غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿في الدرك﴾ بسكون الراء : حمزة وعلي وخلف وعاصم غير الأعشى. الباقون بالفتح ﴿يؤتيهم﴾ بالياء : حفص وعياش. الباقون بالنون.
الوقوف :﴿خادعهم﴾ ط لعطف المختلفين. ﴿كسالى﴾ لا لأن ﴿يراؤون﴾. صفتهم ﴿قليلاً﴾ ه ز بناء على أن ﴿مذبذبين﴾ نصب على الذم، والأوجه أنه حال أي يراؤون مذبذبين. ﴿بين ذلك﴾ ق وقد قيل على تقدير الابتداء أي لا هم إلى هؤلاء، والأوجه أنه بيان الذبذبة أي لا منسوبين إلى هؤلاء ﴿هؤلاء﴾ الثانية ط ﴿سبيلاً﴾ ه ﴿من دون المؤمنين﴾ ط ﴿مبيناً﴾ ه ﴿من النار﴾ ج لابتداء النفي مع العطف. ﴿نصيراً﴾ ه ط للاستثناء. ﴿مع المؤمنين﴾ ط ﴿عظيماً﴾ ه ﴿وآمنتم﴾ ط ﴿عليماً﴾ ه ﴿ظلم﴾ ط ﴿عليماً﴾ ه ﴿قديراً﴾ ه ﴿ببعض﴾ لا للعطف ﴿سبيلاً﴾ ه لأ لأن ما بعده خبر " إن " وقيل : إن الخبر محذوف أي هلكوا وما يتلوه مستأنف. ﴿حقاً﴾ ج لاحتمال ما بعده للعطف والاستئناف ﴿مهيناً﴾ ه ﴿أجورهم﴾ ط ﴿رحيماً﴾ ه.
ثم برهن على أن فائدة الإيمان والعمل الصالح إنما ترجع على المكلفين فقال :﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ لأن تعذيب الملوك بعض الرعية إنما يكون للتشفي من الغيظ ولدرك الثأر أو لجلب المنافع أو لدفع المضار وأمثال هذه الأمور في حقه تعالى محال، وإنما المقصود حمل المكلفين على فعل الحسن وترك القبيح لينالوا السعادة العظمى، فمن امتثل وأطاع فكيف يليق بكرمه تعذيبه. قالت المعتزلة : هذا صريح في أنه تعالى لم يخلق أحداً لغرض التعذيب. وفي أن فاعل الشكر والإيمان هو العبد وإلاّ لصار التقدير ما يفعل الله بعذابكم إن خلق الشكر والإيمان فيكم، ومعلوم أن هذا غير منتظم. والجواب مسلم أنه تعالى غير مستكمل بالتعذيب ولا بالإثابة لكن وقوع البعض في مظاهر اللطف والبعض في مظاهر القهر ضروري كما سبق. وأيضاً انتهاء الكل إلى إرادته وخلقه وتكوينه ضروري بواسطة أو بغير واسطة، فيؤل المعنى إلى أنه لا يعذبكم إن كنتم مظاهر اللطف وهذا كلام في غاية الصحة. قال في الكشاف : وإنما قدم الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر أولاً إلى النعمة فيشكر شكراً مبهماً، ثم إذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به. وأقول : إن لم تكن الواو للترتيب فلا سؤال، وإن كانت للترتيب فلعله إنما قدم الشكر في هذه الآية خلاف أكثر الآيات التي قدم الإيمان فيها على العمل الصالح وهو الأصل، لأن الآية مسوقة في غرض المنافقين، ولم يقع نزاع في إيمانهم ظاهراً وإنما يقع النزاع في بواطنهم وأفعالهم التي تصدر عنهم غير مطابقة للقول اللساني، فكان تقديم الشكر ههنا أهم لأنه عبارة عن صرف جميع ما أعطاه الله تعالى فيما خلق لأجله حتى تكون أفعاله وأقواله على نهج السداد وسنن الاستقامة ﴿وكان الله شاكراً﴾ مثيباً على الشكر فسمى جزاء الشكر شكراً، وفيه أنه يجزي على العمل القليل ثواباً كثيراً ﴿عليماً﴾ بالكليات والجزئيات من غير غلط ونسيان فيوصل جزاء الشاكرين إليهم كما يليق بحالهم بل كما يليق بكرمه وسعة فضله ورحمته.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل : إنّ المنافقين يخادعون الله في الدنيا لأن الله خادعهم في الأزل حيث رش نوره وشاهدوه ثم أخطأهم إن شكرتم نعم الله عليكم وآمنتكم أنفسكم من عذابه ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول﴾ من العوام ولا من التحدث بالنفس من الخواص ولا من الخواطر من الأخص ﴿إلاّ من ظلم﴾ إما بتقاضي دواعي البشرية من غير اختيار أو بابتلاء من اضطرار. وأيضاً ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول﴾ بإفشاء سر الربوبية، وإظهار مواهب الألوهية، أو بكشف القناع من مكنونات الغيب ومصونات غيب الغيب ﴿إلا من ظلم﴾ بغلبات الأحوال وتعاقب كؤوس الجلال والجمال فاضطر إلى المقال فقال باللسان الباقي لا باللسان الفاني : أنا الحق وسبحاني ﴿إن تبدوا خيراً﴾ مما كوشفتم به من ألطاف الحق تنبيهاً للخلق وإفادة بالحق، أو تخفوه صيانة لنفوسكم عن آفات الشوائب وفطامها عن المشارب ﴿أو تعفوا عن سوء﴾ مما يدعو إليه هوى النفس الأمارة، أو تتركوا إعلان ما جعل الله إظهاره سوءاً ﴿فإن الله كان عفواً﴾ فتكون عفواً متخلقاً بأخلاقه ﴿إن الذين يكفرون﴾ فيه إشارة إلى أن الإيمان لا يتبعض وإن كان يزيد وينقص مثاله شعاع الشمس ؛ إذا دخل كوّة البيت فيزيد وينقص بحسب سعة الكوة وضيقها، ولكن لا يمكن تجزئتها بحيث يؤخذ جزء منه فيجعل في شيء آخر غير محاذ للشمس والله تعالى أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى