الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ﴾ : فيه ستة أوجه، أحدها : أنه بدلٌ من قوله :﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ﴾ فيجيء فيه الأوجه المذكورة هناك. الثاني : أنه نعتٌ للمنافقين على اللفظ فيكون مجرورَ المحل. الثالث : أنه تابعٌ لهم على الموضعِ فيكونُ منصوبَ المحلِّ، وقد تقرر أنَّ اسمَ الفاعلِ العاملَ إذا أُضيفَ إلى معمولِه جاز أن يُتْبَعَ معمولُه لفظاً وموضعاً، تقول :" هذا ضاربٌ هندٍ العاقلةِ والعاقلةَ " بجرِّ العاقلة ونصبِها. الرابع : أنه منصوبٌ على الشتم. الخامس : أنه خبرُ مبتدأ مضمر أي : هم الذين. السادس :- وذكره أبو البقاء - أنه مبتدأ والخبرُ قولُه :" فإنْ كان لكم فتحُ " وهذا ضعيفٌ لنبوِّ المعنى عنه ولزيادةِ الفاءِ في غيرِ محلِّها، لأنّ هذا الموصولَ غيرُ ظاهرِ الشبهِ باسم الشرط.
قوله :﴿وَنَمْنَعْكُمْ﴾ الجمهورُ على جزمه عطفاً على ما قبله. وقرأ ابن أبي عبلة بنصب العين وهي ظاهرةٌ، فإنه على إضمار " أن " بعد الواو المقتضية للجمع في جوابِ الاستفهام كقول الحطيئة :
وعَبَّر ابنُ عطية بعبارة الكوفيين فقال :" بفتحِ العين على الصرف " ويعنون بالصرف عدمَ تشريكِ الفعلِ مع ما قبلَه في الإِعراب. وقرأ أُبَي :" ومنعناكم " فعلاً ماضياً وهي ظاهرةٌ أيضاً لأنه حُمِلَ على المعنى، فإن معنى " ألم نستحوذ " : إنَّا قد استحوذنا، لأنَّ الاستفهامَ إذا دخل على نفي قَرَّره، ومثلُه :﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا﴾ [الشرح: ١ -٢] لَمَّا كان " ألم نشرح " في معنى " قد شرحنا " عُطِفَ عليه " ووضَعْنا ".
ونستحوذ واستحوذ مِمَّا شَذَّ قياساً وفَصُحَ استعمالاً / لأنَّه مِنْ حقه نَقْلُ حركةِ حرفِ علتِه إلى الساكن قبلها، وقَلْبُها ألفاً كاستقام واستبان وبابه، وقد قدمت تحقيق هذا في قوله :﴿نَسْتَعِينُ﴾ [ الآية : ٥ ] في الفاتحة، وقد شَذَّت معه الفاظُ أُخَرُ نحو :" أَغْمَيتْ وأَغْيلتْ المرأة وأَخْيلت السماء " قصرها النحويون على السماع، وقاسَها أبو زيد. والاستحواذ : التغلُّب على الشيء والاستيلاءُ عليه. ومنه :﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾
[المجادلة: ١٩]. ويقال :" حاذَ وأحاذ " بمعنى، والمصدُر الحَوْذ.
وقوله :﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ قيل : هنا معطوفٌ محذوف أي : وبينهم كقوله :
أي : وبيني، والظاهرُ أنه لا يَحْتاج لذلك، لأن الخطاب في " بينكم " شاملٌ للجميع، والمرادُ المخاطبون والغائبون، وإنما غَلَّبَ الخطاب لِما عَرَفْتَ من لغة العرب. قوله :﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ يجوز أن يتعلقَ بالجَعْلِ، ويجوز أَنْ يتعلَّق بمحذوفٍ ؛ لأنه في الأصلِ صفةٌ ل " سبيلا " فلمَّا قُدِّم عليه انتصبَ حالاً عنه.
قوله :﴿وَنَمْنَعْكُمْ﴾ الجمهورُ على جزمه عطفاً على ما قبله. وقرأ ابن أبي عبلة بنصب العين وهي ظاهرةٌ، فإنه على إضمار " أن " بعد الواو المقتضية للجمع في جوابِ الاستفهام كقول الحطيئة :
| ألم أكُ جارَكمْ ويكونَ بيني | وبينكمُ المودةُ والإخاءُ |
ونستحوذ واستحوذ مِمَّا شَذَّ قياساً وفَصُحَ استعمالاً / لأنَّه مِنْ حقه نَقْلُ حركةِ حرفِ علتِه إلى الساكن قبلها، وقَلْبُها ألفاً كاستقام واستبان وبابه، وقد قدمت تحقيق هذا في قوله :﴿نَسْتَعِينُ﴾ [ الآية : ٥ ] في الفاتحة، وقد شَذَّت معه الفاظُ أُخَرُ نحو :" أَغْمَيتْ وأَغْيلتْ المرأة وأَخْيلت السماء " قصرها النحويون على السماع، وقاسَها أبو زيد. والاستحواذ : التغلُّب على الشيء والاستيلاءُ عليه. ومنه :﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾
[المجادلة: ١٩]. ويقال :" حاذَ وأحاذ " بمعنى، والمصدُر الحَوْذ.
وقوله :﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ قيل : هنا معطوفٌ محذوف أي : وبينهم كقوله :
| فما كانَ بين الخيرِ لو جاء سالماً | أبو حُجُرٍ إلا ليالٍ قلائِلُ |