البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الكسل : التثاقل، والتثبط، والفتور عن الشيء.
ويقال : أكسل الرجل إذا جامع فأدركه الفتور ولم ينزل.
﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾ تقدم تفسير يخادعون الله في أوّل البقرة.
ومعنى وهو خادعهم : أي منزل الخداع بهم، وهذه عبارة عن عقوبة سماها باسم الذنب.
فعقوبتهم في الدنيا ذلهم وخوفهم، وفي الآخرة عذاب جهنم قاله ابن عطية.
وقال الحسن، والسدي، وابن جريج، وغيرهم من المفسرين : هذا الخداع هو أنه تعالى يعطي هذه الأمّة يوم القيامة نوراً لكل إنسان مؤمن أو منافق، فيفرح المنافقون ويظنون أنهم قد نجوا، فإذا جاؤوا إلى الصراط طفىء نور كل منافق، ونهض المؤمنون.
وذلك قول المنافقين : انظرونا نقتبس من نوركم وذلك هو الخداع الذي يجري على المنافقين.
وقال الزمخشري : وهو خادعهم، وهو فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع، حيث تركهم معصومين الدماء والأموال في الدنيا، وأعد لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة، ولم يخلهم في العاجل من فضيحة وإحلال بأس ونقمة ورعب دائم.
والخادع من خدعته إذا غلبته، وكنت أخدع منه انتهى.
وبعضه مسترق من كلام الزجاج.
قال الزجاج : لما أمر بقبول ما أظهروا كان خادعاً لهم بذلك.
وقرأ مسلمة بن عبد الله النحوي : خادعْهم بإسكان العين على التخفيف، واستثقال الخروج من كسر إلى ضم.
وهذه الجملة معطوفة على خبر إن.
وقال أبو البقاء : هو في موضع الحال.
﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ أي متوانين لا نشاط لهم فيها، لأنهم إنما يصلون تستراً وتكلفاً، وينبغي للمؤمن أن يتحرز من هذه الخصلة التي ذمّ المنافقون، وأن يقبل إلى صلاته بنشاط وفرغ قلب وتمهل في فعلها، ولا يتقاعس عنها فعل المنافق الذي يصلي على كرهٍ لاعن طيب نفس ورغبة.
وما زال في كل عصر منافقون يتسترون بالإسلام، ويحضرون الصلوات كالمتفلسفين الموجودين في عصرنا هذا، وقد أشار بعض علمائنا إليهم في شعر قاله وضمن فيه بعض الآية، فقال في أبي الوليد بن رشد الحفيد وأمثاله من متفلسفة الإسلام :
لأشياع الفلاسفة اعتقاديرون به عن الشرح انحلالا
أباحوا كل محظور حراموردّوه لأنفسهم حلالا
وما انتسبوا إلى الإسلام إلالصون دمائهم أن لا تسالا
فيأتون المناكر في نشاطويأتون الصلاة وهم كسالى
وقرأ الجمهور : كسالى بضم الكاف، وهي لغة أهل الحجاز.
وقرأ الأعرج : كسالى بفتح الكاف وهي لغة تميم وأسد.
وقرأ ابن المسيمفع : كسلى على وزن فعلى، وصف بما يوصف به المؤنث المفرد على مراعاة الجماعة كقراءة.
﴿وترى الناس سكرى﴾ ﴿يراؤُون الناس﴾ أي يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة وأنهم مسلمون.
وهي من باب المفاعلة، يرى المرائي الناس تجمله بأفعال الطاعة، وهم يرونه استحسان ذلك العمل.
وقد يكون من باب فاعل بمعنى فعل، نحو نعمة وناعمة.
وروى أبو زيد : رأت المرأة المرآة إذا أمسكتها لترى وجهها.
وقرئ : يرؤن بهمزة مضمومة مشددة بين الراء والواو.
وقال ابن عطية : وهي أقوى في المعنى من يراؤون، لأن معناها يحملون الناس على أن يروهم ويتظاهرون لهم بالصلاة وهم يبطنون النفاق.
ونسب الزمخشري هذه القراءة لابن أبي إسحاق إلا أنه قال قرأ : يرؤنهم همزة مشددة مثل : يرعونهم أي يبصرونهم أعمالهم، ويراؤونهم كذلك.
﴿ولا يذكرون الله إلا قليلاً﴾ قال الحسن : قل لأنه كان يعمل لغير الله.
وقال قتادة : ما معناه إنما قل لكونه لم يقبله، وما رده الله فكثيره قليل، وما قبله فقليله كثير.
وقال غيره : قل بالنسبة إلى خوضهم في الباطل وقولهم الزور والكفر.
وقال الزمخشري : إلا قليلاً، لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به، وما يجاهرون به قليل، لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه، أولا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكراً قليلاً.
ويجوز أن يراد بالقلة العدم انتهى.
ولا يجوز أنْ يراد به العدم، لأن الاستثناء يأباه، وقد رددنا هذا القول عليه وعلى ابن عطية في هذه السورة.
وقيل : قل لأنهم قصدوا به الدنيا وزهرتها، وذلك فإنّ متاع الدنيا قليل، وقيل في الكلام حذف تقديره : ولا يذكرون عقاب الله وثوابه إلا قليلاً لاستغراقهم في الدنيا، وغلبة الغفلة على قلوبهم.
والظاهر أنّ الذكر هنا هو باللسان، وأنهم قلَّ أن يذكروا الله بخلاف المؤمن المخلص، فإنه يغلب على أحواله ذكر الله تعالى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:قيل : وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبديع.
فمنها التجنيس المغاير في : يخادعون وخادعهم، وشكرتم وشاكراً.
والمماثل في : وإذا قاموا.
والتكرار في : اسم الله، وفي : هؤلاء وهؤلاء، وفي : ويرون ويريدون، وفي : الكافرين والكافرين، وفي : أهل الكتاب وكتاباً، وفي : بميثاقهم وميثاقاً.
والطباق في : الكافرين والمؤمنين، وفي : إن تبدوا أو تخفوه، وفي : نؤمن ونكفر، والاختصاص في : إلى الصلاة، وفي : الدرك الأسفل، وفي : الجهر بالسوء.
والإشارة في مواضع.
الاستعارة في : يخادعون الله وهو خادعهم استعار اسم الخداع للمجازاة وفي : سبيلاً، وفي سلطاناً لقيام الحجة والدرك الأسفل لانخفاض طبقاتهم في النار، واعتصموا للالتجاء، وفي : أن يفرقوا، وفي : ولم يفرّقوا وهو حقيقة في الأجسام استعير للمعاني، وفي : سلطاناً استعير للحجة، وفي : غلف وبل طبع الله.
وزيادة الحرف لمعنى في : فبما نقضهم، وإسناد الفعل إلى غير فاعله في : فأخذتهم الصاعقة وجاءتهم البينات وإلى الراضي به وفي : وقتلهم الأنبياء، وفي : وقولهم على مريم بهتاناً وقولهم إنا قتلنا المسيح.
وحسن النسق في : فبما نقضهم ميثاقهم والمعاطيف عليه حيث نسقت بالواو التي تدل على الجميع فقط.
وبين هذه الأشياء أعصار متباعدة فشرك أوائلهم وأواخرهم لعمل أولئك ورضا هؤلاء.
وإطلاق اسم كل على بعض وفي : كفرهم بآيات الله وهو القرآن والإنجيل ولم يكفروا بشيء من الكتب إلا بهما وفي قولهم إنا قتلنا ولم يقل ذلك إلا بعضهم.
والتعريض في رسول الله إذا قلنا أنه من كلامهم.
والتوجيه في غلف من احتمال المصدر جمع غلاف أو جمع أغلف.
وعود الضمير على غير مذكور وهو في ليؤمنن به قبل موته على من جعلهما لغير عيسى.
والنقل من صيغة فاعل إلى فعيل في شهيد.
والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى