الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَقَدْ نَزَّلَ﴾ قرأ الجماعة :" نُزِّل " مبنياً للمفعول، وعاصم / قرأه مبنياً للفاعل، وأبو حيوة وحميد " نَزَل " مخففاً مبنياً للفاعل، والنخعي " أُنْزِل " بالهمزة مبنياً للمفعول. والقائمُ مقامَ الفاعلِ في قراءةِ الجماعة والنخعي هو " أَنْ " وما في حَيِّزها أي : وقد نَزَّل عليكم المنعَ من مجالستهم عند سماعِكم الكفرَ بالآيات والاستهزاءَ بها. وأمّا في قراءةِ عاصم ف " أَنْ " مع ما بعدها في محل نصب مفعولاً به ب " نزَّل " والفاعل ضميرُ الله تعالى كما تقدم. وأما في قراءة أبي حيوة وحميد فمحلُّها رفع بالفاعلية ل " نزل " مخففاً، فمحلها : إمّا نصب على قراءة عاصم أو رفع على قراءة غيره، ولكن الرفع مختلف. و " أن " هذه هي المخففةُ من الثقيلة، واسمها ضمير الأمر والشأن، أي : أنَّ الأمر والشأن إذا سمعتم الكفر والاستهزاء فلا تقعدوا. قال الشيخ " وما قَدَّره أبو البقاء من قوله :" أنكم إذا سمعتم " ليس بجيد، لأن " أن " المخففة لا تعمل إلاَّ في ضمير الشأن، إلا في ضرورة كقوله :
فلو أَنْكِ في يومِ الرخاءِ سَأَلْتِنيطلاقَك لم أبخَلْ وأنتِ صديقُ
هكذا قال، ولم أَرَه أنا في إعراب أبي البقاء إلا أنه بالهاء دون الكاف والميم. والجملةُ الشرطية المنعقدةُ من " إذا " وجوابها في محل رفع خبراً ل " أَنْ " ومن مجيء الجملة الشرطية خبراً ل " أنْ " المخففة قوله :
فعلمْتُ أَنْ ما تَتَّقُوه فإنهجَزْرٌ لِخامعةٍ وفَرْخِ عقابِ
ف " ما " شرطيةٌ و " فإنه " جوابُها، والجملةُ خبرٌ ل " أن " المخففةِ.
قوله :﴿يُكَفَرُ بِهَا﴾ في محلِّ نصبٍ على الحال من الآيات، و " بها " في محلِّ رفعٍ لقيامِه مقامَ الفاعلِ، وكذلك في قولِه ﴿وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ والأصل : يَكفر بها أحدٌ، فلمَّا حُذِف الفاعلُ قام الجارُّ والجرورُ مقامه، ولذلك رُوعي هذا الفاعلُ المحذوف، فعاد عليه الضميرُ من قوله " معهم " " حتى يخوضوا " كأنه قيل : إذا سمعتم آياتِ الله يَكْفُر بها المشركون ويستهزئ بها المنافقون فلا تَقْعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيرِه أي : غيرِ حديث الكفر والاستهزاء، فعاد الضمير في " غيره " على ما دلَ عليه المعنى. وقيل : الضمير في " غيره " يجوزُ أَنْ يعود على الكفر والاستهزاء المفهومَيْن من قوله " يكفر بها " و " يستهزأ بها " وإنما أفرد الضمير وإن كان المراد به شيئين لأحد أمرين : إمَّا لأنَّ الكفرَ والاستهزاء شيءٌ واحدٌ في المعنى، وإمَّا لإِجراءِ الضميرِ مُجْرى اسمِ الإشارةِ نحو :
﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] و[ قوله :] كأنَّه في الجِلْدِ توليعُ البَهَقْ وقد تقدَّم تحقيقُه في البقرة. و " حتى " غايةٌ للنهي، والمعنى : أنه يجوز مجالستهم عند خوضِهم في غيرِ الكفر والاستهزاء.
وقوله :﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ﴾ " إذنْ " هنا مُلْغَاةٌ لوقوعها بين مبتدأ وخبر. والجمهور على رفعِ اللام في " مثلُهم " على خبرِ الابتداء. وقرئ شاذاً بفتحها، وفيها تخريجان، أحدهما :- وهو قولُ البصريين- أنه خبر أيضاً، وإنما فُتِح لإِضافته إلى غير متمكن كقوله تعالى :
﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] بفتح اللام، وقول الفرزدق :
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . وإذما مثلَهم بشرُ
في أحدِ الأوجه. والثاني :- وهو قولُ الكوفيين- أن " مثل " يجوز نصبُها على المحل أي الظرف، ويجيزون :" زيد مثلك " بالنصب على المحل أي : زيدٌ في مثلِ حالك. وأفرد " مثل " وإن أخبر به عن جمع ولم يُطابق به كما طابق ما قبله في قوله :﴿ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: ٣٨]، وقوله ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ﴾ [الواقعة: ٢٢ - ٢٣] : قال أبو البقاء وغيرُه :" لأنه قَصَدَ به هنا المصدرَ فوحَّد كما وحَّد في قوله :
﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٧]. وتحرير المعنى : أن التقدير : إن عصيانكم مثلُ عصيانهم، إلا أنَّ تقدير المصدرية في قوله " لبشر مثلنا " قلق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى