جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنّ فِي الْبُيُوتِ حَتّىَ يَتَوَفّاهُنّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ﴾ والنساء اللاتي يأتين بالزنا : أي بزنين. ﴿مِنْ نِسائِكُمْ﴾ وهن محصنات ذوات أزواج، أو غير ذوات أزواج. ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنّ أرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ يقول : فاستشهدوا عليهنّ بما أتين من الفاحشة أربعة رجال من رجالكم، يعني : من المسلمين. ﴿فإنْ شَهِدُوا﴾ عليهن، ﴿فَأمْسِكُوهُنّ فِي البُيُوتِ﴾ يقول : فاحبسوهنّ في البيوت، ﴿حتى يَتَوَفّاهُنّ المَوْتُ﴾ يقول : حتى يمتن، ﴿أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً﴾ يعني : أو يجعل الله لهنّ مخرجا وطريقا إلى النجاة مما أتين به من الفاحشة.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو هشام الرفاعي محمد بن يزيد، قال : حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن مجاهد :﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنّ أرْبَعَةً مِنْكُمْ فإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنّ فِي البُيُوتِ﴾ أمر بحبسهن في البيوت حتى يمتن ﴿أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً﴾ قال : الحدّ.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ﴾ قال : الزنا، كان أمر بحبسهنّ حين يشهد عليهن أربعة حتى يمتن¹ ﴿أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً﴾ والسبيل : الحدّ.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس، قوله :﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ﴾ إلى :﴿أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً﴾ فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، ثم أنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك :﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فاجْلِدُوا كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فإن كانا محصنين رُجما، فهذه سبيلهما الذي جعل الله لهما.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :﴿أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً﴾ فقد جعل الله لهنّ، وهو الجلد والرجم.
حدثني بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ﴾ حتى بلغ :﴿أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً﴾ كان هذا من قبل الحدود، فكانا يؤذيان بالقول جميعا، وبحبس المرأة. ثم جعل الله لهنّ سبيلاً، فكان سبيل من أحصن جلد مائة ثم رمي بالحجارة، وسبيل من لم يحصن جلد مائة ونفي سنة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال : قال عطاء بن أبي رباح وعبد الله بن كثير : الفاحشة : الزنا، والسبيل : الرجم والجلد.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنّ أرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ إلى :﴿أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً﴾ هؤلاء اللاتي قد نكحن وأحصن، إذا زنت المرأة فإنها كانت تحبس في البيت ويأخذ زوجها مهرها فهو له، فذلك قوله :﴿وَلا يَحِلّ لَكُمْ أنْ تَأْخُذوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنّ شَيْئا إلاّ أنْ يَأْتِينَ بفاحِشةٍ مُبَيّنَةٍ﴾ ﴿وَعاشِرُوهُنّ بالمَعْرُوفِ﴾ حتى جاءت الحدود فنسختها، فجلدت ورجمت، وكان مهرهَا ميراثا، فكان السبيل هو الجلد.
حُدثت، عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سلمان، قال : سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله :﴿أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً﴾ قال : الحد، نسخ الحد هذه الآية.
حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال : حدثنا يحيى، عن إسرائيل، عن خصيف، عن مجاهد :﴿أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً﴾ قال : جلد مائة، الفاعل والفاعلة.
حدثنا الرفاعي، قال : حدثنا يحيى، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : الجلد.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا معاذ بن هشام، قال : حدثنا أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت : أن النبيّ ﷺ كان إذا نزل عليه الوحي نكس رأسه، ونكس أصحابه رءوسهم¹ فلما سُرّيَ عنه رفع رأسه، فقال :«قَدْ جَعَلَ الله لَهُنّ سَبِيلاً، الثّيّبُ بالثّيّبِ، والبِكْرُ بالبِكْرِ¹ أما الثّيّبُ فتُجْلَدُ ثم تُرْجَمُ¹ وأما البِكْرُ فتُجْلَدُ ثم تُنْفَى ».
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن حطان بن عبد الله، عن عبادة بن الصامت، قال : قال نبيّ الله ﷺ :«خُذُوا عَنّي قَدْ جَعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً¹ الثّيّبُ بالثّيّبِ تُجْلَدُ مِائَةً وَتُرْجَمُ بالحِجارَةِ، وَالبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ ».
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله أخي بني رقاش، عن عبادة بن الصامت : أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وتربّد له وجهه، فأنزل الله عليه ذات يوم، فلقي ذلك فلما سُري عنه قال :«خُذُوا عَنّي قَد جَعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً¹ الثّيّبُ بالثّيّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمّ رَجْمٌ بالحِجارَةِ، وَالبِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمّ نَفْيُ سَنَةٍ ».
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال : ابن زيد في قوله :﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ، فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنّ أرْبَعَةً مِنْكُمْ فإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنّ فِي البُيُوتِ حتى يَتَوَفّاهُنّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً﴾ قال : يقول : لا تنكحوهنّ حتى يتوفاهنّ الموت، ولم يخرجهن من الإسلام. ثم نسخ هذا، وجعل السبيل التي ذكر أن يجعل لهن سبيلاً، قال : فجعل لها السبيل إذا زنت وهي محصنة رجمت وأخرجت، وجعل السبيل للبكر جلد مائة.
حدثني يحيى بن أبي طالب، قال : أخبرنا يزيد، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿حتى يَتَوَفّاهُنّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً﴾ قال : الجلد والرجم.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا محمد بن أبي جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، قال : قال رسول الله ﷺ :«خُذُوا عَنّي قَدْ جَعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً : الثّيّبِ بالثّيّبِ وَالبِكْرُ بالبِكْرِ، الثّيّبُ تُجْلَدُ وَتُرْجَمُ والبِكرُ تُجْلَدُ وَتُنْفَى ».
حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال : حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن إسماعيل بن مسلم البصري، عن الحسن، عن عبادة بن الصامت، قال : كنا جلوسا عند النبيّ ﷺ إذ احمّر وجهه، وكان يفعل ذلك إذا نزل عليه الوحي، فأخذه كهيئة الغَشْي لما يجد من ثِقل ذلك، فلما أفاق قال :«خُذُوا عَنّي قَدْ جَعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً، والبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ ويُنْفَيانِ سَنَةً، والثّيّبانِ يُجْلَدَانِ وَيُرْجَمانِ ».
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بالصحة في تأويل قوله :﴿أوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً﴾ قول من قال السبيل التي جعلها الله جلّ ثناؤه للثيبين المحصنين الرجم بالحجارة، وللبكرين جلد مائة، ونفي سنة لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه رجم ولم يجلد¹ وإجماع الحجة التي لا يجوز عليها فيما نقلته مجمعة عليه الخطأ والسهو والكذب¹ وصحة الخبر عنه، أنه قضى في البكرين بجلد مائة، ونفي سنة، فكان في الذي صحّ عنه من تركه، جلد من رجم من الزناة في عصره دليل واضح على وهي الخبر الذي روي عن الحسن عن حطان عن عبادة عن النبيّ ﷺ أنه قال : السبيل للثيب المحصن : الجلد والرجم. وقد ذكر أن هذه الاَية في قراءة عبد الله : واللاتي يأتين بالفاحشة من نسائكم، والعرب تقول : أتيت أمرا عظيما، وبأمر عظيم، وتكلمت بكلام قبيح، وكلاما قبيحا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"واللاتي يأتين الفاحشة" والنساء اللاتي يأتين = (١) بالزنا، أي يزنين (٢) ="من نسائكم"، وهن محصنات ذوات أزواج أو غير ذوات أزواج ="فاستشهدوا عليهن أربعة منكم"، يقول: فاستشهدوا عليهن بما أتين به من الفاحشة أربعة رجال من رجالكم، يعني: من المسلمين ="فإن شهدوا" عليهن ="فامسكوهن في البيوت"، يقول: فاحبسوهن في البيوت (٣) ="حتى يتوفاهن الموت"، يقول: حتى يمتن (٤) ="أو يجعل الله لهن سبيلا"، يعني: أو يجعل الله لهن مخرجًا وطريقًا إلى النجاة مما أتين به من الفاحشة. (٥)
* * *
(٢) انظر تفسير"الفاحشة" فيما سلف ٣: ٣٠٣ / ٥: ٥٧١ / ٧: ٢١٨
(٣) انظر تفسير"الإمساك" فيما سلف ٤: ٥٤٦.
(٤) انظر تفسير"التوفي" فيما سلف ٦: ٤٥٥، ٤٥٦، وما بعدها.
(٥) انظر تفسير"السبيل" فيما سلف: ٧: ٤٩٠ بولاق تعليق: ٢، والمراجع هناك.
ذكر من قال ذلك:
٨٧٩٥ - حدثنا أبو هشام الرفاعي محمد بن يزيد قال، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن مجاهد:"واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت"، أمر بحبسهن في البيوت حتى يمتن ="أو يجعل الله لهن سبيلا"، قال: الحد. (١)
٨٧٩٦ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم"، قال: الزنا، كان أمر بحبسهن حين يشهد عليهن أربعة حتى يمتن ="أو يجعل الله لهنّ سبيلا"، والسبيل الحد.
٨٧٩٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم" إلى"أو يجعل الله لهن سبيلا"، فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، ثم أنزل الله تبارك وتعالى بعد ذلك: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [سورة النور: ٢]، فإن كانا محصنين رجُما. فهذا سبيلهما الذي جعل الله لهما.
٨٧٩٨ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"أو يجعل الله لهن سبيلا"، فقد جعل الله لهنّ، وهو الجلد والرجم.
٨٨٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: قال عطاء بن أبي رباح وعبد الله بن كثير:"الفاحشة"،"الزنا"،"والسبيل" الحدّ، الرجم والجلد. (١)
٨٨٠١ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم" إلى:"أو يجعل الله لهن سبيلا"، هؤلاء اللاتي قد نكحن وأحصنّ. إذا زنت المرأة فإنها كانت تحبس في البيت، ويأخذ زوجها مهرَها فهو له، فذلك قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) الزنا (٢) (وَعَاشِرُوهُنَّ
(٢) في المطبوعة والمخطوطة: "فذلك قوله: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾، وأحسبه سهوًا من الناسخ لا من أبي جعفر، فإن صدر هذا الذي ساقه من آية أخرى في سورة البقرة: ٢٢٩: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾
والعجب للسيوطي، فإنه خرجه في الدر المنثور ٢: ١٢٩، ونسبه لابن جرير وحده، وساقه كما هو في المخطوطة والمطبوعة، ولم يتوقف عند هذه الآية المدمجة من آية أخرى!! فأثبت نص الآية التي هي موضوع استشهاده. هذا، وقد حذف الناشر بعد قوله: "بفاحشة مبينة" كلمة"الزنا" فأثبتها من المخطوطة، والدر المنثور.
٨٨٠٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سلمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله:"أو يجعل الله لهن سبيلا"، قال: الحدّ، نسخ الحدُّ هذه الآية.
٨٨٠٣ - حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا يحيى، عن إسرائيل، عن خصيف، عن مجاهد:"أو يجعل الله لهن سبيلا"، قال: جلد مئة، الفاعل والفاعلة.
٨٨٠٤ - حدثنا الرفاعي قال، حدثنا يحيى، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: الجلد.
٨٨٠٥ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثنا أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، أن النبيَّ ﷺ كان إذا نزل عليه الوحي نكَّس رأسه، ونكَّس أصحابه رؤوسهم، فلما سُرِّي عنه رفع رأسه فقال: قد جعل الله لهنّ سبيلا الثيِّبُ بالثيب، والبكر بالبكر. أما الثيب فتُجلد ثم ترجم، وأما البكر فتجلد ثم تُنفى". (١)
وقد رواه مسلم ٢: ٣٣، عن محمد بن بشار - شيخ الطبري هنا - بهذا الإسناد. ورواه هو وغيره بأسانيد أخر، سنشير إليها.
وحطان بن عبد الله الرقاشي البصري: تابعي ثقة ثبت، وكان مقرئًا. مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري ٢ / ١ / ١٠٩، وابن سعد ٧ / ١ / ٩٣، وابن أبي حاتم ١ / ٢ / ٣٠٣ - ٣٠٤، وطبقات القراء ١: ٢٥٣.
٨٨٠٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة عن الحسن، عن حطان بن عبد الله أخي بني رَقاش، عن عبادة بن الصامت: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا نزل عليه الوحي كُرِب لذلك وتربَّد له وجهه، (٢) فأنزل الله عليه ذات يوم، فلقي ذلك. فلما سُرِّي عنه قال: " خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب، جلد مئة ثم رجم بالحجارة، والبكر بالبكر، جلد مئة ثم نفي سنة". (٣)
٨٨٠٨ - حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا
وقد سقط من الإسناد هنا، في المخطوطة والمطبوعة، [عن الحسن]، بين قتادة وحطان. وهو خطأ من الناسخين. فإن الحديث رواه مسلم ٢: ٣٣، عن ابن بشار - شيخ الطبري هنا - وعن ابن المثنى - كلاهما عن عبد الأعلى، بهذا الإسناد، على الصواب. فلذلك أثبتنا ما أسقطه الناسخون.
ثم كل الروايات التي رأينا"عن قتادة" فيها هذه الزيادة، ومنها الإسناد الذي بعد هذا، والإسناد: ٨٨١٠.
وكذلك رواه أحمد في المسند ٥: ٣١٨ (حلبي) عن محمد بن جعفر، عن سعيد، عن قتادة.
وكذلك رواه أبو داود: ٤٤١٥، من طريق يحيى، عن سعيد.
وكذلك رواه البيهقي ٨: ٢١٠، من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد.
وكذلك رواه أحمد ٥: ٣١٧، عن طريق حماد، عن قتادة وحميد - كلاهما عن الحسن.
(٢) كان في المخطوطة"كرب لتلك"، والصواب من روايات الحديث، وصححته المطبوعة السالفة. وقوله: "كرب" بالبناء للمجهول من"كربه الأمر يكربه"، غمه واشتد عليه. وقوله: "تربد وجهه"؛ تغير لونه إلى الغبرة. وقوله بعد: "سرى عنه" بالبناء للمجهول، تجلى عنه، كربه، من قولهم: "سرا الثوب"، إذا نزعه، والتشديد للمبالغة.
(٣) الأثر: ٨٨٠٧ - انظر التعليق على الحديث ٨٨٠٥.
٨٨٠٩ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا" قال، الجلد والرجم. (٢)
٨٨١٠ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشيّ، عن عبادة بن الصامت قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خذوا عني قد جعل الله لهن سبيل، الثيب بالثيب والبكر بالبكر، الثيب تجلد وترجم، والبكر تجلد وتنفى". (٣)
(٢) في المطبوعة: "حدثني يحيى بن أبي طالب قال أخبرنا جويبر"، أسقط من الإسناد"يزيد"، وهو من المخطوطة، وهو إسناد دائر في التفسير.
(٣) الحديث: ٨٨١٠ -[ابن] المثنى: هو"محمد بن المثنى" شيخ الطبري. وكلمة [ابن] سقطت من المطبوعة خطأ. وهي ثابتة في المخطوطة.
"محمد بن جعفر": هو غندر، صاحب شعبة. ووقع في المطبوعة"محمد بن أبي جعفر"! وهو خطأ ظاهر. وثبت على الصواب في المخطوطة.
والحديث - من هذا الوجه - رواه أحمد في المسند ٥: ٣٢٠، عن محمد بن جعفر، عن شعبة.
وكذلك رواه مسلم ٢: ٣٣، عن محمد بن المثنى -شيخ الطبري هنا - وعن ابن بشار = كلاهما عن شعبة.
ورواه أحمد أيضًا ٥: ٣٢٠، عن يحيى، عن حجاج، عن شعبة. ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢: ٧٩، من طريق أسد بن موسى، عن شعبة. وكذلك رواه حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان، عن عبادة - عند الدارمي في سننه ٢: ١٨١.
وأكثر الرواة الذين رووا هذا الحديث عن الحسن البصري، ذكروا أنه"عن الحسن، عن حطان الرقاشي، عن عبادة بن الصامت". وقليل منهم لم يذكروا في الإسناد"عن حطان" - كما سنذكر في الإسناد التالي لهذا.
فالظاهر أن الحسن سمعه من حطان عن عبادة، وكذلك كان يرويه. وأنه في بعض أحيانه كان يرسله عن عبادة، فلا يذكر"عن حطان".
فمن رواه عنه موصولا، بإثبات"حطان" في الإسناد: المبارك بن فضالة، عند الطيالسي في مسنده: ٥٨٤.
ومنصور بن زاذان، عند أحمد في المسند ٥: ٣١٣، وسنن الدارمي ٢: ١٨١، وصحيح مسلم ٢: ٣٣، وسنن أبي داود: ٤٤١٦، والترمذي ٢: ٢٤٢، والمنتقى لابن الجارود، ص: ٣٧١ -٣٧٢، والطحاوي ٢: ٧٩، وابن النحاس في الناسخ والمنسوخ، ص: ٩٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٨: ٢٢١-٢٢٢.
ولم ينفرد الحسن بروايته عن حطان، بل رواه أيضًا يونس بن جبير.
فرواه ابن ماجه: ٢٥٥٠، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله، عن عبادة بن الصامت. فكان لقتادة فيه شيخان الحسن ويونس.
* * *
يحيى بن إبراهيم المسعودي- شيخ الطبري: مضت ترجمته في رقم: ٨٤ في الجزء الأول.
إسماعيل بن مسام البصري: مضت ترجمته في: ٥٤١٧.
وهو قد روى هذا الحديث"عن الحسن، عن عبادة" - منقطعًا. لأن الحسن البصري لم يسمع من عبادة. ولم ينفرد إسماعيل بروايته عن الحسن منقطعًا، بل تابعه غيره على ذلك. مما يدل على أن الحسن كان يصل الحديث مرة عن حطان، ويرسله مرة عن عبادة.
فرواه الشافعي في الرسالة: ٣٧٨، ٦٣٦ - بشرحنا - وفي اختلاف الحديث (هامش الأم ٧: ٢٥٢)، عن عبد الوهاب، وهو ابن عبد المجيد الثقفي، "عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عبادة بن الصامت". ثم قال في الرسالة: ٣٧٩"أخبرنا الثقة من أهل العلم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن حطان الرقاشي، عن عبادة بن الصامت". وقال في اختلاف الحديث - بعد روايته عن عبد الوهاب -: "وقد حدثني الثقة: أن الحسن كان يدخل بينه وبين عبادة: حطان الرقاشي. ولا أدري: أدخله عبد الوهاب بينهما فزال من كتابي حين حولته من الأصل، أم لا؟ والأصل - يوم كتبت هذا الكتاب - غائب عني".
وقد ذكره في الأم ٦: ١١٩، معلقًا، جازمًا بالزيادة، فقال: "ثم روى الحسن، عن حطان الرقاشي، عن عبادة". فلا أدري: أجزم بأن عبد الوهاب"أدخله بينهما" - بعد، أم أراد رواية ما حدثه به"الثقة"؟ ولم أجد رواية"يونس بن عبيد" في موضع آخر، حتى أستطيع اليقين بأي ذلك كان.
ورواه أيضًا - منقطعًا -: "جرير بن حازم، عن الحسن، عن عبادة" - عند الطيالسي: ٥٨٤، وأحمد في المسند ٥: ٣٢٧ (حلبي)، والبيهقي في السنن ٨: ٢١٠.
وكذلك رواه - منقطعًا -: "حميد، عن الحسن، عن عبادة" - عند أحمد في المسند ٥: ٣١٧ (حلبي). والحديث صحيح على كل حال. وقد ظهر وصل الروايات المنقطعة بالروايات الموصولة.
وقد ذكره ابن كثير ٢: ٣٧٥، عن بعض روايات أحمد، والطيالسي، ومسلم، وأصحاب السنن.
وذكره السيوطي ٢: ١٢٩، وزاد نسبته لعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان.