اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾*﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ ](١)
الدَّرْك : قرأ الكوفيُّون(٢) - بخلاف عن عاصمٍ - بسكون الراء، والباقون بفتحها، وفي ذلك قولان :
أحدهما : أنَّ الدَّرْك والدَّرَكِ لغتان بمعنى واحدٍ، كالشَّمْعِ والشَّمَعِ، والقَدْرِ والقَدَرِ.
والثاني : أن الدَّرَكَ بالفتح جمعُ " دَرَكَة " على حدِّ بَقَر وبَقَرة.
وقال أبو حاتم : جَمْع الدَّرْكِ : أدْرَاك ؛ مثل حَمْل وأحْمَال، وفَرْس وأفراس وجمع الدرك : أدْرُك ؛ مثل أفْلُس وأكْلُب.
واختار أبو عُبيد الفتح، قال : لأنه لم يَجِئْ في الآثار ذكرُ " الدَّرَك " إلا بالفتحِ، وهذا غيرُ لازمٍ لمجيء الأحاديثِ بإحدى اللغتين، واختار بعضهم الفتح ؛ لجمعه علَى أفعال قال الزمخشريُّ :" والوجهُ التحريكُ ؛ لقولهم : أدْرَاكُ جَهَنَّمَ "، يعني أنَّ أفْعَالاً منقاسٌ في " فَعَلٍ " بالفتحِ، دونَ فَعْل بالسكون، على أنه قد جاء أفعالٌ في فعْلٍ بالسكون ؛ نحو : فَرْخٍ وأفراخ، وزنْدٍ وأزنَادٍ، وفَرْدٍ وأفْرَادٍ، وقال أبو عبد الله الفاسيُّ في شرحِ القصيدِ :" وقال غيرُه - يعني غيرَ عاصم - ؛ محتجاً لقراءة الفتحِ ؛ قولهم في جمعه :" أدْرَاك " يدُلُّ على أنه " دَرَكٌ " بالفتح، ولا يلزمُ ما قال أيضاً ؛ لأن فعلاً بالتحريك قد جُمِعَ على أفعالٍ، كقَلَمٍ وأقْلاَمٍ، وجَبَل وأجْبَالٍ " انتهى، وهذه غفلةٌ منه ؛ لن المتنازع فيه إنما هو فعْلٌ بالتسكين : هل يُجمعُ على أفعالٍ، أم لا ؟ وأما فعَل بالتحريك فأفعالٌ قياسه، وكأنه قصد الردَّ على الزمخشريِّ، فوقع في الغلطِ، وكان ينبغي له أن يقول : وقد جُمِعَ فعلٌ بالسكون على أفعالٍ نحو : فَرْخٍ وأفْرَاخٍ، كما ذكرته لك، وحُكِيَ عن عاصم أنه قال :" لو كان " الدَّرَكُ " بالفتح، لكان ينبغي أن يقال السُّفْلى لا الأسفل " قال بعض النحويِّين : يعني أنَّ الدَّرَك بالفتح جمع " دَرَكَة " ؛ كبَقَرٍ جمع بقَرَةٍ، والجمعُ يُعامَلُ معاملةَ المؤنثة، وهذا غيرُ لازم ؛ لأنَّ اسم الجنس الفارقُ بين واحده وجمعه تاءُ التأنيث يجوز تذكيرُه وتأنيثه، إلا ما استُثني وجوبُ تذكيره أو تأنيثه، والدَّرَكُ ليس منه، فيجوزُ فيه الوجهان، هذا بعد تسليم كون " الدَّرْكِ " جمع " دَرَكَةٍ " بالسكون كما تقدم، والدَّرَكُ مأخوذٌ من المُداركة، وهي المتابعةُ، وسُمِّيَتْ طبقاتُ النارِ " دَرَكَاتٍ " ؛ لأنَّ بعضها مَدَارِكُ لبعض، أي : متتابعة.
قوله :" من النَّارِ " في محلَّ نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان :
أحدهما : أنه " الدَّرْك "، والعامل فيها الاستقرار.
والثاني : أنه الضميرُ المستتر في " الأسْفَل " ؛ لأنه صفةُ، فيتحمل ضميراً.
قال الليث(٣) : الدَّرْكُ أقْصَى قعْر الشيء ؛ كالبَحْر ونحوه، فعلى هذا المُرَاد بالدَّرْكِ الأسْفَل : أقْصَى قعر جَهَنَّم، وأصْلُ هذا من الإدْرَاكِ بمعنى اللُّحُوق، ومنه إدراكُ الطَّعَام وإدْراكُ الغُلاَمِ، قال الضحاك(٤) :[ الدَّرج ](٥) إذا كان بَعْضُها فوقَ بَعْضٍ، والدَّرك إذا كانَ بعضها أسْفَل مِنْ بَعْضٍ.

فصل في معنى الدرك


قال ابن مَسْعُود : الدَّرْكُ الأسْفَل من النَّارِ : توابِيت من حديدٍ مُقْفَلَة في النَّارِ، وقال أبُو هُرَيْرَة : بَيْتٌ يُقْفَل عليهم، تتوَقَّد فيه النَّارُ من فوقهم ومن تَحْتِهِم(٦).

فصل


قال ابن الأنْبَارِيّ(٧) : قال - تعالى - في صِفَةِ المُنَافِقِين : إنَّهُم في الدَّرْكِ الأسْفَلِ من النَّارِ(٨)، وقال في آلِ فِرْعَوْن :﴿أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] فأيُّهُمَا أشَدُّ عَذَاباً : المُنَافِقُون، أم(٩) آل فِرْعوْن ؟.
وأجَابَ : بأنَّهُ يحتمل أنَّ أشَدَّ العذاب إنَّما يكُون في الدَّرْكِ الأسْفَلِ، وقد اجْتَمَع(١٠) فيه الفَريقَانِ.

فصل لماذا كان المنافقون أشد عذاباً من الكفار ؟


إنَّما كان المُنَافِقُون أشَدّ عَذَاباً من الكُفَّارِ ؛ لأنَّهم مِثْلهم في الكُفْر، وضَمُّوا إليه نَوْعاً آخَرَ من الكُفْرِ، وهو الاسْتِهْزَاء بالإسْلامِ [ وأهْلِه أيضاً فإنّهم يُظْهِرُون الإسْلاَم ](١١) ؛ ليتَمَكَّنُوا من الاطِّلاعِ على أسْرَار المُسْلِمِين، ثُمَّ يُخْبِرُون الكُفَّار بذلك فتتضاعف المِحْنَة.
قوله :﴿وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ مانعاً من العذاب.
واحْتَجُّوا بهَذِهِ الآيَةِ على إثْبَات(١٢) الشَّفَاعةِ للفُسَّاقِ من المُسْلِمِين ؛ لأنه - تعالى - خَصَّ المُنَافِقِين بهذا التَّهْدِيدِ، ولو كَانَ ذلك حَاصِلاً لِغَيْر المُنَافِقِين، لم يَكُنْ ذلك زَجْراً عن النِّفَاقِ من حَيْثُ إنَّه نِفَاقٌ، ولَيْس هذا اسْتِدْلاَلاً بِدَلِيلِ الخِطَابِ، بل وجْه الاستدلالِ فيه ؛ أنه - تعالى - ذَكَرَهُ في مَعْرِضِ الزَّجْرِ عن النِّفَاقِ، فلو حَصَل ذلك مع عَدَمِهِ، لم يَبْقَ زَجْراً عَنْه من حَيْث إنَّه نِفَاقٌ.
١ سقط في ب..
٢ ينظر: السبعة ٢٣٩، والحجة ٣/١٨٨، وحجة القراءات ٢١٨، وإعراب القراءات ١/١٣٨، ١٣٩، والعنوان ٨٦، وشرح شعلة ٣٤٦، وشرح الطيبة ٤/٢٢٠، وإتحاف ١/٥٢٢..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١١/٦٩..
٤ ينظر: السابق..
٥ سقط في أ..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩/٣٣٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٩) وزاد نسبته للفريابي وابن أبي شيبة وهناد في "الزهد" وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم وابن المنذر..
٧ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٤١٩) عن أبي هريرة وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
وأخرجه الطبري (٩/٢٣٩) عنه بلفظ: توابيت ترتج عليهم وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٤١٩) وزاد نسبته لابن المنذر..

٨ ينظر: تفسير الرازي ١١/٦٩..
٩ في ب: أو..
١٠ في ب: جمع..
١١ سقط في ب..
١٢ في ب: ثبوت..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى