فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
وقوله :﴿أن إذا سمعتم آيات الله﴾ في محل نصب على القراءة الأولى على أنه مفعول ﴿نزل﴾.
وفي محل رفع على القراءة الثانية على أنه فاعل، وفي محل رفع على أنه مفعول ما لم يسمّ فاعله على القراءة الثالثة. و ﴿أن﴾ هي المخففة من الثقيلة، والتقدير أنه إذا سمعتم آيات الله. والكتاب : هو القرآن. وقوله :﴿يُكَفرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ حالان، أي : إذا سمعتم الكفر، والاستهزاء بآيات الله، فأوقع السماع على الآيات. والمراد : سماع الكفر والاستهزاء. وقوله :﴿فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حتى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي : أنزل عليكم في الكتاب أنكم عند هذا السماع للكفر، والاستهزاء بآيات الله لا تقعدوا معهم ما داموا كذلك حتى يخوضوا في حديث غير حديث الكفر والاستهزاء بها. والذي أنزله الله عليهم في الكتاب هو قوله تعالى :﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِى ءاياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] وقد كان جماعة من الداخلين في الإسلام يقعدون مع المشركين واليهود، حال سخريتهم بالقرآن، واستهزائهم به، فنهوا عن ذلك.
وفي هذه الآية باعتبار عموم لفظها الذي هو المعتبر دون خصوص السبب دليل على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقص، والاستهزاء للأدلة الشرعية، كما يقع كثيراً من أسراء التقليد الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة، ولم يبق في أيديهم سوى قال إمام مذهبنا كذا، وقال فلان من أتباعه بكذا، وإذا سمعوا من يستدلّ على تلك المسألة بآية قرآنية، أو بحديث نبوي سخروا منه، ولم يرفعوا إلى ما قاله رأساً، ولا بالوا به بالة، وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع، وخطب شنيع، وخالف مذهب إمامهم الذي نزلوه منزلة معلم الشرائع، بل بالغوا في ذلك حتى جعلوا رأيه الفائل، واجتهاده الذي هو عن منهج الحق مائل، مقدّماً على الله، وعلى كتابه، وعلى رسوله، فإنا لله، وإنا إليه راجعون، ما صنعت هذه المذاهب بأهلها، والأئمة الذين انتسب هؤلاء المقلدة إليهم برآء من فعلهم، فإنهم قد صرّحوا في مؤلفاتهم بالنهي عن تقليدهم، كما أوضحنا ذلك في رسالتنا المسماة ب «القول المفيد في حكم التقليد » وفي مؤلفنا المسمى ب «أدب الطلب، ومنتهى الأرب » اللهم انفعنا بما علمتنا، واجعلنا من المقتدين بالكتاب والسنة وباعد بيننا وبين آراء الرجال المبنية على شفا جرف هار، يا مجيب السائلين.
قوله :﴿إِنَّكُمْ إِذاً مثْلُهُمْ﴾ تعليل للنهي أي : إنكم إن فعلتم ذلك، ولم تنتهوا، فأنتم مثلهم في الكفر. قيل : وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات، ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر كما في قول القائل :
وكل قرين بالمقارنِ يقتدي ***
وهذه الآية محكمة عند جميع أهل العلم إلا ما يروى عن الكلبي فإنه قال : هي منسوخة بقوله تعالى :﴿وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم من شَىْء﴾
[الأنعام: ٦٩] وهو مردود، فإن من التقوى اجتناب مجالس هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله، ويستهزئون بها. قوله :﴿إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِى جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ هذا تعليل لكونهم مثلهم في الكفر، قيل : وهم القاعدون، والمقعود إليهم عند من جعل الخطاب موجهاً إلى المنافقين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿إِنَّ الذين ءامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الآية، قال : هم اليهود والنصارى آمنت اليهود بالتوراة، ثم كفرت، وآمنت النصارى بالإنجيل، ثم كفرت. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عنه في الآية قال : هؤلاء اليهود آمنوا بالتوراة، ثم كفروا، ثم ذكر النصارى، فقال :﴿ثُمَّ ءامَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ يقول : آمنوا بالإنجيل، ثم كفروا، ﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ بمحمد ﷺ. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين، ثم كفروا مرتين، ثم ازدادوا كفراً بعد ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ قال : تمادوا على كفرهم حتى ماتوا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن أبي وائل قال : إن الرجل ليتكلم في المجلس بالكلمة من الكذب ؛ ليضحك بها جلساءه، فيسخط الله عليهم جميعاً، فذكروا ذلك لإبراهيم النخعي، فقال : صدق أبو وائل، أو ليس ذلك في كتاب الله ؟ ﴿فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حتى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال : أنزل في سورة الأنعام ﴿حتى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] ثم نزل التشديد في سورة النساء ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مثْلُهُمْ﴾.
وأخرج ابن المنذر، عن سعيد بن جبير، أن الله جامع المنافقين من أهل المدينة والكافرين من أهل مكة الذين خاضوا واستهزءوا بالقرآن في جهنم جميعاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد :﴿الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ قال : هم المنافقون يتربصون بالمؤمنين ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ الله﴾ إن أصاب المسلمين من عدوّهم غنيمة قال المنافقون ﴿أَلَمْ نَكُن﴾ قد كنا ﴿مَّعَكُمْ﴾ فأعطونا من الغنيمة مثل ما تأخذون ﴿وَإِن كَانَ للكافرين نَصِيبٌ﴾ يصيبونه من المسلمين قال المنافقون للكفار ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ ألم نبين لكم أنا على ما أنتم عليه، قد كنا نثبطهم عنكم.
وأخرج ابن جرير عن السديّ ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ قال : نغلب عليكم. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب، والحاكم وصححه عن عليّ أنه قيل له : أرأيت هذه الآية :﴿وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً﴾ وهم يقاتلوننا، فيظهرون ويقتلون، فقال : ادنه ادنه، ثم قال :﴿فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً﴾. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : في الآخرة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي مالك نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، عن السديّ ﴿سَبِيلاً﴾ قال : حجة.
وفي محل رفع على القراءة الثانية على أنه فاعل، وفي محل رفع على أنه مفعول ما لم يسمّ فاعله على القراءة الثالثة. و ﴿أن﴾ هي المخففة من الثقيلة، والتقدير أنه إذا سمعتم آيات الله. والكتاب : هو القرآن. وقوله :﴿يُكَفرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ حالان، أي : إذا سمعتم الكفر، والاستهزاء بآيات الله، فأوقع السماع على الآيات. والمراد : سماع الكفر والاستهزاء. وقوله :﴿فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حتى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي : أنزل عليكم في الكتاب أنكم عند هذا السماع للكفر، والاستهزاء بآيات الله لا تقعدوا معهم ما داموا كذلك حتى يخوضوا في حديث غير حديث الكفر والاستهزاء بها. والذي أنزله الله عليهم في الكتاب هو قوله تعالى :﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِى ءاياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] وقد كان جماعة من الداخلين في الإسلام يقعدون مع المشركين واليهود، حال سخريتهم بالقرآن، واستهزائهم به، فنهوا عن ذلك.
وفي هذه الآية باعتبار عموم لفظها الذي هو المعتبر دون خصوص السبب دليل على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقص، والاستهزاء للأدلة الشرعية، كما يقع كثيراً من أسراء التقليد الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة، ولم يبق في أيديهم سوى قال إمام مذهبنا كذا، وقال فلان من أتباعه بكذا، وإذا سمعوا من يستدلّ على تلك المسألة بآية قرآنية، أو بحديث نبوي سخروا منه، ولم يرفعوا إلى ما قاله رأساً، ولا بالوا به بالة، وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع، وخطب شنيع، وخالف مذهب إمامهم الذي نزلوه منزلة معلم الشرائع، بل بالغوا في ذلك حتى جعلوا رأيه الفائل، واجتهاده الذي هو عن منهج الحق مائل، مقدّماً على الله، وعلى كتابه، وعلى رسوله، فإنا لله، وإنا إليه راجعون، ما صنعت هذه المذاهب بأهلها، والأئمة الذين انتسب هؤلاء المقلدة إليهم برآء من فعلهم، فإنهم قد صرّحوا في مؤلفاتهم بالنهي عن تقليدهم، كما أوضحنا ذلك في رسالتنا المسماة ب «القول المفيد في حكم التقليد » وفي مؤلفنا المسمى ب «أدب الطلب، ومنتهى الأرب » اللهم انفعنا بما علمتنا، واجعلنا من المقتدين بالكتاب والسنة وباعد بيننا وبين آراء الرجال المبنية على شفا جرف هار، يا مجيب السائلين.
قوله :﴿إِنَّكُمْ إِذاً مثْلُهُمْ﴾ تعليل للنهي أي : إنكم إن فعلتم ذلك، ولم تنتهوا، فأنتم مثلهم في الكفر. قيل : وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات، ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر كما في قول القائل :
وكل قرين بالمقارنِ يقتدي ***
وهذه الآية محكمة عند جميع أهل العلم إلا ما يروى عن الكلبي فإنه قال : هي منسوخة بقوله تعالى :﴿وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم من شَىْء﴾
[الأنعام: ٦٩] وهو مردود، فإن من التقوى اجتناب مجالس هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله، ويستهزئون بها. قوله :﴿إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِى جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ هذا تعليل لكونهم مثلهم في الكفر، قيل : وهم القاعدون، والمقعود إليهم عند من جعل الخطاب موجهاً إلى المنافقين.
وأخرج ابن المنذر، عن سعيد بن جبير، أن الله جامع المنافقين من أهل المدينة والكافرين من أهل مكة الذين خاضوا واستهزءوا بالقرآن في جهنم جميعاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد :﴿الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ قال : هم المنافقون يتربصون بالمؤمنين ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ الله﴾ إن أصاب المسلمين من عدوّهم غنيمة قال المنافقون ﴿أَلَمْ نَكُن﴾ قد كنا ﴿مَّعَكُمْ﴾ فأعطونا من الغنيمة مثل ما تأخذون ﴿وَإِن كَانَ للكافرين نَصِيبٌ﴾ يصيبونه من المسلمين قال المنافقون للكفار ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ ألم نبين لكم أنا على ما أنتم عليه، قد كنا نثبطهم عنكم.
وأخرج ابن جرير عن السديّ ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ قال : نغلب عليكم. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب، والحاكم وصححه عن عليّ أنه قيل له : أرأيت هذه الآية :﴿وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً﴾ وهم يقاتلوننا، فيظهرون ويقتلون، فقال : ادنه ادنه، ثم قال :﴿فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً﴾. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : في الآخرة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي مالك نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير، عن السديّ ﴿سَبِيلاً﴾ قال : حجة.