اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
لما أمر تعالى في الآية المتقدّمة بالإحسان إلى النساء أمَرَ هنا بالتَّغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشةِ فإن ذلك إحسان إليهن في الحقيقة.
وأيضاً وكما يستوفى لخلقه فكذلك يستوفي عليهم وليس في أحكامه محاباة.
وأيضاً فلا يجعل أمر اللَّه بالإحسان إليهنَّ سبباً لترك إقامة الحدود عليهن فيصيرُ ذلك سبباً لوقوعهن في أنواع المفاسد.
قوله :﴿وَاللاَّتِي﴾ جمع " التي " في المعنى لا في اللَّفْظِ، لأنَّ هذه صيغٌ [ موضوعة للتّثنية والجمع، وليس بتثنية ولا جمع حقيقةً.
وقال أبُو البَقَاءِ :" اللاتي " جمع " التي " على غير قياس.
وقيل : هي صيغة ](١) موضوعة للجمع، ومثل هذا لا ينبغي أن يَعُدَّه خلافاً، ولها جموعٌ كثيرة : ثلاث عشرةَ لفظة، وهي : اللاتي واللوَاتِي، واللائِي، وبلا ياءات فهذه ستٌّ، واللاي بالياء من غير همز، واللا من غير ياء ولا همز، واللَّواء، بالمدِّ، واللَّوا بالقَصْر و " الأُلى " كقوله :[ الطويل ]
إلاَّ أنَّ الكثير أن تكون جمع " الَّذي " و " اللاَّءاتِ " مكسوراً مُطْلَقاً أوْ مُعْرباً إعرابَ جمع المؤنَّث السَّالم كقوله :[ الطويل ]
برفع اللاَّءات.
قال ابن الأنباريِّ : العرب تقولُ في الجمع من غير الحيوان، الّتي، ومن الحيوان : اللاتي، كقوله :﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء: ٥].
وقال في هذه الآية : اللاتي، واللائي، والفرق هو أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد وأمَّا جمع الحيوان ليس كذلك بل كلُّ واحدةٍ منهما غير متميزة عن غيرها بخواص(٤) وصفات فافترقا، ومن العَرَبِ من يسوِّي بين البابين، فيقولُ : كما فعلت الهندات التي من أمرها كذا، وما فعلت الأثواب التي من قصتهن كذا، والأوَّلُ هو المختار وفي محلِّ " اللاتي " قولان :
أحدهما : أنَّهُ رفعٌ بالابتداء، وفي الخبر حينئذ وجهان :
أحدهما : الجملة من قوله :﴿فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ﴾ وجاز دخول الفاء زائدة في الخبر، وإن لم يَجُزْ زيادتها في نحو :" زيدٌ فاضرِبْ " على رأي الجمهور ؛ لأنَّ المبتدأ أشبه الشرط في كونه موصولاً عامّاً صلته فِعْلُ مستقبل، والخبرُ مستحقٌّ بالصّلة.
الوجه الثاني : أنَّ الخبر محذوف، والتقدير :" فيما يتلى عليكم حكم اللاتي " فحذف الخبر والمضاف إلى المبتدأ للدلالة عليهما، وأقيمَ المضافُ إليه مُقامَه، وهذا نظيرُ ما فَعَلَهُ سيبويه في نحو :﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ﴾ [النور: ٢]
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ﴾ [المائدة: ٣٨]، أي فيما يُتلى عليكم حُكْمُ الزانية، ويكون قوله :" فاستشهدوا عليهن " " فاجلدوا " دالاًّ على ذلك الحكم المحذوف لأنه بيان له.
والقولُ الثاني : أنَّ محلَّهُ نصبٌ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنَّه منصوبٌ بفعل مقدر لدلالة السِّياق عليه لا على جهة الاشتغال لما سنذكره، والتقدير : اقصدوا اللاتي يأتين، أو تعمَّدوا ولا يجوز أن ينتصب بفعل مضمر يفسره قوله :" فاستشهدوا " فتكون المسألةُ من باب الاشتغال ؛ لأنَّ هذا الموصولَ أشبَهَ اسْمَ الشّرطِ، كما تقدَّم تقديره، واسم الشرط لا يجوز أن ينتصب على الاشتغال، لأنَّهُ لا يعمل فيه ما قبله فلو نصبناه بفعل فقد لزم أن يعمل فيه ما قبله هذا ما قاله بعضهمْ، ويقرُبُ منه ما قاله أبُو البَقَاءِ فإنَّهُ قال : وإذا كان كذلك، أي : كونه في حُكْمِ الشَّرْطِ لم يحسن النَّصب، لأنَّ تقدير الفعل قبل أداء الشَّرط لا يجوز، وتقديره بعد الصِّلةَ يحتاج إلى إضمار فعل غير قوله " فاستشهدوا " ؛ لأن " استشهدوا " لا يَصِحُّ أن يعمل النصب في " اللاتي "، وفي عبارته مناقشةٌ يطولُ ذكرُهَا.
والثَّاني : أنَّهُ منصوب على الاشتغال، ومَنَعُهُمْ ذلك بأنَّه يَلْزَمُ أن يعمل فيه ما قبله جوابه أنَّا نُقَدِّرُ الفعلَ بعده لا قَبْلَهُ(٥)، وهذا خلافٌ مشهور في أسماءِ الشَّرْطِ والاستفهام، هل يَجْرِي فيها الاشتغال أم لا ؟.
فمنعه قَوْمٌ لِمَا تقدم وأجازه آخرون مقدَِّرين الفعل بعد الشَّرْطِ والاستفهامِ. وكونُهُ منصوباً على الاشتغال هو ظاهر كلام مكِّيٍّ، فإنَّهُ ذكر ذلك في قوله :
﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] فالآيتانُ من وادٍ واحد ولا بُدَّ من إيراد نَصِّه لِيتَّضِحَ لك قوله ؛ قال - رحمه الله - :﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا﴾ [النساء: ١٦] الاختيار عند سيبويه في " اللذان " الرفع، وإن كان معنى الكلام الأمْرَ ؛ لأنَّه لمَّا وَصَلَ بالفعلِ تمكَّنَ معنى الشَّرط فيه، إذْ لا يقع على شيء بعينه، فلمَّا تمكَّنَ معنى الشَّرط والإبهام جرى مَجْرَى الشَّرطِ في كونه لم يَعْمل فيه مَا قَبْلَهُ، كما لا يعمل في الشَّرط ما قبله من مُضْمَر أو مظهر، ثم قال :" والنَّصْبُ جائِزٌ على إضمارِ فعل ؛ لأنَّهُ إنَّما أشبه الشّرط، وليس الشبيه بالشيءِ كالشيءِ في حكمه " انتهى.
وليس لقائل أن يَقُولَ : مُرَادُهُ النَّصْبُ(٦) بإضمار فعل(٧) النَّصب على الاشتغال، بل بفعلٍ مدلولٍ عليه كما تَقَدَّمَ نقله عن بعضهم، لأنه لم يكُنْ لتعليله بقوله :" لأنه إنما أشبه الشرط إلى آخره " فائدة، إذ النصبُ كذلك لا يحتاج إلى هذا الاعتذار.
قال القرطبيُّ(٨) : الفاحشة في هذا الموضع الزنا، فالمرادُ بالفاحشة : الفعلة القبيحة وهي مصدر كالعَاقِبَةِ والعَافِيَةِ، وقرأ(٩) ابن مسعود " بالفاحشة " بباء الجرِّ وقوله :" من نسائكم " في محلِّ النّصب على الحال من الفاعل في " يأتين "، فهو يتعلق بمحذوفٍ أي : يأتين كائناتٍ من نسائكم.
وأما قوله :" منكم " ففيه وجهان :
أحدهما : أن يتعلَّق بقوله :" فاستشهدوا ".
والثاني : أن يَتَعَلَّق بمحذوفٍ على أنَّهُ صفة ل " أربعة " فيكون في محل نصبٍ تقديره : فاستشهدوا عليهنَّ أربعةً كائنة منكم.
معنى يأتين الفاحشة أي يفعلنها يقال(١٠) : أتيت أمراً قبيحاً، أي : فعلته قال تعالى :
﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾ [مريم: ٢٧] وقوله تعالى :﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ [مريم: ٨٩] وقال ابن مسعود(١١) " بالفاحشة " هي الفعلة القبيحة.
قال أهل اللُّغَةِ هي مصدر كالعاقبة والعافية، ويُقَالُ : فحش الرَّجُلُ بمعنى تفحش فحشاً وفاحشة(١٢) وأفحش إذا جَاءَ بالقبيح من القول والفعل، وأجمعوا على أنَّ المراد بالفاحشة هنا الزّنا، وإنَّما تطلق الفاحشةُ على الزِّنا لزيادتها في القُبْحِ على كثير من القَبَائِحِ.
فإن قيل : الكفرُ أقْبَحُ منه، وقتل النفس أقبح منه، ولا يُسمَّى ذلك فاحشة ؟
فالجوابُ من وجهين :
الأوَّلُ : أنَّ الكفرَ لا يستحقه الكافر من نفسه ولا يعتقده قبحاً(١٣)، بل يعتقده صواباً، وكذلك المقبل على الشجاعة يُقْدِمُ عليها من يراها حسنةً وأمَّا الزِّنَا ففاعله يعلمُ قُبْحَهُ [ ويُقْدِمُ عَلَيْهِ ](١٤) وَيُوَافِق على فحشه.
الثاني : قال ابن الخطيب(١٥) : إنَّ القُوَى المدَبرة لقوى الإنسان ثلاثة القُوَى النّاطقة، والقوَّةُ الغضبية، والقوّة الشَّهوانيةُ وفساد القوَّة النَّاطقة هو الكفر والبدعة وما يشبههما، وفساد القوَّة الغضبية هو القتل وما يشبهه وأخس(١٦) هذه القوى الثلاثة القوة الشَّهوانية فلا جَرَمَ كَانَ فَسَادُهَا أخس أنواع الفساد، فلهذا السبب خُصَّ هذا العمل بالفاحشةِ.
قوله :﴿فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ﴾ أي : من المسلمين فجعل اللَّهُ الشهادةَ على الزنا خاصة بأربعة تغليظاً على المدَّعي وستراً على العباد.
وقال القرطبيُّ(١٧) : وتعديل الشهود بأربعة في الزّنا حكم ثابت في التّوراة والإنجيل والقرآن(١٨) ؛ قال الله تعالى :﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] وقال هنا :﴿فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ﴾ وروى أبو داود عن جابر بن عبد اللَّه : جاءت اليهودُ برجُلٍ وامرأةٍ زنيا، فقال عليه السَّلام :" ائْتُونِي بأعْلَمَ رَجُلَيْنِ(١٩) مِنْكُم "، فَأتَوْهُ بابْنَي صُورِيَا فَنَشَدهُمَا : كَيْفَ تَجِدَانِ أمْرَ هَذَيْنِ في التَّوْرَاةِ ؟ قَالاَ : نَجِدُ في التَّوراةِ إذَا شَهِدَ أرْبَعةٌ أنَّهمُ رأوا ذكَرَهُ في فَرْجِهَا مِثلَ الْميلِ فِي المُكْحلةِ رُجِمَا قَالَ : فما يَمْنَعُكُمَا أن تَرْجُمُوهُمَا ؟ قَالاَ : ذَهَبَ سُلْطَانُنَا فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ ؛ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشُّهُودَ فَشَهِدُوا أنَّهُم رَأوا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْميلِ فِي المُكْحلةِ فَأمَرَ رَسولُ اللَّه ﷺ بِرَجْمِهِمَا ".
وقال قومٌ : إنَّمَا كان الشُّهود في الزِّنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق ؛ إذْ هو حقٌّ يؤخذ(٢٠) من كلِّ واحد منهما، وهذا ضعيف ؛ فإنَّ اليمين تدخل من الأموال والَّلوْثُ في القسامة ولا يدخلُ لواحد منهما هنا.
قال جمهورُ المفسرين(٢١) : المراد من هذه الآية أنَّ المرأةَ إذا أتَت(٢٢) الزِّنَا فإن شَهِدَ عَلَيْهَا أربعةُ رجال أحرار عدول أنَّها زنت ؟ أمْسِكَتْ في بيت محبوسة، إلى أن تموت أو يجعل اللَّهُ لها سبيلاً، وقال أبُو مُسْلِمٍ : المرادُ من هذه الفاحشة السَّحاقات وَحَدُّهن(٢٣) الحبس إلى الموتِ، والمرادُ من قوله :﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٦] أهل اللواطُ وَحَدُّها الأذى بالقول والفعل، والمراد بالآية المذكورة في سورة النُّورِ : الزنا بين الرَّجل والمرأة وَحَده في البكر الجلد، وفي المحصن الرَّجم، ويَدُلُّ على ذلك وجوه :
أحدها : أن قوله :﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ مخصوص بالنّسوان وقوله :
﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٦] مَخْصُوصٌ بالرِّجال ؛ لأنَّ قوله " اللذان " تثنية المذكر.
فإنْ قيل : لم لا يجوزُ أن يكونَ المراد من قوله :﴿وَاللَّذَانَ﴾ الذّكر والأنثى إلاَّ أنَّه غلب لفظ الذَّكر.
فالجوابُ : لو كان كذلك لما أفرد ذكر النِّساء من قبل، فلما أفرد ذكرهن ثم ذكر بعده قوله :﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾ سقط هذا الاحتمال.
وثانيها : أنَّ على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيات بل يكون حكم كلِّ واحد منهما باقياً مقرراً وعلى ما ذكر ثم يلزمُ النسخ في هاتين(٢٤) الآيتين والنَّسخ خلافُ الأصل.
ثالثها : أنَّ على التقدير الَّذي ذكرتم يكون قوله :﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ في الزنا، وقوله :﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾ في الزِّنَا أيضاً فيفضي إلى تكرار(٢٥) الشيء الواحد في الموضع الواج
وأيضاً وكما يستوفى لخلقه فكذلك يستوفي عليهم وليس في أحكامه محاباة.
وأيضاً فلا يجعل أمر اللَّه بالإحسان إليهنَّ سبباً لترك إقامة الحدود عليهن فيصيرُ ذلك سبباً لوقوعهن في أنواع المفاسد.
قوله :﴿وَاللاَّتِي﴾ جمع " التي " في المعنى لا في اللَّفْظِ، لأنَّ هذه صيغٌ [ موضوعة للتّثنية والجمع، وليس بتثنية ولا جمع حقيقةً.
وقال أبُو البَقَاءِ :" اللاتي " جمع " التي " على غير قياس.
وقيل : هي صيغة ](١) موضوعة للجمع، ومثل هذا لا ينبغي أن يَعُدَّه خلافاً، ولها جموعٌ كثيرة : ثلاث عشرةَ لفظة، وهي : اللاتي واللوَاتِي، واللائِي، وبلا ياءات فهذه ستٌّ، واللاي بالياء من غير همز، واللا من غير ياء ولا همز، واللَّواء، بالمدِّ، واللَّوا بالقَصْر و " الأُلى " كقوله :[ الطويل ]
| فَأمَّا الأُلَى يَسْكُنَّ غَوْرَ تِهَامَةٍ | فَكُلُّ فَتَاةٍ تَتْرُكُ الْحِجْلَ أفْصَمَا(٢) |
| أولَئِكَ إخْوَانِي الَّذِينَ عَرَفْتُهُمْ | وأخدَانُكَ اللاَّءَاتُ زُيِّنَ بِالْكَتَمْ(٣) |
قال ابن الأنباريِّ : العرب تقولُ في الجمع من غير الحيوان، الّتي، ومن الحيوان : اللاتي، كقوله :﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء: ٥].
وقال في هذه الآية : اللاتي، واللائي، والفرق هو أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد وأمَّا جمع الحيوان ليس كذلك بل كلُّ واحدةٍ منهما غير متميزة عن غيرها بخواص(٤) وصفات فافترقا، ومن العَرَبِ من يسوِّي بين البابين، فيقولُ : كما فعلت الهندات التي من أمرها كذا، وما فعلت الأثواب التي من قصتهن كذا، والأوَّلُ هو المختار وفي محلِّ " اللاتي " قولان :
أحدهما : أنَّهُ رفعٌ بالابتداء، وفي الخبر حينئذ وجهان :
أحدهما : الجملة من قوله :﴿فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ﴾ وجاز دخول الفاء زائدة في الخبر، وإن لم يَجُزْ زيادتها في نحو :" زيدٌ فاضرِبْ " على رأي الجمهور ؛ لأنَّ المبتدأ أشبه الشرط في كونه موصولاً عامّاً صلته فِعْلُ مستقبل، والخبرُ مستحقٌّ بالصّلة.
الوجه الثاني : أنَّ الخبر محذوف، والتقدير :" فيما يتلى عليكم حكم اللاتي " فحذف الخبر والمضاف إلى المبتدأ للدلالة عليهما، وأقيمَ المضافُ إليه مُقامَه، وهذا نظيرُ ما فَعَلَهُ سيبويه في نحو :﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ﴾ [النور: ٢]
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ﴾ [المائدة: ٣٨]، أي فيما يُتلى عليكم حُكْمُ الزانية، ويكون قوله :" فاستشهدوا عليهن " " فاجلدوا " دالاًّ على ذلك الحكم المحذوف لأنه بيان له.
والقولُ الثاني : أنَّ محلَّهُ نصبٌ، وفيه وجهان :
أحدهما : أنَّه منصوبٌ بفعل مقدر لدلالة السِّياق عليه لا على جهة الاشتغال لما سنذكره، والتقدير : اقصدوا اللاتي يأتين، أو تعمَّدوا ولا يجوز أن ينتصب بفعل مضمر يفسره قوله :" فاستشهدوا " فتكون المسألةُ من باب الاشتغال ؛ لأنَّ هذا الموصولَ أشبَهَ اسْمَ الشّرطِ، كما تقدَّم تقديره، واسم الشرط لا يجوز أن ينتصب على الاشتغال، لأنَّهُ لا يعمل فيه ما قبله فلو نصبناه بفعل فقد لزم أن يعمل فيه ما قبله هذا ما قاله بعضهمْ، ويقرُبُ منه ما قاله أبُو البَقَاءِ فإنَّهُ قال : وإذا كان كذلك، أي : كونه في حُكْمِ الشَّرْطِ لم يحسن النَّصب، لأنَّ تقدير الفعل قبل أداء الشَّرط لا يجوز، وتقديره بعد الصِّلةَ يحتاج إلى إضمار فعل غير قوله " فاستشهدوا " ؛ لأن " استشهدوا " لا يَصِحُّ أن يعمل النصب في " اللاتي "، وفي عبارته مناقشةٌ يطولُ ذكرُهَا.
والثَّاني : أنَّهُ منصوب على الاشتغال، ومَنَعُهُمْ ذلك بأنَّه يَلْزَمُ أن يعمل فيه ما قبله جوابه أنَّا نُقَدِّرُ الفعلَ بعده لا قَبْلَهُ(٥)، وهذا خلافٌ مشهور في أسماءِ الشَّرْطِ والاستفهام، هل يَجْرِي فيها الاشتغال أم لا ؟.
فمنعه قَوْمٌ لِمَا تقدم وأجازه آخرون مقدَِّرين الفعل بعد الشَّرْطِ والاستفهامِ. وكونُهُ منصوباً على الاشتغال هو ظاهر كلام مكِّيٍّ، فإنَّهُ ذكر ذلك في قوله :
﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] فالآيتانُ من وادٍ واحد ولا بُدَّ من إيراد نَصِّه لِيتَّضِحَ لك قوله ؛ قال - رحمه الله - :﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا﴾ [النساء: ١٦] الاختيار عند سيبويه في " اللذان " الرفع، وإن كان معنى الكلام الأمْرَ ؛ لأنَّه لمَّا وَصَلَ بالفعلِ تمكَّنَ معنى الشَّرط فيه، إذْ لا يقع على شيء بعينه، فلمَّا تمكَّنَ معنى الشَّرط والإبهام جرى مَجْرَى الشَّرطِ في كونه لم يَعْمل فيه مَا قَبْلَهُ، كما لا يعمل في الشَّرط ما قبله من مُضْمَر أو مظهر، ثم قال :" والنَّصْبُ جائِزٌ على إضمارِ فعل ؛ لأنَّهُ إنَّما أشبه الشّرط، وليس الشبيه بالشيءِ كالشيءِ في حكمه " انتهى.
وليس لقائل أن يَقُولَ : مُرَادُهُ النَّصْبُ(٦) بإضمار فعل(٧) النَّصب على الاشتغال، بل بفعلٍ مدلولٍ عليه كما تَقَدَّمَ نقله عن بعضهم، لأنه لم يكُنْ لتعليله بقوله :" لأنه إنما أشبه الشرط إلى آخره " فائدة، إذ النصبُ كذلك لا يحتاج إلى هذا الاعتذار.
فصل
قال القرطبيُّ(٨) : الفاحشة في هذا الموضع الزنا، فالمرادُ بالفاحشة : الفعلة القبيحة وهي مصدر كالعَاقِبَةِ والعَافِيَةِ، وقرأ(٩) ابن مسعود " بالفاحشة " بباء الجرِّ وقوله :" من نسائكم " في محلِّ النّصب على الحال من الفاعل في " يأتين "، فهو يتعلق بمحذوفٍ أي : يأتين كائناتٍ من نسائكم.
وأما قوله :" منكم " ففيه وجهان :
أحدهما : أن يتعلَّق بقوله :" فاستشهدوا ".
والثاني : أن يَتَعَلَّق بمحذوفٍ على أنَّهُ صفة ل " أربعة " فيكون في محل نصبٍ تقديره : فاستشهدوا عليهنَّ أربعةً كائنة منكم.
فصل
معنى يأتين الفاحشة أي يفعلنها يقال(١٠) : أتيت أمراً قبيحاً، أي : فعلته قال تعالى :
﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾ [مريم: ٢٧] وقوله تعالى :﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ [مريم: ٨٩] وقال ابن مسعود(١١) " بالفاحشة " هي الفعلة القبيحة.
قال أهل اللُّغَةِ هي مصدر كالعاقبة والعافية، ويُقَالُ : فحش الرَّجُلُ بمعنى تفحش فحشاً وفاحشة(١٢) وأفحش إذا جَاءَ بالقبيح من القول والفعل، وأجمعوا على أنَّ المراد بالفاحشة هنا الزّنا، وإنَّما تطلق الفاحشةُ على الزِّنا لزيادتها في القُبْحِ على كثير من القَبَائِحِ.
فإن قيل : الكفرُ أقْبَحُ منه، وقتل النفس أقبح منه، ولا يُسمَّى ذلك فاحشة ؟
فالجوابُ من وجهين :
الأوَّلُ : أنَّ الكفرَ لا يستحقه الكافر من نفسه ولا يعتقده قبحاً(١٣)، بل يعتقده صواباً، وكذلك المقبل على الشجاعة يُقْدِمُ عليها من يراها حسنةً وأمَّا الزِّنَا ففاعله يعلمُ قُبْحَهُ [ ويُقْدِمُ عَلَيْهِ ](١٤) وَيُوَافِق على فحشه.
الثاني : قال ابن الخطيب(١٥) : إنَّ القُوَى المدَبرة لقوى الإنسان ثلاثة القُوَى النّاطقة، والقوَّةُ الغضبية، والقوّة الشَّهوانيةُ وفساد القوَّة النَّاطقة هو الكفر والبدعة وما يشبههما، وفساد القوَّة الغضبية هو القتل وما يشبهه وأخس(١٦) هذه القوى الثلاثة القوة الشَّهوانية فلا جَرَمَ كَانَ فَسَادُهَا أخس أنواع الفساد، فلهذا السبب خُصَّ هذا العمل بالفاحشةِ.
فصل في شهود الزنا
قوله :﴿فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ﴾ أي : من المسلمين فجعل اللَّهُ الشهادةَ على الزنا خاصة بأربعة تغليظاً على المدَّعي وستراً على العباد.
وقال القرطبيُّ(١٧) : وتعديل الشهود بأربعة في الزّنا حكم ثابت في التّوراة والإنجيل والقرآن(١٨) ؛ قال الله تعالى :﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] وقال هنا :﴿فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ﴾ وروى أبو داود عن جابر بن عبد اللَّه : جاءت اليهودُ برجُلٍ وامرأةٍ زنيا، فقال عليه السَّلام :" ائْتُونِي بأعْلَمَ رَجُلَيْنِ(١٩) مِنْكُم "، فَأتَوْهُ بابْنَي صُورِيَا فَنَشَدهُمَا : كَيْفَ تَجِدَانِ أمْرَ هَذَيْنِ في التَّوْرَاةِ ؟ قَالاَ : نَجِدُ في التَّوراةِ إذَا شَهِدَ أرْبَعةٌ أنَّهمُ رأوا ذكَرَهُ في فَرْجِهَا مِثلَ الْميلِ فِي المُكْحلةِ رُجِمَا قَالَ : فما يَمْنَعُكُمَا أن تَرْجُمُوهُمَا ؟ قَالاَ : ذَهَبَ سُلْطَانُنَا فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ ؛ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشُّهُودَ فَشَهِدُوا أنَّهُم رَأوا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْميلِ فِي المُكْحلةِ فَأمَرَ رَسولُ اللَّه ﷺ بِرَجْمِهِمَا ".
وقال قومٌ : إنَّمَا كان الشُّهود في الزِّنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق ؛ إذْ هو حقٌّ يؤخذ(٢٠) من كلِّ واحد منهما، وهذا ضعيف ؛ فإنَّ اليمين تدخل من الأموال والَّلوْثُ في القسامة ولا يدخلُ لواحد منهما هنا.
فصل
قال جمهورُ المفسرين(٢١) : المراد من هذه الآية أنَّ المرأةَ إذا أتَت(٢٢) الزِّنَا فإن شَهِدَ عَلَيْهَا أربعةُ رجال أحرار عدول أنَّها زنت ؟ أمْسِكَتْ في بيت محبوسة، إلى أن تموت أو يجعل اللَّهُ لها سبيلاً، وقال أبُو مُسْلِمٍ : المرادُ من هذه الفاحشة السَّحاقات وَحَدُّهن(٢٣) الحبس إلى الموتِ، والمرادُ من قوله :﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٦] أهل اللواطُ وَحَدُّها الأذى بالقول والفعل، والمراد بالآية المذكورة في سورة النُّورِ : الزنا بين الرَّجل والمرأة وَحَده في البكر الجلد، وفي المحصن الرَّجم، ويَدُلُّ على ذلك وجوه :
أحدها : أن قوله :﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ مخصوص بالنّسوان وقوله :
﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾ [النساء: ١٦] مَخْصُوصٌ بالرِّجال ؛ لأنَّ قوله " اللذان " تثنية المذكر.
فإنْ قيل : لم لا يجوزُ أن يكونَ المراد من قوله :﴿وَاللَّذَانَ﴾ الذّكر والأنثى إلاَّ أنَّه غلب لفظ الذَّكر.
فالجوابُ : لو كان كذلك لما أفرد ذكر النِّساء من قبل، فلما أفرد ذكرهن ثم ذكر بعده قوله :﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾ سقط هذا الاحتمال.
وثانيها : أنَّ على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيات بل يكون حكم كلِّ واحد منهما باقياً مقرراً وعلى ما ذكر ثم يلزمُ النسخ في هاتين(٢٤) الآيتين والنَّسخ خلافُ الأصل.
ثالثها : أنَّ على التقدير الَّذي ذكرتم يكون قوله :﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ في الزنا، وقوله :﴿وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾ في الزِّنَا أيضاً فيفضي إلى تكرار(٢٥) الشيء الواحد في الموضع الواج
١ سقط في ب..
٢ البيت لعمارة بن راشد. ينظر العيني ١/٤٥٣ واللسان (فصم) والمقاصد النحوية ١/٤٥٣ والدر المصون ٢/٣٢٩..
٣ ينظر الدرر ١/٢٦٦، ولسان العرب (خلل) (لتا)، وهمع الهوامع ١/٨٣، والدر المصون ٢/٣٢٩..
٤ في ب: نحو أصف..
٥ في ب: قبله لا بعده..
٦ في أ: بالنصب..
٧ في أ: قول..
٨ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٥٥..
٩ انظر: المحرر الوجيز ٢/٢١، والبحر المحيط ٣/٢٠٥..
١٠ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٦..
١١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢١، والبحر المحيط ٣/٢٠٥..
١٢ في ب: وأفحش..
١٣ في ب: قبيحا..
١٤ سقط في ب..
١٥ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٦..
١٦ في ب: أحسن..
١٧ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٥٦..
١٨ في ب: والفرقان..
١٩ في أ: رجل..
٢٠ في أ: يوجد..
٢١ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٧٨..
٢٢ في ب: نسبت إلى..
٢٣ في أ: وحدهما..
٢٤ في ب: هذين..
٢٥ في ب: تكرير..
٢ البيت لعمارة بن راشد. ينظر العيني ١/٤٥٣ واللسان (فصم) والمقاصد النحوية ١/٤٥٣ والدر المصون ٢/٣٢٩..
٣ ينظر الدرر ١/٢٦٦، ولسان العرب (خلل) (لتا)، وهمع الهوامع ١/٨٣، والدر المصون ٢/٣٢٩..
٤ في ب: نحو أصف..
٥ في ب: قبله لا بعده..
٦ في أ: بالنصب..
٧ في أ: قول..
٨ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٥٥..
٩ انظر: المحرر الوجيز ٢/٢١، والبحر المحيط ٣/٢٠٥..
١٠ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٦..
١١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢١، والبحر المحيط ٣/٢٠٥..
١٢ في ب: وأفحش..
١٣ في ب: قبيحا..
١٤ سقط في ب..
١٥ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٦..
١٦ في ب: أحسن..
١٧ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٥٦..
١٨ في ب: والفرقان..
١٩ في أ: رجل..
٢٠ في أ: يوجد..
٢١ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٧٨..
٢٢ في ب: نسبت إلى..
٢٣ في أ: وحدهما..
٢٤ في ب: هذين..
٢٥ في ب: تكرير..