الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ :" إنْ " هنا نافيةٌ بمعنى " ما " و " من أهل " يجوز فيه وجهان، أحدهما : أنه صفة لمبتدأ محذوف، والخبرُ الجملةُ القسمية المحذوفة وجوابها، والتقدير : وما أحد من أهل الكتاب إلا واللّهِ ليؤمِنَنَّ به، فهو كقوله :﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ [ مَّعْلُومٌ ]﴾ [الصافات: ١٦٤]. أي : ما أحدٌ منا، وكقوله :﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] أي : ما أحد منكم إلا ورادُها، هذا هو الظاهر، والثاني :- وبه قال الزمخشري وأبو البقاء - أنه في محلِّ الخبر، قال الزمخشري :" وجملة " ليؤمِنَنَّ به " جملةٌ قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره : وإنْ من أهل / الكتابِ أحدٌ إلا ليؤمنن به، ونحوه :﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾
[الصافات: ١٦٤] ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] والمعنى : وما من اليهود أحدٌ إلا ليؤمن " قال الشيخ :" وهو غلطٌ فاحش، إذ زعم أن " ليؤمنن به " جملة قسيمة واقعةٌ صفةً لموصوف محذوف إلى آخره، وصفة " أحد " المحذوف إنما [ هو ] الجار والمجرور كما قَدَّرناه، وأمّا قوله :" ليؤمنن به " فليست صفةً لموصوف ولا هي جملة قسيمة، إنما هي جملة جواب القسم، والقسم محذوف، والقسمُ وجوابُه خبر للمبتدأ إذ لا ينتظم من " أحد " والمجرور إسناد لأنه لا يفيد، وإنما ينتظم الإِسناد بالجملة القسمية وجوابها، فذلك هو محطُّ الفائدة، وكذلك أيضاً الخبرُ هو " إلاَّ له مقام "، وكذلك " إلا واردها " إذ لا ينتظم مما قبل " إلا " تركيب إسنادي " وهذا - كما ترى - قد أساء العبارة في حق الزمخشري بما زعم أنه غلط وهو صحيح مستقيم، وليت شعري كيف لا ينتظم الإِسناد من " أحد " الموصوفِ بالجملة التي بعده ومن الجارِّ قبله ؟ ونظيرُه أن تقول :" ما في الدار رجلٌ إلا صالحٌ " فكما أن " في الدار " خبر مقدم، و " رجل " مبتدأ مؤخر، و " إلا صالحٌ " صفته، وهو كلامٌ مفيد مستقيم، فكذلك هذا، غايةُ ما في الباب أنَّ " إلا " دَخَلَتْ على الصفة لتفيدَ الحصر. وأما ردُّه عليه حيث قال : جملةٌ قسمية، وإنما هي جوابُ القسم فلا يَحْتاج إلى الاعتذار عنه ويكفيه مثلُ هذه الاعتراضات.
واللام في " ليؤمِنَنَّ " جوابُ قسمٍ محذوف كما تقدَّم. وقال أبو البقاء :" ليؤمِنَنَّ جواب قسم محذوف، وقيل : أكَّد بها في غير القسم كما جاء في النفي والاستفهام " فقوله :" وقيل إلى آخره " إنما يستقيم ذلك إذا أعَدْنا الخلاف إلى نونِ التوكيد ؛ لأنَّ نون التوكيد قد عُهِد التأكيدُ بها في الاستفهام باطَّراد، وفي النفي على خلاف فيه، وأما التأكيدُ بلام الابتداء في النفي والاستفهام فلم يُعْهَد البتة.
وقال أيضاً قبل ذلك :" وما مِنْ أهل الكتاب أحدٌ، وقيل : المحذوف " مَنْ " وقد مرَّ نظيره، إلا أنَّ تقديرَ " مَنْ " هنا بعيدٌ، لأن الاستثناء يكون بعد تمام الاسم، و " مَنْ " الموصولة والموصوفة غيرُ تمامة " يعني أنَّ بعضَهم جعل ذلك المحذوفَ لفظَ " مَنْ " فيقدِّر : وإنْ مِنْ أهل مَنْ إلا ليؤمِنَنَّ، فجعل موضع " أحد " لفظَ " مَنْ " وقوله :" وقد مر نظيره " يعني قوله تعالى :﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] ومعنى التنظير فيه أنه قد صَرَّح بلفظ " مَنْ " المقدَّرة ههنا.
وقرأ أُبَي :﴿ليؤمِنُنَ به قبل موتهم﴾ بضم النون الأولى مراعاة لمعنى " أحد " المحذوف، وهو إن كان لفظه مفرداً فمعناه جمع. والضمير في " به " لعيسى. وقيل : لله تعالى، وقيل : لمحمد عليه السلام. وفي " موته " لعيسى. ويُروى في التفسير أنه حين ينزل إلى الأرض يؤمن به كلُّ أحد حتى تصيرَ الملةُ كلها إسلاميةً. وقيل : يعود على " أحد " المقدر، أي : لا يموتُ كتابي حتى يؤمن بعيسى، وينقل عن ابن عباس ذلك، فقال له عكرمة :" أفرأيت إنْ خَرَّ من بيت أو احترق أو أكله سَبُعٌ " قال : لا يموتُ حتى يُحَرِّكَ بها شفتيه أي : بالإِيمان بعيسى. وقرأ الفياض بن غزوان :" وإنَّ من أهل الكتاب " بتشديد " إنَّ " وهي قراءةٌ مردودةٌ لإِشكالها. قوله :﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ العامل فيه " شيهداً " وفيه دليلٌ على جوازِ تقدُّم خبرِ " كان " عليها، لأنَّ تقديمَ المعمولِ يُؤْذِن بتقديمِ العامل. وأجاز أبو البقاء أن يكون منصوباً ب " يكون " وهذا على رَأْي مَنْ يجيز ل " كان " أن تعمل في الظرفِ وشبهِه. والضميرُ في " يكون " لعيسى، وقيل : لمحمد عليه السلام.
[الصافات: ١٦٤] ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] والمعنى : وما من اليهود أحدٌ إلا ليؤمن " قال الشيخ :" وهو غلطٌ فاحش، إذ زعم أن " ليؤمنن به " جملة قسيمة واقعةٌ صفةً لموصوف محذوف إلى آخره، وصفة " أحد " المحذوف إنما [ هو ] الجار والمجرور كما قَدَّرناه، وأمّا قوله :" ليؤمنن به " فليست صفةً لموصوف ولا هي جملة قسيمة، إنما هي جملة جواب القسم، والقسم محذوف، والقسمُ وجوابُه خبر للمبتدأ إذ لا ينتظم من " أحد " والمجرور إسناد لأنه لا يفيد، وإنما ينتظم الإِسناد بالجملة القسمية وجوابها، فذلك هو محطُّ الفائدة، وكذلك أيضاً الخبرُ هو " إلاَّ له مقام "، وكذلك " إلا واردها " إذ لا ينتظم مما قبل " إلا " تركيب إسنادي " وهذا - كما ترى - قد أساء العبارة في حق الزمخشري بما زعم أنه غلط وهو صحيح مستقيم، وليت شعري كيف لا ينتظم الإِسناد من " أحد " الموصوفِ بالجملة التي بعده ومن الجارِّ قبله ؟ ونظيرُه أن تقول :" ما في الدار رجلٌ إلا صالحٌ " فكما أن " في الدار " خبر مقدم، و " رجل " مبتدأ مؤخر، و " إلا صالحٌ " صفته، وهو كلامٌ مفيد مستقيم، فكذلك هذا، غايةُ ما في الباب أنَّ " إلا " دَخَلَتْ على الصفة لتفيدَ الحصر. وأما ردُّه عليه حيث قال : جملةٌ قسمية، وإنما هي جوابُ القسم فلا يَحْتاج إلى الاعتذار عنه ويكفيه مثلُ هذه الاعتراضات.
واللام في " ليؤمِنَنَّ " جوابُ قسمٍ محذوف كما تقدَّم. وقال أبو البقاء :" ليؤمِنَنَّ جواب قسم محذوف، وقيل : أكَّد بها في غير القسم كما جاء في النفي والاستفهام " فقوله :" وقيل إلى آخره " إنما يستقيم ذلك إذا أعَدْنا الخلاف إلى نونِ التوكيد ؛ لأنَّ نون التوكيد قد عُهِد التأكيدُ بها في الاستفهام باطَّراد، وفي النفي على خلاف فيه، وأما التأكيدُ بلام الابتداء في النفي والاستفهام فلم يُعْهَد البتة.
وقال أيضاً قبل ذلك :" وما مِنْ أهل الكتاب أحدٌ، وقيل : المحذوف " مَنْ " وقد مرَّ نظيره، إلا أنَّ تقديرَ " مَنْ " هنا بعيدٌ، لأن الاستثناء يكون بعد تمام الاسم، و " مَنْ " الموصولة والموصوفة غيرُ تمامة " يعني أنَّ بعضَهم جعل ذلك المحذوفَ لفظَ " مَنْ " فيقدِّر : وإنْ مِنْ أهل مَنْ إلا ليؤمِنَنَّ، فجعل موضع " أحد " لفظَ " مَنْ " وقوله :" وقد مر نظيره " يعني قوله تعالى :﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] ومعنى التنظير فيه أنه قد صَرَّح بلفظ " مَنْ " المقدَّرة ههنا.
وقرأ أُبَي :﴿ليؤمِنُنَ به قبل موتهم﴾ بضم النون الأولى مراعاة لمعنى " أحد " المحذوف، وهو إن كان لفظه مفرداً فمعناه جمع. والضمير في " به " لعيسى. وقيل : لله تعالى، وقيل : لمحمد عليه السلام. وفي " موته " لعيسى. ويُروى في التفسير أنه حين ينزل إلى الأرض يؤمن به كلُّ أحد حتى تصيرَ الملةُ كلها إسلاميةً. وقيل : يعود على " أحد " المقدر، أي : لا يموتُ كتابي حتى يؤمن بعيسى، وينقل عن ابن عباس ذلك، فقال له عكرمة :" أفرأيت إنْ خَرَّ من بيت أو احترق أو أكله سَبُعٌ " قال : لا يموتُ حتى يُحَرِّكَ بها شفتيه أي : بالإِيمان بعيسى. وقرأ الفياض بن غزوان :" وإنَّ من أهل الكتاب " بتشديد " إنَّ " وهي قراءةٌ مردودةٌ لإِشكالها. قوله :﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ العامل فيه " شيهداً " وفيه دليلٌ على جوازِ تقدُّم خبرِ " كان " عليها، لأنَّ تقديمَ المعمولِ يُؤْذِن بتقديمِ العامل. وأجاز أبو البقاء أن يكون منصوباً ب " يكون " وهذا على رَأْي مَنْ يجيز ل " كان " أن تعمل في الظرفِ وشبهِه. والضميرُ في " يكون " لعيسى، وقيل : لمحمد عليه السلام.