على سبيل التطوع انتهى.
وفي الحديث الصحيح :« كلُّ كلام ابن آدم عليه لا له إلا مَن كان أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكر الله تعالى ».
وحدّث سفيان الثوري بهذا الحديث أقواماً فقال أحدهم : ما أشد هذا الحديث ! فقال له : ألم تسمع كل معروف صدقة، وإنّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلقٍ.
وقال الحطيئة :
| من يفعل الخير لا يعدم جوازيه | لا يذهب العرف بين الله والناس |
وقيل : هو خاص بالإصلاح بين طعمة واليهودي المذكورين.
قال أبو عبد الله الرازي ما ملخصه : ذكر ثلاثة أنواع، لأن عمل الخير إما أن يكون بدفع المضرة وإليه الإشارة بقوله : أو إصلاح بين الناس.
أو بإيصال المنفعة إما جسمانياً وهو إعطاء المال، وإليه الإشارة بقوله : بصدقة.
أو روحانياً وهو تكميل القوة النظرية بالعلوم، أو القوة العملية بالأفعال الحسنة، ومجموعها عبارة عن الأمر بالمعروف، وإليه الإشارة بقوله : أو معروف.
وقال الراغب : يقال لكل ما يستحسنه العقل ويعرفه معروف، ولكل ما يستقبحه وينكره منكر.
ووجه ذلك أنه تعالى ركّز في العقول معرفة الخبر والشر، وإليه أشار بقوله :﴿صبغة الله﴾ ﴿وفطرة الله﴾ وعلى ذلك ما اطمأنت إليه النفس لمعرفتها به انتهى.
وهذه نزغة اعتزالية في أنّ العقل يحسن ويقبح.
وقيل : هذه الثلاثة تضمنت الأفعال الحسنة، وبدأ بأكثرها نفعاً وهو إيصال النفع إلى الغير، ونبه بالمعروف على النوافل التي هي من الإحسان والتفضل، والإصلاح بين الناس على سياستهم، وما يؤدي إلى نظم شملهم انتهى.
وقال عليه السلام :« ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة قيل : بلى يا رسول الله، قال : صلاح ذات البين » وخصّ مَن أمر بهذه الأشياء، وفي ضمن ذلك أنّ الفاعل أكثر استحقاقاً من الأمر، وإذا كان الخير في نجوى الأمر به فلا يكون في من يفعله بطريق الأولى.
﴿ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً﴾ لما ذكر أن الخير في مَن أمر ذكر ثواب من فعل، ويجوز أن يريد : ومن يأمر بذلك، فيعبر بالفعل عن الأمر، كما يعبر به عن سائر الأفعال.
وقرأ أبو عمرو وحمزة : يؤتيه بالياء، والباقون بالنون على سبيل الالتفات، ليناسب ما بعده من قوله :﴿نوله ما تولى ونصله﴾ فيكون إسناد الثواب والعقاب إلى ضمير المتكلم العظيم، وهو أبلغ من إسناده إلى ضمير الغائب.
ومن قرأ بالياء لحظ الاسم الغائب في قوله : ابتغاء مرضاة الله، وفي قوله : ابتغاء مرضاة الله دليل على أنه لا يجزي من الأعمال إلا ما كان فيه رضا الله تعالى، وخلوصه لله دون رياء ولا سمعة.
منها التجنيس المغاير في : فقد ضل ضلالاً، وفي : فقد خسر خسراناً، وفي : ومن أحسن وهو محسن.
والتكرار في : لا يغفر ويغفر، وفي : يشرك ومن يشرك، وفي : لآمرنهم، وفي : اسم الشيطان، وفي : يعدهم وما يعدهم، وفي : الجلالة في مواضع، وفي : بأمانيكم ولا أماني، وفي : من يعمل ومن يعمل، وفي : ابراهيم.
والطباق المعنوي في : ومن يشاقق والهدى، وفي : أن يشرك به ولمن يشاء يعني المؤمن، وفي : سواء والصالحات.
والاختصاص في : بصدقة أو معروف أو إصلاح، وفي : وهو مؤمن، وملة ابراهيم، وفي : ما في السموات وما في الأرض.
والمقابلة في : من ذكر أو أنثى.
والتأكيد بالمصدر في : وعد الله حقاً.
والاستعارة في : وجهه لله عبر به عن القصد أو الجهة وفي : محيطاً عبر به عن العلم بالشيء من جميع جهاته.
والحذف في عدة مواضع.