فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
أخبر الله سبحانه عن هذه الطائفة التي آمنت ثم كفرت ثم آمنت، ثم كفرت، ثم ازدادت كفراً بعد ذلك كله، أنه لم يكن الله سبحانه ليغفر لهم ذنوبهم، ولا ليهديهم سبيلاً يتوصلون به إلى الحق، ويسلكونه إلى الخير ؛ لأنه يبعد منهم كل البعد أن يخلصوا لله، ويؤمنوا إيماناً صحيحاً، فإن هذا الاضطراب منهم تارة يدّعون أنهم مؤمنون، وتارة يمرقون من الإيمان ويرجعون إلى ما هو دأبهم، وشأنهم من الكفر المستمرّ، والجحود الدائم يدلّ أبلغ دلالة على أنهم متلاعبون بالدين، ليست لهم نية صحيحة، ولا قصد خالص. قيل المراد بهؤلاء : اليهود فإنهم آمنوا بموسى، ثم كفروا بعزير، ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد ﷺ ؛ وقيل : آمنوا بموسى، ثم كفروا به بعبادتهم العجل، ثم آمنوا به عند عوده إليهم، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد ﷺ، والمراد بالآية : أنهم ازدادوا كفراً واستمروا على ذلك كما هو الظاهر من حالهم، وإلا فالكافر إذا آمن وأخلص إيمانه، وأقلع عن الكفر، فقد هداه الله السبيل الموجب للمغفرة، «والإسلام يجبّ ما قبله »، ولكن لما كان هذا مستبعداً منهم جداً كان غفران ذنوبهم، وهدايتهم إلى سبيل الحق مستبعداً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿إِنَّ الذين ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الآية، قال : هم اليهود والنصارى آمنت اليهود بالتوراة، ثم كفرت، وآمنت النصارى بالإنجيل، ثم كفرت. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عنه في الآية قال : هؤلاء اليهود آمنوا بالتوراة، ثم كفروا، ثم ذكر النصارى، فقال :﴿ثُمَّ ءامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ يقول : آمنوا بالإنجيل، ثم كفروا، ﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ بمحمد ﷺ. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين، ثم كفروا مرتين، ثم ازدادوا كفراً بعد ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ قال : تمادوا على كفرهم حتى ماتوا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن أبي وائل قال : إن الرجل ليتكلم في المجلس بالكلمة من الكذب ؛ ليضحك بها جلساءه، فيسخط الله عليهم جميعاً، فذكروا ذلك لإبراهيم النخعي، فقال : صدق أبو وائل، أو ليس ذلك في كتاب الله ؟ ﴿فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حتى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال : أنزل في سورة الأنعام ﴿حتى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] ثم نزل التشديد في سورة النساء ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مثْلُهُمْ﴾.
وأخرج ابن المنذر، عن سعيد بن جبير، أن الله جامع المنافقين من أهل المدينة والكافرين من أهل مكة الذين خاضوا واستهزءوا بالقرآن في جهنم جميعاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد :﴿الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ قال : هم المنافقون يتربصون بالمؤمنين ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ الله﴾ إن أصاب المسلمين من عدوّهم غنيمة قال المنافقون ﴿أَلَمْ نَكُن﴾ قد كنا ﴿مَّعَكُمْ﴾ فأعطونا من الغنيمة مثل ما تأخذون ﴿وَإِن كَانَ للكافرين نَصِيبٌ﴾ يصيبونه من المسلمين قال المنافقون للكفار ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ ألم نبين لكم أنا على ما أنتم عليه، قد كنا نثبطهم عنكم.
وأخرج ابن جرير عن السديّ ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ قال : نغلب عليكم. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب، والحاكم وصححه عن عليّ أنه قيل له : أرأيت هذه الآية :﴿وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً﴾ وهم يقاتلوننا، فيظهرون ويقتلون، فقال : ادنه ادنه، ثم قال :﴿فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً﴾. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : في الآخرة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي مالك نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، عن السديّ ﴿سَبِيلاً﴾ قال : حجة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى