المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ اختلف المتأولون في معنى الآية فقال ابن عباس وأبو مالك والحسن بن أبي الحسن وغيرهم : الضمير في ﴿موته﴾ راجع إلى عيسى، والمعنى أنه لا يبقى من أهل الكتاب أحد إذا نزل عيسى إلى الأرض إلا يؤمن بعيسى كما يؤمن سائر البشر، وترجع الأديان كلها واحداً، وقال مجاهد وابن عباس أيضاً وغيرهما : الضمير في ﴿به﴾ لعيسى وفي ﴿موته﴾ للكتابي الذي تضمنه قوله ﴿وإن من أهل الكتاب﴾ التقدير : وإن من أهل الكتاب أحد(١)، قالوا : وليس يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى روح الله، ويعلم أنه نبي ولكن عند المعاينة للموت، فهو إيمان لا ينفعه، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند المعاينة، وقال هذا القول عكرمة والضحاك والحسن بن أبي الحسن أيضاً، وقال عكرمة أيضاً : الضمير في ﴿به﴾ لمحمد عليه السلام، و ﴿قبل موته﴾ للكتابي، قال : وليس يخرج يهودي ولا نصراني من الدنيا حتى يؤمن بمحمد، ولو غرق أو سقط عليه جدار فإنه يؤمن في ذلك الوقت، وفي مصحف أبي بن كعب «قبل موتهم » ففي هذه القراءة تقوية لعود الضمير على الكتابي، وقرأ الفياض بن غزوان «وإنّ من أهل الكتاب » بتشديد «إن » والضمير المستتر في يكون هو لعيسى عليه السلام في جل الأقوال، ولمحمد عليه السلام في قول عكرمة.
١ - هذا هو تقدير سيبويه للآية، أما الكوفيون فيقدرونها: وإن من أهل الكتاب إلا من ليؤمنن به، قالوا: وفيه قبح، لأن فيه حذف الموصول، والصلة بعض الموصول فكأن فيه حذف بعض الاسم، هذا ومثل هذه الآية آيات أخرى كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾، وقوله تعالى: ﴿وما منا إلا له مقام معلوم﴾، والتقدير فيهما: وما أحد منكم إلا واردها، وما أحد منا إلا له مقام معلوم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى