محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٦٢ من سورة النساء في ١٠٢ كتاب من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و١٣ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٦٢ من سورة النساء

١٠٢ كتاب من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿لَّكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخر أُوْلََئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾. .
هذا من الله جلّ ثناؤه استثناء، استثنى من أهل الكتاب من اليهود الذين وصف صفتهم في هذه الآيات التي مضت من قوله : يَسْئَلُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كِتابا مِنَ السّماءِ ثم قال جلّ ثناؤه لعباده، مبينا لهم حكم من قد هداه لدينه منهم ووفقه لرشده : ما كُلّ أهل الكتاب صفتهم الصفة التي وصفت لكم، لَكِنِ الرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ وهم الذين قد رسخوا في العلم بأحكام الله التي جاءت بها أنبياؤه، وأتقنوا ذلك، وعرفوا حقيقته. وقد بينا معنى الرسوخ في العلم بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. وَالمُؤْمِنُونَ يعني : والمؤمنون بالله ورسله، وهم يؤمنون بالقرآن الذي أنزل الله إليك يا محمد، وبالكتب التي أنزلها على من قبلك من الأنبياء والرسل، ولا يسألونك كما سأل هؤلاء الجهلة منهم أن تنزل عليهم كتابا من السماء، لأنهم قد علموا بما قرأوا من كتب الله وأتتهم به أنبياؤهم، أنك لله رسول واجب عليهم اتباعك، لا يسعهم غير ذلك، فلا حاجة بهم إلى أن يسألوك آية معجزة، ولا دلالة غير الذي قد علموا من أمرك بالعلم الراسخ في قلوبهم من أخبار أنبيائهم إياهم بذلك وبما أعطيتك من الأدلة على نبوّتك، فهم لذلك من علمهم ورسوخهم فيه يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ من الكتاب و ب بما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من سائر الكتب. كما :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : لَكِنِ الرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ وَالمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أنْزِلَ إلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ استثنى الله ثَنِيّةً من أهل الكتاب، وكان منهم من يؤمن بالله، وما أنزل عليهم، وما أنزل على نبيّ الله، يؤمنون به ويصدّقون به، ويعلمون أنه الحقّ من ربهم.
ثم اختلف في المقيمين الصلاة، أهم الراسخون في العلم، أم هم غيرهم ؟ فقال بعضهم : هم هم. ثم اختلف قائلو ذلك في سبب مخالفة إعرابهم إعراب الراسخون في العلم، وهما من صفة نوع من الناس، فقال بعضهم : ذلك غلط من الكاتب، وإنما هو : لكن الراسخون في العلم منهم، والمقيمون الصلاة. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال، قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن الزبير، قال : قلت لأبان بن عثمان بن عفان : ما شأنها كتبت لَكِنِ الرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ وَالمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصّلاةَ ؟ قال : إن الكاتب لما كتب لَكِنِ الرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ حتى إذا بلغ قال : ما أكتب ؟ قيل له اكتب والمُقِيمِينَ الصّلاةَ فكتب ما قيل له.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه سأل عائشة عن قوله : وَالمُقِيمِينَ الصّلاةَ، وعن قوله : إنّ الّذِينَ آمَنُوا وَالّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ، وعن قوله : إنّ هَذَانِ لَساحِرَانِ فقالت : يا ابن أختي هذا عمل الكتاب أخطئوا في الكتاب.
وذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود :«والمُقِيمُونَ الصّلاةَ ».
وقال آخرون، وهو قول بعض نحويي الكوفة والبصرة : والمقيمون الصلاة من صفة الراسخون في العلم، ولكن الكلام لما تطاول واعترض بين الراسخين في العلم والمقيمين الصلاة ما اعترض من الكلام فطال نصب المقيمين على وجه المدح، قالوا : والعرب تفعل ذلك في صفة الشيء الواحد ونعته إذا تطاولت بمدح أو ذمّ خالفوا بين إعراب أوّله وأوسطه أحيانا ثم رجعوا بآخره إلى إعراب أوّله، وربما أجروا إعراب آخره على إعراب أوسطه، وربما أجروا ذلك على نوع واحد من الإعراب. واستشهدوا لقولهم ذلك بالآيات التي ذكرناها في قوله : والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي البَأْساءِ والضّرّاءِ.
وقال آخرون : بل المقيمون الصلاة من صفة غير الراسخين في العلم في هذا الموضع وإن كان الراسخون في العلم من المقيمين الصلاة. وقال قائلو هذه المقالة جميعا : موضع المقيمين في الإعراب خفض، فقال بعضهم : موضعه خفض على العطف على «ما » التي في قوله : يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ويؤمنون بالمقيمين الصلاة.
ثم اختلف متأوّلو ذلك في هذا التأويل في معنى الكلام، فقال بعضهم : معنى ذلك : والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، وبإقام الصلاة. قالوا : ثم ارتفع قوله :«والمؤتون الزكاة »، عطفا على ما في «يؤمنون » من ذكر المؤمنين، كأنه قيل : والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك هم والمؤتون الزكاة.
وقال آخرون : بل المقيمون الصلاة : الملائكة. قالوا : وإقامتهم الصلاة : تسبيحهم ربهم واستغفارهم لمن في الأرض. قالوا : ومعنى الكلام : والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالملائكة.
وقال آخرون منهم : بل معنى ذلك : والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، هم والمؤتون الزكاة، كما قال جلّ ثناؤه : يُؤْمِنُ باللّهِ وَيُؤْمِنُ للِمُؤْمِنِينَ. وأنكر قائلو هذه المقالة أن يكون المقيمين منصوبا على المدح وقالوا : إنما تنصب العرب على المدح من نعت من ذكرته بعد تمام خبره قالوا : وخبر الراسخين في العلم قوله : أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرا عَظِيما. قال : فغير جائز نصب المقيمين على المدح وهو في وسط الكلام ولما يتمّ خبر الابتداء.
وقال آخرون : معنى ذلك : لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة. وقالوا : موضع المقيمين خفض.
وقال آخرون : معناه : والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة.
وقال أبو جعفر : وهذا الوجه والذي قبله منكر عند العرب، ولا تكاد العرب تعطف لظاهر على مكنيّ في حال الخفض وإن كان ذلك قد جاء في بعض أشعارها.
وأولى الأقوال عندي بالصواب، أن يكون المقيمين في موضع خفض نسقا على «ما » التي في قوله : بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وأن يوجه معنى المقيمين الصلاة إلى الملائكة، فيكون تأويل الكلام : والمؤمنون منهم يؤمنون بما أنزل إليك يا محمد من الكتاب وبما أنزل من قبلك من كتبي وبالملائكة الذين يقيمون الصلاة ثم يرجع إلى صفة الراسخين في العلم فيقول : لكن الراسخون في العلم منهم، والمؤمنون بالكتب، والمؤتون الزكاة، والمؤمنون بالله واليوم الاَخر. وإنما اخترنا هذا على غيره، لأنه قد ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب :«والمقيمين »، وكذلك هو في مصحفه فيما ذكروا، فلو كان ذلك خطأ من الكاتب لكان الواجب أن يكون في كل المصاحف غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ في كتابه بخلاف ما هو في مصحفنا. وفي اتفاق مصحفنا ومصحف أبيّ في ذلك، ما يدلّ على أن الذي في مصحفنا من ذلك صواب غير خطأ، مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الخط، لم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله ﷺ يعلمون من علموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم، ولقنوه للأمة تعليما على وجه الصواب. وفي نقل المسلمين جميعا ذلك قراءة على ما هو به في الخطّ مرسوما أدلّ الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع في ذلك للكاتب.
وأما من وجه ذلك إلى النصب على وجه المدح للراسخين في العلم وإن كان ذلك قد يحتمل على بعد من كلام العرب لما قد ذكرنا قبل من العلة، وهو أن العرب لا تعدل عن إعراب الاسم المنعوت بنعت في نعته إلا بعد تمام خبره، وكلام الله جلّ ثناؤه أفصح الكلام، فغير جائز توجيهه إلا إلى الذي هو به من الفصاحة.
وأما توجيه من وجه ذلك إلى العطف به على الهاء والميم في قوله : لَكِنِ الرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ أو إلى العطف به على الكاف من قوله : بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ أو إلى الكاف من قوله : وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ فإنه أبعد من الفصاحة من نصبه على المدح لما قد ذكرت قبل من قبح ردّ الظاهر على المكني في الخفض.
وأما توجيه من وجه المقيمين إلى الإقامة، فإنه دعوى لا برهان عليها من دلالة ظاهر التنزيل ولا خبر تثبت حجته، وغير جائز نقل ظاهر التنزيل إلى باطن بغير برهان.
وأما قوله : وَالمُؤْتُونَ الزّكاةَ فإنه معطوف به على قوله : وَالمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ وهو من صفتهم. وتأويله : والذين يعطون زكاة أموالهم من جعلها الله له وصرفها إليه والُمؤْمِنُونَ باللّهِ وَاليَوْمِ الاَخِرِ يعني : والمصدّقون بوحدانية الله وألوهيته، والبعث بعد الممات، والثواب والعقاب أولئك سَنُؤْتِيهمْ أجْرا عَظِيما يقول : هؤلاء الذين هذه صفتهم سنؤتيهم، يقول : سنعطيهم أجرا عظيما، يعني : جزاء على ما كان منهم من طاعة الله، واتباع أمره، وثوابً عظيما، وذلك الجنة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾
قال أبو جعفر: هذا من الله جل ثناؤه استثناء، استثنَى من أهل الكتاب من اليهود الذين وصَف صفتهم في هذه الآيات التي مضت، من قوله:"يسألك أهل الكتاب أن تُنزل عليهم كتابًا من السماء".
ثم قال جل ثناؤه لعباده، مبينًا لهم حكم من قد هداه لدينه منهم ووفقه لرشده: ما كلُّ أهل الكتاب صفتهم الصفة التي وصفت لكم،"لكن الراسخون في العلم منهم"، وهم الذين قد رَسخوا في العلم بأحكام الله التي جاءت بها أنبياؤه، وأتقنوا ذلك، وعرفوا حقيقته.
* * *
وقد بينا معنى"الرسوخ في العلم"، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (١)
* * *
="والمؤمنون" يعني: والمؤمنون بالله ورسله، هم يؤمنون بالقرآن الذي أنزل الله إليك، يا محمد، وبالكتب التي أنزلها على من قبلك من الأنبياء والرسل، ولا يسألونك كما سألك هؤلاء الجهلة منهم: (٢) أن تنزل عليهم كتابًا من السماء، لأنهم قد علموا بما قرأوا من كتب الله وأتتهم به أنبياؤهم، أنك لله رسول، واجبٌ عليهم اتباعك، لا يَسعهم غير ذلك، فلا حاجة بهم إلى أن يسألوك آية معجزة ولا دلالة غير الذي قد علموا من أمرك بالعلم الراسخ في قلوبهم من إخبار أنبيائهم إياهم
(١) انظر تفسير"الراسخون في العلم" فيما سلف ٦: ٢٠١ - ٢٠٨.
(٢) في المطبوعة: "كما سأل هؤلاء"، وأثبت ما في المخطوطة.
بذلك، وبما أعطيتك من الأدلّة على نبوتك، فهم لذلك من علمهم ورسوخهم فيه، يؤمنون بك وبما أنزل إليك من الكتاب، وبما أنزل من قبلك من سائر الكتب، كما:-
١٠٨٣٦- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك"، استثنى الله أُثْبِيَّةً من أهل الكتاب، (١) وكان منهم من يؤمن بالله وما أنزل عليهم، وما أنزل على نبي الله، يؤمنون به ويصدّقون، ويعلمون أنه الحق من ربهم.
* * *
ثم اختلف في"المقيمين الصلاة"، أهم الراسخون في العلم، أم هم غيرهم؟.
فقال بعضهم: هم هم.
* * *
ثم اختلف قائلو ذلك في سبب مخالفة إعرابهم إعراب"الراسخون في العلم" وهما من صفة نوع من الناس.
فقال بعضهم: ذلك غلط من الكاتب، (٢) وإنما هو: لكن الراسخون في العلم منهم والمقيمون الصلاة.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٨٣٧- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن الزبير قال: قلت لأبان بن عثمان بن عفان: ما شأنها كتبت:
(١) في المطبوعة: "ثنية"، ولا معنى لها، وفي المخطوطة كما كتبتها، ولكن أخطأ في نقطها، ووضع الألف قبلها مضطربة، كأنه شك في قراءة الكلمة.
و"الأثبية" (بضم الألف وسكون الثاء، وكسر الباء، بعدها ياء مفتوحة مشددة) و"الثبة" (بضم الثاء، وفتح الباء) : الجماعة من الناس، وجمع الأولى"أثابي" (بتشديد الياء)، وجمع الثانية"ثبات" (بضم الثاء) و"ثبون" (بضم الثاء وكسرها).
(٢) انظر رد أبي جعفر هذه المقالة فيما سيأتي ص: ٣٩٧، ٣٩٨، وهو من أحكم الردود التي احتكم فيها إلى حسن التمييز.
"لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة"؟ قال: إن الكاتب لما كتب:"لكن الراسخون في العلم منهم"، حتى إذا بلغ قال: ما أكتب؟ قيل له: اكتب:"والمقيمين الصلاة"، فكتب ما قيلَ له.
١٠٨٣٨- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنه سأل عائشة عن قوله:"والمقيمين الصلاة"، وعن قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ) [سورة المائدة: ٦٩]، وعن قوله: (إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) [سورة طه: ٦٣]، فقالت: يا ابن أختي، هذا عمل الكاتب، (١) أخطئوا في الكتاب.
* * *
وذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود: (والمقيمون الصلاة).
* * *
وقال آخرون، وهو قول بعض نحويي الكوفة والبصرة:"والمقيمون الصلاة"، من صفة"الراسخين في العلم"، ولكن الكلام لما تطاول، واعترض بين"الراسخين في العلم"،"والمقيمين الصلاة" ما اعترض من الكلام فطال، نصب"المقيمين" على وجه المدح. قالوا: والعرب تفعل ذلك في صفة الشيء الواحد ونعته، إذا تطاولت بمدح أو ذم، خالفوا بين إعراب أوله وأوسطه أحيانًا، ثم رجعوا بآخره إلى إعراب أوله. وربما أجروا إعراب آخره على إعراب أوسطه. وربما أجروا ذلك على نوع واحد من الإعراب. واستشهدوا لقولهم ذلك بالآيات التي ذكرتها في قوله: (٢) (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ) (٣) [سورة البقرة: ١٧٧].
(١) في المطبوعة: "عمل الكتاب"، وأثبت ما في المخطوطة، وهو صواب محض.
(٢) في المطبوعة: "بالآيات التي ذكرناها"، وهو خطأ محض، والصواب من المخطوطة، ومن مراجعة المرجع الذي أشار إليه.
(٣) انظر ما سلف ٣: ٣٥٢-٣٥٤. ثم انظر معاني القرآن الفراء ١: ١٠٥-١٠٨.
وقال آخرون: بل"المقيمون الصلاة" من صفة غير"الراسخين في العلم" في هذا الموضع، وإن كان"الراسخون في العلم" من"المقيمين الصلاة".
* * *
وقال قائلو هذه المقالة جميعًا: موضع"المقيمين" في الإعراب، خفض.
فقال بعضهم: موضعه خفض على العطف على"ما" التي في قوله:"يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك"، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة.
* * *
ثم اختلف متأوّلو ذلك هذا التأويل في معنى الكلام. (١)
فقال بعضهم: معنى ذلك:"والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك"، وبإقام الصلاة. قالوا: ثم ارتفع قوله:"والمؤتون الزكاة"، عطفًا على ما في"يؤمنون" من ذكر"المؤمنين"، كأنه قيل: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك، هم والمؤتون الزكاة.
* * *
وقال آخرون: بل"المقيمون الصلاة"، الملائكة. قالوا: وإقامتهم الصلاة، تسبيحهم ربَّهم، واستغفارهم لمن في الأرض. قالوا: ومعنى الكلام:"والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك"، وبالملائكة.
* * *
وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك:"والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك"، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، هم والمؤتون الزكاة، كما قال جل ثناؤه: (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) [سورة التوبة: ٦١].
* * *
وأنكر قائلو هذه المقالة أن يكون:"المقيمين" منصوبًا على المدح. وقالوا: إنما تنصب العربُ على المدح من نعت من ذكرته بعد تمام خبره. قالوا: وخبر
(١) في المطبوعة والمخطوطة: "متأولو ذلك في هذا التأويل"، و"في" زائدة من الناسخ بلا شك عندي.
"الراسخين في العلم" قوله:"أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيمًا". قال: فغير جائز نصب"المقيمين" على المدح، وهو في وسط الكلام، ولمّا يتمَّ خبر الابتداء.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة. وقالوا: موضع"المقيمين"، خفض.
* * *
وقال آخرون: معناه: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك، وإلى المقيمين الصلاة.
* * *
قال أبو جعفر: وهذا الوجه والذي قبله، منكرٌ عند العرب، ولا تكاد العرب تعطف بظاهر على مكنيٍّ في حال الخفض، (١) وإن كان ذلك قد جاء في بعض أشعارها. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال عندي بالصواب، أن يكون"المقيمين" في موضع خفض، نسَقًا على"ما"، التي في قوله:"بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك"= وأن يوجه معنى"المقيمين الصلاة"، إلى الملائكة.
فيكون تأويل الكلام:"والمؤمنون منهم يؤمنون بما أنزل إليك"، يا محمد، من الكتاب="وبما أنزل من قبلك"، من كتبي، وبالملائكة الذين يقيمون الصلاة. ثم يرجع إلى صفة"الراسخين في العلم"، فيقول: لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون بالكتب والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر.
* * *
وإنما اخترنا هذا على غيره، لأنه قد ذكر أن ذلك في قراءة أبيّ بن كعب (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ)، وكذلك هو في مصحفه، فيما ذكروا. فلو كان ذلك خطأ من الكاتب، لكان الواجب أن يكون في كل المصاحف= غير مصحفنا الذي
(١) في المطبوعة: "لظاهر" باللام، والصواب من المخطوطة.
(٢) انظر ما سلف ٧: ٥١٩، ٥٢٠.
كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ في كتابه= بخلاف ما هو في مصحفنا. وفي اتفاق مصحفنا ومصحف أبيّ في ذلك، ما يدل على أنّ الذي في مصحفنا من ذلك صواب غير خطأ. مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الخطِّ، لم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله ﷺ يُعلِّمون من علَّموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم، ولقَّنوه الأمة تعليمًا على وجه الصواب. (١)
وفي نقل المسلمين جميعًا ذلك قراءةً، على ما هو به في الخط مرسومًا، أدلُّ الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع في ذلك للكاتب. (٢)
* * *
وأما من وجَّه ذلك إلى النصب على وجه المدح لـ"الراسخين في العلم"، = وإن كان ذلك قد يحتمل على بُعدٍ من كلام العرب، لما قد ذكرت قبل من العلة، (٣) وهو أن العرب لا تعدِل عن إعراب الاسم المنعوت بنعت في نَعْته إلا بعد تمام خبره. وكلام الله جل ثناؤه أفصح الكلام، فغير جائز توجيهه إلا إلى الذي هو [أولى] به من الفصاحة. (٤)
* * *
وأما توجيه من وجّه ذلك إلى العطف به على"الهاء" و"الميم" في قوله:"لكن الراسخون في العلم منهم"= أو: إلى العطف به على"الكاف" من قوله:"بما أنزل إليك"= أو: إلى"الكاف" من قوله:"وما أنزل من قبلك"، فإنه أبعد من الفصاحة من نصبه على المدح، لما قد ذكرت قبل من قُبْح ردِّ الظاهر على المكنيّ في الخفض.
* * *
(١) في المطبوعة: "ولقنوه للأمة" باللام، وهو تغيير سيء قبيح.
(٢) هذه الحجة التي ساقها إمامنا أبو جعفر رضي الله عنه، هي حجة فقيه بمعاني الكلام، ووجوه الرأي. وهي حجة رجل عالم محيط بأساليب العلم، عارف بما توجبه شواهد النقل، وأدلة العقل. وقد تناول ذلك جمهور من أئمتنا، ولكن لا تزال حجة أبي جعفر أقوم حجة في رد هذه الرواية التي نسبت إلى عائشة أم المؤمنين.
(٣) في المطبوعة: "لما قد ذكرنا... "؛ وأثبت ما في المخطوطة.
(٤) الزيادة بين القوسين، يستوجبها السياق.
وأما توجيه من وجه"المقيمين" إلى"الإقامة"، فإنه دعوى لا برهان عليها من دلالة ظاهر التنزيل، ولا خبر تثبت حجته. وغير جائز نقل ظاهر التنزيل إلى باطن بغير برهان.
* * *
وأما قوله:"والمؤتون الزكاة"، فإنه معطوف به على قوله:"والمؤمنون يؤمنون"، وهو من صفتهم.
* * *
وتأويله: والذين يعطون زكاة أموالهم مَن جعلها الله له وصرفها إليه="والمؤمنون بالله واليوم الآخر"، يعني: والمصدّقون بوحدانية الله وألوهته، (١) والبعث بعد الممات، والثواب والعقاب="أولئك سنؤتيهم أجرًا عظيمًا"، يقول: هؤلاء الذين هذه صفتهم="سنؤتيهم"، يقول: سنعطيهم="أجرًا عظيمًا"، يعني: جزاءً على ما كان منهم من طاعة الله واتباع أمره، وثوابًا عظيمًا، وذلك الجنة. (٢)
* * *
(١) في المطبوعة: "وألوهيته"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٢) انظر تفسير"الإيتاء" و"الأجر" فيما سلف من فهارس اللغة.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ أي : الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع. وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على الراسخين، وخبره ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾
قال ابن عباس : أنزلت في عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية. وأسد وزيد بن سعية وأسد بن عبيد، الذين دخلوا في الإسلام، وصدقوا بما أرسل الله به محمدًا ﷺ.
وقوله :﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ هكذا هو في جميع المصاحف الأئمة، وكذا هو في مصحف أُبَيّ بن كعب. وذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود :" والمقيمون الصلاة "، قال : والصحيح قراءة الجميع. ثم رَدّ على من زعم أن ذلك من غلط الكُتَّاب(١) ثم ذكر اختلاف الناس فقال بعضهم : هو منصوب على المدح، كما جاء في قوله :﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]، قالوا : وهذا سائغ في كلام العرب، كما قال الشاعر(٢) :
لا يَبْعَدَن قومي الذين همُوسُمّ(٣) العداة وآفة الجُزرِ
النازلين بكل مُعَْتركٍوالطَّيّبُونَ مَعَاقِدَ الأزْرِ
وقال آخرون : هو مخفوض عطفا على قوله :﴿بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني : وبالمقيمين الصلاة.
وكأنه يقول : وبإقامة الصلاة، أي : يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة، وهذا اختيار ابن جرير، يعني : يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، وبالملائكة. وفي هذا نظر والله أعلم.
وقوله :﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ويحتمل الأمرين، والله أعلم.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ أي : يصدقون بأنه لا إله إلا الله، ويؤمنون بالبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها.
وقوله :﴿أُولَئِكَ﴾ هو الخبر عما تقدم ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني : الجنة.
١ في د، ر، أ: "الكاتب"..
٢ وهي الخرنق بنت بدر بن هفان، والبيت في ديوانها: (٢٩) أ. هـ مستفاد من مطبوعة الشعب..
٣ في ر: "أزد" وفي أ: "أسد".
.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾
لما ذكر معايب أهل الكتاب، ذكر الممدوحين منهم فقال :﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أي : الذين ثبت العلم في قلوبهم ورسخ الإيقان في أفئدتهم فأثمر لهم الإيمان التام العام ﴿بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾
وأثمر لهم الأعمال الصالحة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة اللذين هما أفضل الأعمال، وقد اشتملتا على الإخلاص للمعبود والإحسان إلى العبيد. وآمنوا باليوم الآخر فخافوا الوعيد ورجوا الوعد.
﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ لأنهم جمعوا بين العلم والإيمان والعمل الصالح، والإيمان بالكتب والرسل السابقة واللاحقة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٦٢} ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
لما ذكر معايب أهل الكتاب، ذكر الممدوحين منهم فقال: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أي: الذين ثبت العلم في قلوبهم ورسخ الإيقان في أفئدتهم فأثمر لهم الإيمان التام العام ﴿بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِن قَبْلِكَ﴾.
وأثمر لهم الأعمال الصالحة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة اللذين هما أفضل الأعمال، وقد اشتملتا على الإخلاص للمعبود والإحسان إلى العبيد. وآمنوا باليوم الآخر فخافوا الوعيد ورجوا الوعد.
﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ لأنهم جمعوا بين العلم والإيمان والعمل الصالح، والإيمان بالكتب والرسل السابقة واللاحقة.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٢ كتاب)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
الرَّاسِخُونَ
المُتَمَكِّنُونَ.

إعراب الآية ١٦٢ من سورة النساء

من كتاب: إعراب القرآن

بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً بغير إدغام والإدغام أجود لقرب اللام من الراء وأنّ في الراء تكريرا فالإدغام فيها حسن. وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً أي قادرا على أن يمنع أولياءه من أعدائه ولا يمنعه من ذاك مانع ولا يغلبه غالب. حَكِيماً فيما يدبّره من أمور خلقه.

[سورة النساء (٤) : آية ١٥٩]

وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩)
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ لأن أهل الكتاب فيه على ضربين منهم من كذّبه ومنهم من اتّخذه إلها فيضطرّ قبل موته إلى الإيمان به لأنه يتبيّن أنه كان على باطل إذا عاين وتقدير سيبويه «١» وإن من أهل الكتاب أحد إلّا ليؤمنن به، وتقدير الكوفيين وإن من أهل الكتاب إلّا من ليؤمننّ به، وحذف الموصول خطأ. وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً أي على من كان فيهم.

[سورة النساء (٤) : آية ١٦٠]

فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠)
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا قال أبو إسحاق: هذا بدل من فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [آية: ١٥٥] حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ نحو كل ذي ظفر وما أشبهه وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً أي صدّا كثيرا.

[سورة النساء (٤) : آية ١٦٢]

لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢)
لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ رفع بالابتداء. يُؤْمِنُونَ في موضع الخبر، والكوفيون يقولون: رفع بالضمير وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، في نصبه ستة أقوال فسيبويه ينصبه على المدح أي وأعني المقيمين. قال سيبويه: هذا باب ما ينصب على التعظيم ومن ذلك المقيمين الصلاة وأنشد «٢» :[البسيط] ١١١-
وكلّ قوم أطاعوا أمر مرشدهمإلّا نميرا أطاعت أمر غاويها
الظّاعنين ولمّا يظعنوا أحداوالقائلون لمن دار نخلّيها
وأنشد «٣» :[الكامل]
(١) انظر الكتاب ٢/ ٣٦٣.
(٢) البيتان لمالك بن خياط العكلي في شرح أبيات سيبويه ٢/ ٢١، والكتاب ٢/ ٥٩، ولابن حماط العكلي في خزانة الأدب ٥/ ٤٢، وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٤٧٠، ولسان العرب (ظعن)، وتاج العروس (ظعن).
(٣) مرّ البيتان في الشاهد رقم (٣٣).
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٦٢ من سورة النساء

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

الْعِلْمِ مِنْهُمْ

إدغام الميم الأولى في الميم الثانية وإسكان الميم الثالثة

السوسي عن أبي عمرو

إظهار الميم الأولى مكسورة وإسكان الميم الثالثة

خلاد عن حمزة أبو الحارث عن الكسائي خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم الدوري عن الكسائي ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر الدوري عن أبي عمرو رويس عن يعقوب روح عن يعقوب ورش عن نافع إسحاق عن خلف إدريس عن خلف قالون عن نافع

إظهار الميم الأولى مكسورة وصلة الميم الثالثة

قنبل عن ابن كثير ابن جمّاز عن أبي جعفر ابن وردان عن أبي جعفر البزي عن ابن كثير قالون عن نافع

سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا

(سنؤتيهُمْ) بالنون وتحقيق الهمزة وضم الهاء وإسكان الميم دون سكت

رويس عن يعقوب روح عن يعقوب

(سنؤتيهِمْ) بالنون وتحقيق الهمزة وكسر الهاء وإسكان الميم دون سكت

الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي حفص عن عاصم قالون عن نافع شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر الدوري عن أبي عمرو

(سنؤتيهِمُ) بالنون وتحقيق الهمزة وكسر الهاء وصلة الميم ومدها 3 حركات

قالون عن نافع

(سنؤتيهِمُ) بالنون وتحقيق الهمزة وكسر الهاء وصلة الميم ومدها حركتين

قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير قالون عن نافع

(سنوتيهِمُ) بالنون وإبدال الهمزة وكسر الهاء وإسكان الميم دون سكت

السوسي عن أبي عمرو

(سنوتيهِمُ) بالنون وإبدال الهمزة وكسر الهاء وصلة الميم ومدها 6 حركات

ورش عن نافع

(سنوتيهِمُ) بالنون وإبدال الهمزة وكسر الهاء وصلة الميم ومدها حركتين

ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

(سيؤتيهِمْ) بالياء وتحقيق الهمزة وكسر الهاء وإسكان الميم دون سكت

إدريس عن خلف خلف عن حمزة إسحاق عن خلف خلاد عن حمزة

(سيؤتيهِمْ) بالياء وتحقيق الهمزة وكسر الهاء وإسكان الميم مع السكت عليها

خلف عن حمزة
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٦٢ من سورة النساء

١٦ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآية

قولانِ
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- في قوله: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم﴾ الآية، قال: نزلت في عبد الله بن سلام، وأسيد بن سَعْيَةَ، وثعلبة بن سَعْيَةَ، فارقوا يهود وأسلموا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن إسحاق -كما في السيرة لابن هشام ١‏/‏٥٥٧-، ومن طريقه البيهقي في دلائل النبوة ٢‏/‏٥٣٣-٥٣٤، وابن جرير ٥‏/‏٦٩١، وابن أبي حاتم ٤‏/‏١١١٦ (٦٢٦٩) بزيادة: وشهدوا أن الذي جاء به رسول الله ﷺ حق من الله، وأنهم يجدونه مكتوبا عندهم. عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. إسناده جيد. وينظر: مقدمة الموسوعة.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ثم ذكر مؤمني أهل التوراة، فقال سبحانه: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم﴾، وذلك أنّ عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا للنبي ﷺ: إنّ اليهود لَتَعْلَمُ أنّ الذي جئتَ به حقٌّ، وإنّك لَمَكتوبٌ عندهم في التوراة. فقالت اليهود: ليس كما تقولون، وإنّهم لا يعلمون شيئًا، وإنّهم ليغرونك، ويحدثونك بالباطل. فقال الله عز وجل: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٢٢.

تفسير

٦ أقوال
١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم﴾، قال: استثنى الله منهم، فكان منهم مَن يؤمن بالله وما أنزل عليهم وما أنزل على نبي الله، يؤمنون به، ويصدقون به، ويعلمون أنّه الحق من ربهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٦٧٩. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٤٢٠-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم﴾ يعني: المتدارسين علم التوراة، يعني: ابن سلام وأصحابه، ﴿منهم﴾ يعني: من اليهود، ﴿والمؤمنون﴾ يعني: أصحاب محمد ﷺ مِن غير أهل الكتاب، ﴿يؤمنون بمآ أنزل إليك﴾ من القرآن، ﴿ومآ أنزل من قبلك﴾ من الكتب على الأنبياء: التوراة والإنجيل١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٢٢.
٣
عن عروة، قال: سألتُ عائشة عن لحن القرآن: ﴿إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصائبون﴾ [المائدة:٦٩]، و﴿والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة﴾، و‹إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ› [طه:٦٣]. فقالت: يا ابن أختي، هذا عمل الكُتّاب، أخْطَئُوا في الكِتاب١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو عبيد في فضائله ص١٦٠-١٦١، وسعيد بن منصور (٧٦٩ - تفسير)، وابن جرير ٧‏/‏٦٨٠-٦٨١، وابن أبي داود ص٣٤. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي شيبة.
٤
عن الزبير بن خالد، قال: قلتُ لأبان بن عثمان بن عفان: ما شأنُها كُتِبَتْ: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة﴾، ما بين يديها وما خلفها رفع، وهي نصب؟ قال: إنّ الكاتب لَمّا كتب: ﴿لكن الراسخون﴾ حتى إذا بلغ قال: ما أكتب؟ قيل له: اكتب: ﴿والمُقِيمِينَ الصلاة﴾. فكتب ما قيل له١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٧‏/‏٦٨٠، وابن أبي داود في المصاحف ص٣٣-٣٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢نقل ابنُ جرير (٧/٦٨٠-٦٨٣) اختلاف المفسرين في المقيمين الصلاة، أهم الراسخون في العلم أم غيرهم؟ على قولين: الأول: أنّ المقيمين الصلاة هم الراسخون في العلم. وهؤلاء اختلفوا في سبب مخالفة إعرابهم إعراب الراسخين في العلم، على قولين: أحدها: أنّ ذلك غلط من الكاتب، وإنما هو: لكن الراسخون في العلم منهم والمقيمون الصلاة، وذُكِر أنّ ذلك في قراءة ابن مسعود: (والمُقِيمُونَ الصَّلاةَ). ثانيها: أنّ المقيمين الصلاة من صفة الراسخين في العلم، لكن لما طال الكلام المعترض بينهما نُصِب على وجْه المدح. الثاني: المقيمون الصلاة من صفة غير الراسخين في العلم في هذا الموضع، وإن كان الراسخون في العلم من المقيمين الصلاة. وهؤلاء كلهم قالوا: موضع المقيمين في الإعراب خفضٌ، ثم اختلفوا في معنى الكلام على أقوال: أحدها: «معنى ذلك: والمؤمنون يؤمنون بما أُنزِل إليك وما أُنزِل من قبلك وبإقام الصلاة. قالوا: ثم ارتفع قوله: ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ عطفًا على ما في ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ من ذكر المؤمنين، كأنه قيل: والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك هم والمؤتون الزكاة». ثانيها: «المقيمون الصلاة: الملائكة. قالوا: وإقامتهم الصلاة تسبيحُهم ربَّهم، واستغفارهم لمن في الأرض. قالوا: ومعنى الكلام: والمؤمنون يؤمنون بما أُنزِل إليك وما أُنزِل من قبلك وبالملائكة». ثالثها: «بل معنى ذلك: والمؤمنون يؤمنون بما أُنزِل إليك وما أُنزِل من قبلك، ويؤمنون بالمقيمين الصلاة، هم والمؤتون الزكاة، كما قال -جلَّ ثناؤه-: ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٦١]». رابعها: «معنى ذلك: لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة. وقالوا: موضع ﴿والمُقِيمِينَ﴾ خفضٌ». خامسها: «معناه: والمؤمنون يؤمنون بما أُنزِل إليك وإلى المقيمين الصلاة». ورجَّح ابنُ جرير (٧/٦٨٣) مستندًا إلى القراءات أن يكون ﴿والمقيمين﴾ في موضع خفض عطفًا على ﴿وما﴾ التي في قوله: ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾، «وأن يوجَّه معنى المقيمين الصلاة إلى الملائكة، فيكون تأويل الكلام: والمؤمنون منهم يؤمنون بما أُنزِل إليك يا محمد من الكتاب، وبما أُنزِل من قبلك من كتبي، وبالملائكة الذين يقيمون الصلاة؛ ثم يرجع إلى صفة الراسخين في العلم، فيقول: لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون بالكتب والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر»، وقال مُعَلِّلًا: ""لأنه قد ذُكِر أن ذلك في قراءة أبيِّ بن كعب: ﴿والمقيمين﴾، وكذلك هو في مصحفه فيما ذَكَروا. ثم انتَقَدَ (٧/٦٨٤) مستندًا إلى رسم المصحف، وقراءة المسلمين قولَ عائشة، وأبان بن عثمان أنّ ذلك غلطٌ من الكاتب؛ بأنّه لو «كان ذلك خطأً من الكاتب لكان الواجب أن يكون في كل المصاحف غيرِ مصحفِنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ في كتابته، بخلاف ما هو في مصحفنا، وفي اتفاق مصحفنا ومصحف أبيٍّ في ذلك ما يدل على أنّ الذي في مصحفنا من ذلك صوابٌ غير خطأٍ، مع أنّ ذلك لو كان خطأً من جهة الخط لم يكن الذين أُخِذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله ﷺ يُعلِّمون من علَّموا ذلك من المسلمين على وجْه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم، ولقَّنوه الأمة تعليمًا على وجه الصواب. وفي نقل المسلمين جميعًا ذلك قراءةً على ما هو به في الخط مرسومًا أدلُّ الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صُنْعَ في ذلك للكاتب». وانتَقَد (٧/٦٨٤-٦٨٥) باقي الأقوال مستندًا إلى الأفصح في لغة العرب، وعدم الدليل على صحّة بعضها قائلًا: «وأمّا مَن وجَّه ذلك إلى النصب على وجْه المدح للراسخين في العلم، وإن كان ذلك قد يحتمل على بُعْدٍ من كلام العرب؛ لِما قد ذكرتُ قبلُ من العلة، وهو أنّ العرب لا تعدل عن إعراب الاسم المنعوت بنعتٍ في نعته إلا بعد تمام خبره، وكلام الله أفصح الكلام؛ فغيرُ جائزٍ توجيهه إلا إلى الذي هو به من الفصاحة. وأما توجيه من وجَّه ذلك إلى العطف به على الهاء والميم في قوله: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنهُمْ﴾، أو إلى العطف على الكاف من قوله: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾، أو إلى الكاف من قوله: ﴿وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ فإنه أبعد من الفصاحة من نصبه على المدح؛ لما قد ذكرتُ قبلُ من قُبْحِ ردِّ الظاهر على المكنيِّ في الخفض. وأما توجيه مَن وجَّه المقيمين إلى الإقامة، فإنه دَعْوى لا برهان عليها من دلالة ظاهر التنزيل، ولا خبر تثبُتُ حجته، وغير جائزٍ نقل ظاهر التنزيل إلى باطنٍ بغير برهان». وفي هذا المعنى ذكر ابنُ تيمية (٢/٣٦٥) ما روي عن عثمان أنه قال: إنّ في القرآن لحنًا ستقيمه العرب بألستنها. ثم انتَقَدَهُ مستندًا إلى الدلالة العقلية قائلًا: «ومِمّا يُبَيِّن كذب ذلك: أنّ عثمان لو قدر ذلك فيه، فإنما رأى ذلك في نسخة واحدة، فأما أن تكون جميع المصاحف اتفقت على الغلط، وعثمان قد رآه في جميعها، وسكت: فهذا ممتنع عادة وشرعًا من الذين كتبوا، ومن عثمان، ثم من المسلمين الذين وصلت إليهم المصاحف ورأوا ما فيها، وهم يحفظون القرآن، ويعلمون أن فيه لحنًا لا يجوز في اللغة، فضلًا عن التلاوة، وكلهم يُقِرُّ هذا المنكر لا يغيره أحد، فهذا مما يعلم بطلانه عادة، ويعلم من دين القوم الذين لا يجتمعون على ضلالة؛ بل يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر أن يدعوا في كتاب الله منكرًا لا يغيره أحد منهم، مع أنهم لا غرض لأحد منهم في ذلك، ولو قيل لعثمان: مر الكاتب أن يغيره لكان تغييره من أسهل الأشياء عليه. فهذا ونحوه مما يوجب القطع بخطأ من زعم أنّ في المصحف لحنًا أو غلطًا، وإن نقل ذلك عن بعض الناس ممن ليس قوله حجة، فالخطأ جائز عليه فيما قاله؛ بخلاف الذين نقلوا ما في المصحف وكتبوه وقرأوه، فإنّ الغلط ممتنع عليهم في ذلك، وكما قال عثمان: إذا اختلفتم في شيء فاكتبوه بلغة قريش. وكذلك قال عمر لابن مسعود: أقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل؛ فإن القرآن لم ينزل بلغة هذيل». وانتَقَدَ ابنُ كثير (٤/٣٦٩) اختيار ابن جرير بأنّ المراد بالمقيمين الصلاة: الملائكة، قائلًا: «وفي هذا نظر».
٥
عن سعيد بن جبير، قال: في القرآن أربعة أحرف: ﴿الصائبون﴾، ﴿والمقيمين﴾، ﴿فأصدق وأكن من الصالحين﴾ [المنافقون:١٠]، و‹إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ› [طه:٦٣]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي داود ص٣٣.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ثم نعتهم، فقال سبحانه: ﴿والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة﴾ يعني: المعطون الزكاة، ﴿والمؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ أنّه واحد لا شريك له، والبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿أولئك سنؤتيهم أجرا﴾ يعني: جزاء ﴿عظيما﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏٤٢٢.

آثار متعلقة بالآية

٥ أقوال
١
عن أبي الدرداء: أنّ رسول الله ﷺ سُئِل عن الراسخين في العلم. فقال: «مَن برَّت يمينُه، وصدق لسانُه، واستقام قلبُه، ومَن عَفَّ بطنُه وفرجُه؛ فهو من الراسخين في العلم»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ٨‏/‏١٥٢ (٧٦٥٨)، وابن جرير ٥‏/‏٢٢٣-٢٢٤، وابن أبي حاتم ٢‏/‏٥٩٩ (٣٢٠٥)، ٤‏/‏١١١٦ (٦٢٦٨). وأورده الثعلبي ٣‏/‏١٥-١٦. قال الهيثمي في المجمع ٦‏/‏٣٢٤ (١٠٨٨٧): «رواه الطبراني، وعبد الله بن يزيد ضعيف».
٢
عن عثمان بن عفان -من طريق يحيى بن يعمر- قال: إنّ في القرآن لحنًا، وستقيمه العرب بألسنتها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي داود ص٣٣، كما أخرجه من طريق قتادة ص٣٢.
٣
عن عكرمة، قال: لما أتى عثمان بن عفان بالمصحف رأى فيه شيئًا مِن لحن، فقال: لو كان المُمْلِي من هُذَيْل والكاتب مِن ثَقِيف لم يوجد فيه هذا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي داود ص٣٣.
٤
عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي، قال: لَمّا فَرَغَ مِن المصحف أتى به عثمان بن عفان، فنظر فيه، فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى شيئًا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي داود ص٣٢. وقال: هذا عندي يعني: بِلُغَتِها فينا، وإلا فلو كان فيه لحن لا يجوز في كلام العرب جميعًا لما استجاز أن يبعث إلى قوم يقرءونه.
٥
عن ابن عون -من طريق أرطاة- قال: ربما اختلف الناس في الأمرين، وكلاهما حق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي داود ص٣٣.
التفسير بالمأثور لسورة النساء كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٦٢ من سورة النساء

٦ وقفات في هذه الآية

  •   {لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون...}الآية تدل على أن الرسوخ في العلم ليس هو كثرة العلم فحسب بل الإيمان والعمل

    — محمد الربيعة

  • * جاءت (والمقيمين الصلاة) منصوبة مع أنها معطوفة على مرفوع : هذا يسمونه القطع ينصب إما على المدح أو على الذم ، وهو لإثارة الاهتمام والصفة المقطوعة ينبغي أن يُنتبه إليها فهذا المنصوب يصير مفعولاً به لفعل محذوف تقديره أخصّ أو أمدح المقيمين الصلاة فلا شك أن المقيمين الصلاة هم الأعلى وتشمل كل المسلمين ومستمرة في كل الأوقات ، أما المؤتون الزكاة معطوفة على ما قبلها والزكاة لا تشمل جميع المسلمين.

    — مختصر لمسات بيانية

  • { والمقيمي الصلاة } ، { والمقيمين الصلاة } في الحج : حذفت النون للإضافة { والمقيمي } الإضافة تعني وقوع الحدث في الحال مما يعني أن الحاج على الرغم من كثرة أعمال الحج عنده إلا أنه محافظ على الصلاة في وقتها ! وهذا مدح له وثناء من رب العالمين ، في النساء : اللفظ مقطوع من الإضافة { المقيمين } والقطع من الإضافة يعني وقوع الحدث على الدوام في النساء ربنا جل وعلا يخص بالثناء المقيمين للصلاة على الدوام والمحافظين لها دون إخلال بها ، أو انقطاع في أدائها .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • { مقيم الصلاة } : { مقيم } اسم فاعل مضاف، واسم الفاعل إذا أضيف يدل على الحال فإبراهيم عليه السلام يدعو الله بإقامة الصلاة ما دام في هذه الحياة - { والمقيمين الصلاة } : { المقيمين } اسم فاعل مقطوع من الإضافة ، يدل على الدوام وهذه صفة للمؤمنين أنهم يقيمون الصلاة على الدوام .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • وردة في سورة النساء في ثواب المؤمنين ( وسوف ) والآية التي بعدها ( سنؤتيهم ) بالسين ما الحكمة ؟

    — عدنان عبدالقادر

  • برنامج لمسات بيانية قال تعالى في سورة النساء (162): ﴿لَّٰكِنِ الراسخون فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَۚ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا﴾ سؤال: لماذا قال: ﴿وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ﴾ بنصب ﴿المُقِيمِينَ﴾ مع أنه معطوف على ﴿ٱلرَّٰسِخُونَ﴾ وهو مرفوع؟ الجواب: إن هذا مما يسمى في علم النحو بالقطع وهو يكثر في المدح والذم والترحم، ويكون ذلك لأهمية المعطوف. والقطع هنا للمدح وهو مفعول به لفعل محذوف تقديره (أمدح) أو (أخص). وحسّن القطع أنه ذكر عبادتين ظاهرتين وهما: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصلاة أهم من إيتاء الزكاة لأنها فرض عين على كل مكلف سواء كان غنيًّا أم فقيرًا، صحيحًا أم سقيمًا، وهي أهم ركن في الإسلام، ولا تسقط في حال من الأحوال، ولذا قطعها للدلالة على فضلها على الزكاة، أما الصفات الأخرى فهي أمور باطنة وقلبية. ونظير ذلك قوله تعالى:﴿۞لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177]. فقطع الصابرين لفضلهم، وذلك أنهم صابرون في الفقر وفي المرض وفي القتال، والبأساء هي البؤس والفقر، والضراء السقم والوجع، وحين البأس أي وقت القتال وجهاد العدو. جاء في (البحر المحيط): ((انتصب (والصابرين) على المدح. ولما كان الصبر مبدأ الفضائل – ومن وجه – جامعًا للفضائل إذ لا فضيلة إلا وللصبر فيها أثر بليغ غيّر إعرابه تنبيهًا على هذا المقصد)). وجاء في (روح المعاني): ((﴿وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾ نصب على المدح بتقدير أخص أو أمدح. وغيّر سبكه عمّا قبله تنبيهًا على فضيلة الصبر ومزيته على سائر الأعمال حتى كأنه ليس من جنس الأول)).

    — فاضل السامرائي

فتاوى متعلقة بالآية ١٦٢ من سورة النساء

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٦٢ من سورة النساء

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(162) But those firm in knowledge among them and the believers believe in what has been revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you. And the establishers of prayer [especially] and the givers of zakāh and the believers in Allāh and the Last Day - those We will give a great reward.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال