المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
ومخادعة المنافقين هي لأولياء الله تعالى، إذ يظنونهم غير أولياء، ففي الكلام حذف مضاف، وإلزام ذنب اقتضته أفعالهم، وإن كانت نياتهم لم تقتضه، لأنه لا يقصد أحد من البشر مخادعة الله تعالى وقوله ﴿وهو خادعهم﴾ أي منزل الخداع بهم وهذه عبارة عن عقوبة سماها باسم الذنب، فعقوبتهم في الدنيا ذلهم وخوفهم وغم قلوبهم، وفي الآخرة عذاب جهنم، وقال السدي وابن جريج والحسن وغيرهم من المفسرين : إن هذا الخدع هو أن الله تعالى يعطي لهذه الأمة يوم القيامة نوراً لكل إنسان مؤمن أو منافق، فيفرح المنافقون ويظنون أنهم قد نجوا، فإذا جاؤوا إلى الصراط طفىء نور كل منافق، ونهض المؤمنون بذاك، فذلك قول المنافقين «انظرونا نقتبس من نوركم »(١) وذلك هو الخدع الذي يجري على المنافقين، وقرأ مسلمة بن عبد الله النحوي «وهو خادعْهم » بإسكان العين وذلك على التخفيف ثم ذكر تعالى كسلهم في القيام إلى الصلاة، وتلك حال كل من يعمل العمل كارهاً غير معتقد فيه الصواب تقية أو مصانعة، وقرأ ابن هرمز الأعرج «كَسالى » بفتح الكاف، وقرأ جمهور الناس «يرءّون » بهمزة مضمومة مشددة بين الراء والواو دون ألف، وهي تعدية رأى بالتضعيف وهي أقوى في المعنى من ﴿يراءون﴾ لأن معناها يحملون الناس على أن يروهم، ويتظاهرون لهم بالصلاة وهم يبطنون النفاق، وتقليله ذكرهم يحتمل وجهين، قال الحسن : قل لأنه كان لغير الله، فهذا وجه، والآخر أنه قليل بالنسبة إلى خوضهم في الباطل وقولهم الزور والكفر.
١ - من الآية (١٣) من سورة (الحديد)..