فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿إِنَّ المنافقين يخادعون الله﴾ هذا كلام مبتدأ يتضمن بيان بعض قبائح المنافقين وفضائحهم، وقد تقدم معنى الخدع في البقرة، ومخادعتهم لله هي أنهم يفعلون فعل المخادع، من إظهار الإيمان وإبطان الكفر، ومعنى كون الله خادعهم : أنه صنع بهم صنع من يخادع من خادعه، وذلك أنه تركهم على ما هم عليه من التظهر بالإسلام في الدنيا، فعصم به أموالهم، ودماءهم، وأخر عقوبتهم إلى الدار الآخرة، فجازاهم على خداعهم بالدرك الأسفل من النار. قال في الكشاف : والخادع اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته، وكنت أخدع منه. والكسالى بضم الكاف جمع كسلان، وقرئ بفتحها. والمراد أنهم يصلون، وهم متكاسلون متثاقلون لا يرجون ثواباً، ولا يخافون عقاباً. والرياء إظهار الجميل ليراه الناس، لا لاتباع أمر الله، وقد تقدّم بيانه، والمراءاة المفاعلة. قوله :﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً﴾ معطوف على ﴿يراءون﴾، أي : لا يذكرونه سبحانه إلا ذكراً قليلاً أو لا يصلون إلا صلاة قليلة، ووصف الذكر بالقلة لعدم الإخلاص، أو لكونه غير مقبول، أو لكونه قليلاً في نفسه ؛ لأن الذي يفعل الطاعة لقصد الرياء، إنما يفعلها في المجامع، ولا يفعلها خالياً كالمخلص.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن الحسن في قوله :﴿إِنَّ المنافقين يخادعون الله﴾ الآية، قال : يلقي على كل مؤمن، ومنافق نور يمشون به يوم القيامة حتى إذا انتهوا إلى الصراط طفىء نور المنافقين، ومضى المؤمنون بنورهم، فتلك خديعة الله إياهم. وأخرج ابن جرير عن السديّ نحوه. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد، وسعيد بن جبير نحوه أيضاً.
ولا أدري من أين جاء لهم هذا التفسير، فإن مثله لا ينقل إلا عن النبيّ ﷺ. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال : نزلت في عبد الله بن أبيّ، وأبي عامر بن النعمان. وقد ورد في الأحاديث الصحيحة وصف صلاة المنافق، وأنه يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام، فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿مذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك﴾ قال : هم المنافقون :﴿لاَ إلى هَؤُلاء﴾ يقول : لا إلى أصحاب محمد ﴿وَلاَ إِلَى هَؤُلاء﴾ اليهود، وثبت في الصحيح عن النبيّ ﷺ :«إن مثل المنافق مثل الشاة الغائرة بين الغنمين تغير إلى هذه مرّة وإلى هذه مرّة فلا تدري أيهما تتبع ؟» وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة في قوله :﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مبِيناً﴾ قال : إن لله السلطان على خلقه ولكنه يقول عذراً مبيناً. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس قال : كل سلطان في القرآن، فهو حجة. والله سبحانه أعلم.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن مسعود في قوله :﴿إِنَّ المنافقين فِى الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ قال : في توابيت من حديد مقفلة عليهم، وفي لفظ مبهمة عليهم : أي : مغلقة لا يهتدي لمكان فتحها. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة نحوه. وأخرج ابن أبي الدنيا، عن ابن مسعود نحوه أيضاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة في قوله :﴿ما يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ﴾ الآية، قال : إن الله لا يعذّب شاكراً ولا مؤمناً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى