المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
واختلف المتأولون في المراد بقوله تعالى :﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا﴾ فقالت طائفة منهم قتادة وأبو العالية : الآية في اليهود والنصارى، آمنت اليهود بموسى والتوراة ثم كفروا، وآمنت النصارى بعيسى والإنجيل ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً بمحمد ﷺ، ورجح الطبري هذا القول، وقال الحسن بن أبي الحسن : الآية في الطائفة من أهل الكتاب التي قالت ﴿آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره﴾(١) وقال مجاهد وابن زيد : الآية في المنافقين، فإن منهم من كان يؤمن ثم يكفر، ثم يؤمن ثم يكفر، يتردد في ذلك، فنزلت هذه الآية فيمن ازداد كفراً بأن تم على نفاقه حتى مات.
قال القاضي : وهذا هو القول المترجح، وقول الحسن بن أبي الحسن جيد محتمل، وقول قتادة وأبي العالية وهو الذي رجح الطبري قول ضعيف، تدفعه ألفاظ الآية، وذلك أن الآية إنما هي في طائفة يتصف كل واحد منها بهذه الصفة من التردد بين الكفر والإيمان، ثم يزداد كفراً بالموافاة، واليهود والنصارى لم يترتب في واحد منهم إلا إيمان واحد وكفر واحد، وإنما يتخيل فيهم الإيمان والكفر مع تلفيق الطوائف التي لم تتلاحق في زمان واحد، وليس هذا مقصد الآية(٢)، وإنما توجد هذه الصفة في شخص من المنافقين، لأن الرجل الواحد منهم يؤمن ثم يكفر، ثم يوافي على الكفر وتأمل قوله تعالى :﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾ فإنها عبارة تقتضي أن هؤلاء محتوم عليهم من أول أمرهم، ولذلك ترددوا وليست هذه العبارة مثل أن يقول : لا يغفر الله لهم، بل هي أشد، وهي مشيرة إلى استدراج من هذه حاله وإهلاكه(٣)، وهي عبارة تقتضي لسامعها أن ينتبه ويراجع قبل نفوذ الحتم عليه، وأن يكون من هؤلاء، وكل من كفر كفراً واحداً ووافى عليه فقد قال الله تعالى : إنه لا يغفر له، ولم يقل ﴿لم يكن الله ليغفر له﴾ فتأمل الفرق بين العبارتين فإنه من دقيق غرائب الفصاحة التي في كتاب الله تعالى، كأن قوله ﴿لم يكن الله﴾ حكم قد تقرر عليهم في الدنيا وهم أحياء.
١ - من الآية (٧٢) من سورة (آل عمران)، وهي قوله تعالى: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون﴾..
٢ - في بعض نسخ الأصول: "وليس هذا مقصد الكلام"..
٣ - في بعض النسخ: "إلى استدراج من هذه حاله أو هلاكه"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى