جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿مّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾. .
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿ما يَفْعَلُ اللّهُ بَعَذَابِكُمْ إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنْتُمْ﴾ : ما يصنع الله أيها المنافقون بعذابكم، إن أنتم تبتم إلى الله ورجعتم إلى الحقّ الواجب لله عليكم، فشكرتموه على ما أنعم عليكم من نعمه في أنفسكم وأهاليكم وأولادكم، بالإنابة إلى توحيده والاعتصام به، وإخلاصكم أعمالكم لوجهه، وترك رياء الناس بها، وآمنتم برسوله محمد ﷺ فصدّقتموه وأقررتم بما جاءكم به من عنده فعملتم به. يقول : لا حاجة بالله أن يجعلكم في الدرك الأسفل من النار إن أنتم أنبتم إلى طاعته وراجعتم العمل بما أمركم به وترك ما نهاكم عنه¹ لأنه لا يجتلب بعذابكم إلى نفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرّا، وإنما عقوبته من عاقب من خلقه جزاء منه له على جراءته عليه وعلى خلافه أمره ونهيه وكفرانه شكر نعمه عليه. فإن أنتم شكرتم له على نعمة وأطعتموه في أمره ونهيه، فلا حاجة به إلى تعذيبكم، بل يشكر لكم ما يكون منكم من طاعة له وشكر، بمجازاتكم على ذلك بما تقصر عنه أمانيكم فلم تبلغه آمالكم. ﴿وكَانَ اللّهَ شَاكِرا﴾ لكم ولعباده على طاعتهم إياه بإجزاله لهم الثواب عليها، وإعظامه لهم العوض منها. ﴿عَلِيما﴾ بما تعملون أيها المنافقون وغيركم من خير وشرّ وصالح وطالح، محصٍ ذلك كله عليكم محيط بجميعه، حتى يجازيكم جزاءكم يوم القيامة، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. وقد :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿ما يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنْتُمْ وكانَ اللّهُ شاكِرا عَلِيما﴾ قال : إن الله جلّ ثناؤه لا يعذّب شاكرا ولا مؤمنا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
وهذا القول هو معنى قول حذيفة بن اليمان، الذي:-
١٠٧٤٧- حدثنا به ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال، قال حذيفة: ليدخلن الجنة قوم كانوا منافقين! فقال عبد الله: وما علمك بذلك؟ فغضب حذيفة، ثم قام فتنحَّى. فلما تفرّقوا، مرَّ به علقمة فدعاه فقال: أمَا إنّ صاحبك يعلم الذي قلت! ثم قرأ:"إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرًا عظيمًا".
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم"، ما يصنع الله، أيها المنافقون، بعذابكم، إن أنتم تُبتم إلى الله ورجعتم إلى الحق الواجب لله عليكم، فشكرتموه على ما أنعم عليكم من نعمه في أنفسكم وأهاليكم وأولادِكم، بالإنابة إلى توحيده، والاعتصام به، وإخلاصكم أعمالَكم لوجهه، وترك رياء الناس بها، وآمنتم برسوله محمد ﷺ فصدَّقتموه، وأقررتم بما جاءكم به من عنده فعملتم به؟
يقول: لا حاجة بالله أن يجعلكم في الدَّرك الأسفل من النار، إن أنتم أنبتم إلى طاعته، وراجعتم العمل بما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه. لأنه لا يجتلب بعذابكم إلى نفسه نفعًا، ولا يدفع عنها ضُرًّا، وإنما عقوبته من عاقب من خلقه، جزاءٌ منه له على جرَاءته عليه، وعلى خلافه أمره ونهيه، وكفرانِه شكر نعمه عليه. فإن
١٠٧٤٨- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرًا عليمًا"، قال: إن الله جل ثناؤه لا يعذِّب شاكرًا ولا مؤمنًا.
* * *