بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
وقوله :﴿لكن الراسخون في العلم مِنْهُمْ﴾ يعني المبالغون في العلم الذين أدركوا علم الحقيقة، وهم مؤمنو أهل الكتاب، وذلك أن اليهود أنكروا وقالوا : هذه الأشياء كانت حراماً في الأصل وأنت تحلها، ولم تكن حرمت بظلمنا، فنزل ﴿لكن الراسخون في العلم مِنْهُمْ﴾ يصدقون بما أنزل إليك أنه الحق، ويقال : إن مؤمني أهل الكتاب يعلمون أن الذي أنزل إليك من القرآن هو الحق، وأنك نبي مبعوث وهو مكتوب عندهم. ثم قال :﴿والمؤمنون﴾ يعني أصحاب النبي ﷺ ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ ثم قال :﴿والمؤمنون بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ يعني يصدقون بالقرآن ﴿وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ ويصدقون بما أنزل من قبلك من كتب الله.
ثم وصفهم فقال :﴿والمقيمين الصلاة﴾ قال بعض الجهال : هذا غلط الكاتب حيث كتب مصحف الإمام، كان ينبغي أن يكتب والمقيمون فأوهم وكتب والمقيمين. واحتج بما روي عن عائشة أنها قالت : ثلاثة أحرف في المصحف غلط من الكاتب : قوله تعالى :﴿والمقيمين الصلاة﴾ وقوله ﴿والصابئون والنصارى﴾ وقوله ﴿إِنْ هاذان لساحران﴾ وروي عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال : أرى فيه لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، ولكن هذا بعيد عند أهل العلم والخبر، لم يثبت عن عثمان ولا عن عائشة رضي الله عنهما، لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا حماة الدين والقدوة في الشرائع والأحكام، فلا يظن بهم أنهم تركوا في كتاب الله تصحيفاً يصلحه غيرهم، وهم أخذوه عن رسول الله ﷺ. والمعنى في قوله ﴿والمقيمين الصلاة﴾ قال بعضهم : يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين الصلاة، يعني بالنبيين المقيمين الصلاة. وقال بعضهم :﴿لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون﴾، ومن المقيمين الصلاة ﴿يؤمنون بما أنزل إليك﴾.
ثم قال تعالى :﴿والمؤتون الزكاة﴾ يعني الذين يعطون الزكاة المفروضة ﴿والمؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ يعني المقرون بوحدانية الله تعالى وبالبعث بعد الموت. ثم قال :﴿أولئك﴾ يعني أهل هذه الصفة ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي يعطيهم الله في الآخرة ثواباً عظيماً وهو الجنة. قرأ حمزة ﴿سيؤتيهم﴾ بالياء وقرأ الباقون بالنون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى