الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿يخادعون الله﴾ يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ وهو فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع حيث تركهم معصومي الدماء والأموال في الدنيا وأعدّ لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة، ولم يخلهم في العاجل من فضيحة وإحلال بأس ونقمة ورعب دائم. والخادع : اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه. وقيل : يعطون على الصراط نوراً كما يعطى المؤمنون فيمضون بنورهم ثم يطفأ نورهم ويبقى نور المؤمنين، فينادون : انظرونا نقتبس من نوركم ﴿كسالى﴾ قرئ بضم الكاف وفتحها، جمع كسلان، كسكارى في سكران، أي يقومون متثاقلين متقاعسين، كما ترى من يفعل شيئاً على كره لا عن طيبة نفس ورغبة ﴿يُرَآءُونَ الناس﴾ يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة ﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ولا يصلون إلا قليلاً لأنهم لا يصلون قط غائبين عن عيون الناس إلا ما يجاهرون به، وما يجاهرون به قليل أيضاً لأنهم ما وجدوا مندوحة من تكلف ما ليس في قلوبهم لم يتكلفوه. أو ولا يذكرون الله بالتسبيح والتهليل إلا ذكرا قليلاً في الندرة، وهكذا ترى كثيراً من المتظاهرين بالإسلام لو صحبته الأيام والليالي لم تسمع منه تهليلة ولا تسبيحة ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق به أوقاته لا يفتر عنه. ويجوز أن يراد بالقلة العدم.
فإن قلت : ما معنى المراءاة وهي مفاعلة من الرؤية ؟ قلت : فيها وجهان، أحدهما : أن المرائي يريهم عمله وهم يرونه استحسانه. والثاني : أن يكون من المفاعلة بمعنى التفعيل، فيقال : راءى الناس. يعني رآهم، كقولك : نعمه وناعمه، وفنقه وفانقه وعيش مفانق. روى أبو زيد : رأت المرأة المرأة الرجل، إذا أمسكتها لترى وجهه، ويدل عليه قراءة ابن أبي إسحاق : يرأونهم بهمزة مشدّدة : مثل. يرعونهم، أي يبصرونهم أعمالهم ويراؤونهم كذلك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى