تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ١٣٧
وقوله تعالى :﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفر ولم يكن﴾ عن ابن عباس رضي الله عنه ( أنه )(١) قال :( نزلت الآية في الذين قال الله تعالى في سورة /١١٧-أ / آل عمران :﴿كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق﴾ ؟ ( الآية ٨٦ ).
وقيل : إنها نزلت في الذين آمنوا بموسى عليه السلام ثم كفروا لعد موسى، ثم آمنوا بعزيز، ثم كفروا بعده، ثم آمنوا بعيسى عليه السلام وبالإنجيل، ثم كفروا من بعده ﴿ثم ازدادوا كفرا﴾ بمحمد ﷺ وبالقرآن الكريم، وهو الأولى.
وقيل غير هذا. لكن ليس بنا إلى أنها فيهم نزلت حاجة، ولكن فيه دليل أنها في قوم، علم الله أنهم لا يؤمنون أبدا، ولا يتوبون، لأنه قال :﴿لمن يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا﴾ أخبر أنه لا يغفر لهم، وهو كقوله تعالى :﴿إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفر لن تقبل توبتهم﴾( آل عمران : ٩٠ ) لما علم الله أنهم لا يتوبون، وإلا لو آمنوا، قبلت توبتهم. فعلى ذلك الأول لما علم أنهم لا يتوبون ؛ على ذلك أخبر أنه لا يغفر لهم.
وفيه دليل أن تقبل توبة المرتد إذا تاب، ليس كما قال بعض الناس : إنه لا يقبل توبة المرتد لأنه أثبت لهم الإيمان بعدد الكفر والارتداد بقوله :﴿آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم﴾ كذا، فدل أنه إذا تاب تقبل منه.
وقال أصحابنا : يستتاب المرتد ثلاثا، فإن أسلم، وإلا قتل. روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( أنه )(٢) قال :( يستتاب المرتد ثلاثا، ثم تلا هذه الآية ). وعن ابن عمر رضي الله عنه كذلك. ولحق المشركين، فأخذناه. قال : ما صنعتم به ؟ قال(٣) : قتلناه. قال : هلا أدخلتموه بيتا، وأغلقتم عليه بابا ؛ أطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتبتموه ثلاثا ؟ فإن تاب، وإلا قتلتموه، ثم قال : اللهم إني لم أشهد، ولم آمر، ولم أرض حين بلغني ).
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه :( إذا ارتد ثلاثا، ثم تاب في كل مرة، فإنه يحبس في الثالثة، إذا تاب حتى يظهر منه خشوع التوبة ؛ وذلك إثر الثبات على التوبة(٤)، لأنه أظهر الفسق، والفاسق يحبس حتى يظهر خشوع التوبة ( عليه )(٥).
وقوله تعالى :﴿لم يكن الله لغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا﴾ لا يحتمل أن يكون أراد بقوله :﴿ولا ليهديهم سبيلا﴾ البيان على ما قاله قوم لأنه قد تولى لهم البيان، لكنهم تعاندوا، ولم يهتدوا، فدل أن ثم معنى فيه سوى البيان لم يعطهم لما علم أنهم لا يهتدون أبدا، وهو التوفيق، فهذا يرد على من لا يجعل الهدى إلا بيانا إذ قد بين لهم ذلك.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: قالوا..
٤ في الأصل وم: توبة..
٥ ساقطة من الأصل وم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى