البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الاستحواذ : الاستيلاء والتغلب قاله : أبو عبيدة والزجاج.
ويقال : حاذ يحوذ حوذاً وأحاذ، بمعنى مثل حاذ وأحاذ.
وشدت هذه الكلمة فصحت عينها في النقال، قاس عليها أبو زيد الأنصاري.
﴿الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين﴾ المعنى الذين ينتظرون بكم ما يتجدد من الأحوال من ظفر لكم أو بكم، فإن كان لكم فتح من الله قالوا : ألم نكن معكم مظاهرين.
والمعنى : فاسهموا لنا بحكم إنّنا مؤمنون، وإن كان للكافرين أي اليهود نصيب، أي : نيل من المؤمنين قالوا : ألم نستحوذ عليكم، أي : ألم نغلبكم وننتمكن من قتلكم وأسركم، وأبقينا عليكم، ونمنعكم من المؤمنين بأن ثبطناهم عنكم، فاسهموا لنا بحكم أننا نواليكم فلا نؤذيكم، ولا نترك أحداً يؤذيكم.
قيل : المعنى أنّ الكفار واليهود هموا بالدخول في الإسلام فحذرهم المنافقون عن ذلك، وبالغوا في تنفيرهم سيضعف أمر الرسول، فمنوا عليهم عند حصول نصيب لهم بأنهم قد أرشدوهم لهذه المصالح، فيكون التقدير : ونمنعكم من اتباع المؤمنين والدخول في دينهم فاسهموا لنا.
وقيل : المعنى ألم نخبركم بأمرِ محمد وأصحابه ونطلعكم على سرهم ؟ وعن ابن عباس : ألم نحط من ورائكم ؟ والذين يتربصون بدل من الذين يتخذون، أو صفة للمنافقين، أو نصب على الذم، أو رفع على خبر الابتداء محذوف.
وسمى تعالى ظفر المؤمنين فتحاً عظيماً لهم، وجعل منه تعالى فقال : فتح من الله، وظفر الكافرين نصيباً، ولم ينسبه إليه تعالى تحقيراً لهم وتخسيساً لما نالوه من المؤمنين، لأن ظفر المؤمنين أمر عظيم تفتح له أبواب السماء كما قال أبو تمام في فتح المعتصم عمورية بلاد الروم :
فتح تفتح أبواب السماء لهوتبرز الأرض في أثوابها القشب
وأما ظفر الكافرين فهو حظ دنيوي يصيبونه.
وقرأ ابن أبي عبلة : ونمنعكم بنصب العين بإضمار بعد واو الجمع، والمعنى : ألم نجمع بين الاستحواذ عليكم، ومنعكم من المؤمنين ؟ ونظيره قول الحطيئة :
ألم أك جاركم ويكون بينيوبينكم المودة والإخاء
وقال ابن عطية : ونمنعكم بفتح العين على الصرف انتهى.
يعني الصرف عن التشريك لما بعدها في إعراب الفعل الذي قبلها، وليس النصب على الصرف من اصطلاح البصريين.
وقرأ أُبي : ومنعناكم من المؤمنين، وهذا معطوف على معنى التقدير : لأن المعنى إما استخوذنا عليكم ومنعناكم كقوله :﴿ألم نشرح لك صدرك ووضعنا﴾ إذ المعنى : أما شرحنا لك صدرك ووضعنا.
﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة﴾ أي وبينهم وينصفكم من جميعهم.
ويحتمل أن لا عطف، ومعنى بينكم أي : بين الجمع منكم ومنهم، وغلب الخطاب.
وهذه تسلية للمؤمنين وأنس بما وعدهم به.
﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ يعني يوم القيامة قاله : عليّ وابن عباس.
وروي عن سبيع الحضرمي قال : كنت عند عليّ فقال له رجل : يا أمير المؤمنين أرأيت قول الله تعالى :﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ كيف ذلك وهم يقاتلوننا ويظهرون علينا أحياناً ؟ فقال عليّ : معنى ذلك يوم القيامة، يوم الحكم.
قال ابن عطية : وبهذا قال جميع أهل التأويل.
قال ابن العربي : وهذا ضعيف لعدم فائدة الخبر فيه، وإنْ أوهم صدر الكلام معناه لقوله : فالله يحكم بينكم يوم القيامة.
وقيل : أنه تعالى لا يمحو بالكفر ملة الإسلام ولا يستبيح بيضتهم كما جاء في صحيح مسلم من حديث ثوبان قال :« فإني سألت ربي أن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً ».
وقيل : المعنى أنْ لا يتواصوا بالباطل، ولا يتناهوا عن المنكر، ويتقاعدوا عن التوبة، فيكون تسليط العدو عليهم من قبلهم كما قال تعالى :﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ قال ابن العربي : وهذا بين جداً، ويدل عليه قوله في حديث ثوبان : حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً.
وذلك أنّ حتى غاية، فيقتضي ظاهر الكلام أنه لا يسلط عليهم عدوهم فيستبيحهم إلا إذا كان منهم هلاك بعضهم بعضاً، وسبي بعضهم لبعض.
وقد وجد ذلك في هذه الأزمان بالفتن الواقعة بين المسلمين، فغلظت شوكة الكفار، واستولوا على بلاد المسلمين حتى لم يبق من الإسلام إلا أقله.
وقيل : سبيلاً من جهة الشرع، فإن وجد فبخلاف الشرع.
وقيل : سبيلاً حجة شرعية ولا عقلية يستظهرون بها إلا أبطلها ودحضت.
وقيل : سبيلاً أي ظهوراً قاله : الكلبي.
ويحمل على الظهور الدائم الكلي، فيؤول معناه إلى أنهم لا يستبيحون بيضة الإسلام وإلا فقد ظهروا في مواطن كأحد قبل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات من الفصاحة والبديع فنوناً التجنيس المغاير في : أن يصالحا بينهما صلحاً، وفي : فلا تميلوا كل الميل، وفي : فقد ضل ضلالاً، وفي : كفروا وكفروا.
والتجنيس المماثل في : ويستفتونك ويفتيكم، وفي : صلحاً والصلح، وفي : جامع وجميعاً.
والتكرار في : لفظ النساء، وفي لفظ يتامى، واليتامى، ورسوله، ولفظ الكتاب، وفي آمنوا ثم كفروا، وفي المنافقين.
والتشبيه في : كالمعلقة.
واللفظ المحتمل للضدين في : ترغبون أن تنكحوهن.
والاستعارة في : نشوزاً، وفي : وأحضرت الأنفس الشح، وفي : فلا تميلوا، وفي : قوامين، وفي : وإن تلووا أو تعرضوا، وفي : ازدادوا كفراً ولا ليهديهم سبيلاً، وفي : يتربصون، وفي : فتح من الله، وفي : ألم نستحوذ، وفي : سبيلاً.
وهذه كلها للأجسام استعيرت للمعاني.
والطباق في : غنياً أو فقيراً، وفي : فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا واتباع الهوى جور وفي الكافرين والمؤمنين.
والاختصاص في : بما تعملون خبيراً خص العمل.
والالتفات في : وقد نزل عليكم إذا كان الخطاب للمنافقين.
والحذف في مواضع.


وقد تضمنت هذه الآيات من الفصاحة والبديع فنوناً التجنيس المغاير في : أن يصالحا بينهما صلحاً، وفي : فلا تميلوا كل الميل، وفي : فقد ضل ضلالاً، وفي : كفروا وكفروا.
والتجنيس المماثل في : ويستفتونك ويفتيكم، وفي : صلحاً والصلح، وفي : جامع وجميعاً.
والتكرار في : لفظ النساء، وفي لفظ يتامى، واليتامى، ورسوله، ولفظ الكتاب، وفي آمنوا ثم كفروا، وفي المنافقين.
والتشبيه في : كالمعلقة.
واللفظ المحتمل للضدين في : ترغبون أن تنكحوهن.
والاستعارة في : نشوزاً، وفي : وأحضرت الأنفس الشح، وفي : فلا تميلوا، وفي : قوامين، وفي : وإن تلووا أو تعرضوا، وفي : ازدادوا كفراً ولا ليهديهم سبيلاً، وفي : يتربصون، وفي : فتح من الله، وفي : ألم نستحوذ، وفي : سبيلاً.
وهذه كلها للأجسام استعيرت للمعاني.
والطباق في : غنياً أو فقيراً، وفي : فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا واتباع الهوى جور وفي الكافرين والمؤمنين.
والاختصاص في : بما تعملون خبيراً خص العمل.
والالتفات في : وقد نزل عليكم إذا كان الخطاب للمنافقين.
والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى