تفسير التستري — سهل التستري

عن الكتاب
قوله :﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾ [ ١٤٢ ] أي يسرع لهم الجزاء على إظهار الإيمان وإضمار الكفر بترك العصمة والتوفيق، وتمديد الأموال والبنين، والإطراق على عاجل الدنيا، وخاتمتهم النار، فهذا هو المراد من قوله :﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾ [ ١٤٢ ].
﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ [ ١٤٢ ] فهذه من علامات المنافقين، حيث خانوا في هذه الأمانة التي تحملوها في الظاهر، واعلم أن لله تعالى أمانة في سمعك وبصرك ولسانك وفرجك، وظاهرك وباطنك، عرضها عليك، فإن لم تحفظها خنت الله، و﴿الله لا يحب الخائنين﴾ [الأنفال: ٥٨].
وقد حكي عن أبي حبان أنه قال : ارتحلت إلى مكة وجئت سعيد بن جبير(١) فقلت له : جئتك من خراسان في تأويل قوله عليه الصلاة والسلام :«علامة المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان »(٢). ولا أرى أنها في نفسي، فتبسم سعيد وقال : وقع في سري ما وقع في سرك، فأتيت علي بن أبي طالب(٣) وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما وقت القيلولة، فوجدتهما عند البيت، فسألتهما عن تأويل هذا الحديث فتبسما، وقالا : لقد أشكل علينا ما أشكل عليك، فذهبنا إلى النبي ﷺ وقت القيلولة، فأذن لنا فذكرنا له ﷺ هذا، فتبسم رسول الله ﷺ وقال :«ألستما على شهادة أن لا إله إلا الله ؟ قلنا : بلى. فقال : هل رجعتما عن ذلك ؟ فقلنا : لا. قال : لقد قلتما وصدقتما. ثم قال : ألستما على ما قررتكما عليه من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث ؟ قلنا : نعم، كأنها رأي العين. فقال ﷺ : هذا من الإنجاز. ثم قال ﷺ : ألستما تصليان وتسجدان في الصلاة في الخلوة ؟ فقلنا : نعم. فقال : هي الأمانة لا خيانة فيها ».
وقال سهل : إن اليقين أوتاد قلوب العارفين وأرواح المشتاقين، كما أن جبال الدنيا مع جبل ق أوتاد الأرضين قوام للعالمين، ثم زاد قوة قلبك حيث قال تعالى :﴿لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله﴾ [الحشر: ٢١] وقد أنزلته على قلوبهم حفظا وعليكم أمرا، فلم يؤثر حمله فيكم لحفظي إياكم ولطفي ونظري إليكم.
ثم قال : انتهت عقول المؤمنين سائرة إلى العرش فسلمت وحفت بظرائف حكمه وفنون بره، وسارت عقول المنافقين، فلما بلغت رامت الغيوب، فردت منكسة، قال الله تعالى :﴿ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا﴾ [ ٨٨، ١٤٣ ].
١ - سعيد بن جبير الأسدي، بالولاء، الكوفي (٤٥-٩٥ هـ): تابعي، كان أعلمهم على الإطلاق. أخذ العلم عن ابن عباس وابن عمر. قتله الحجاج لخروجه على عبد الملك بن مروان. (الحلية ٤/٢٧٢)..
٢ - صحيح البخاري: كتاب الإيمان، حديث رقم ٣٣؛ وصحيح مسلم: كتاب الإيمان، حديث رقم ١٢٤..
٣ - ثمة شك في هذه الرواية، لأن علي بن أبي طالب قتل سنة ٤٠ هـ، أي قبل ولادة سعيد بن جبير..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى