جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
وقوله : وأكْلِهِمْ أمْوَالَ النّاسِ بالباطِلِ يعني : ما كانوا يأخذون من الرشا على الحكم، كما وصفهم الله به في قوله : وَتَرَى كَثِيرا مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الإثْمِ والعُدْوَانِ وأكْلِهِمُ السّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وكان من أكلهم أموال الناس بالباطل ما كانوا يأخذون من أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم، ثم يقولون : هذا من عند الله، وما أشبه ذلك من المآكل الخسيسة الخبيثة. فعاقبهم الله على جميع ذلك بتحريمه ما حرّم عليهم من الطيبات التي كانت لهم حلالاً قبل ذلك. وإنما وصفهم الله بأنهم أكلوا ما أكلوا من أموال الناس كذلك بالباطل بأنهم أكلوه بغير استحقاق وأخذوا أموالهم منهم بغير استيجاب، فقوله : وأعْتَدْنا للكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابا ألِيما يعني : وجعلنا للكافرين بالله وبرسوله محمد من هؤلاء اليهود العذاب الأليم، وهو الموجع من عذاب جهنم، عدة يصلونها في الآخرة، إذا وردوا على ربهم فيعاقبهم بها.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك:
فقال بعضهم: معنى ذلك:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به"، يعني: بعيسى="قبل موته"، يعني: قبل موت عيسى= يوجِّه ذلك إلى أنّ جميعهم يصدِّقون به إذا نزل لقتل الدجّال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفيّة، دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم.
"بسم الله الرحمن الرحيم"
"رَبِّ يَسِّر برَحْمَتِك يا كَرِيم".
١٠٧٩٤- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، قال: قبل موت عيسى ابن مريم.
١٠٧٩٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، قال: قبل موت عيسى.
١٠٧٩٦- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن أبي مالك في قوله:"إلا ليؤمنن به قبل موته"، قال: ذلك عند نزول عيسى ابن مريم، لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به. (١)
١٠٧٩٧- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال، قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن قال:"قبل موته"، قال: قبل أن يموت عيسى ابن مريم.
١٠٧٩٨- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، قال: قبل موت عيسى. والله إنه الآن لحيٌّ عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون.
١٠٧٩٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، يقول: قبل موت عيسى.
١٠٨٠٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن قتادة:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، قال: قبل موت عيسى. (٢)
(٢) الأثر: ١٠٨٠٠ - هذا الأثر مكرر الذي يليه مختصرًا، وليس في المخطوطة، فأخشى أن يكون من سهو الناسخ، كتب، ثم وقف، ثم أعاد الكتابة.
١٠٨٠٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن الحسن قال: قبل موت عيسى.
١٠٨٠٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن عوف، عن الحسن:"إلا ليؤمنن به قبل موته"، قال عيسى، ولم يمت بعدُ.
١٠٨٠٤- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمران بن عيينة، عن حصين، عن أبي مالك قال: لا يبقى أحدٌ منهم عند نزول عيسى إلا آمن به.
١٠٨٠٥- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن حصين، عن أبي مالك قال: قبل موت عيسى.
١٠٨٠٦- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، قال: إذا نزل عيسى ابن مريم فقتل الدجال، لم يبق يهوديٌّ في الأرض إلا آمن به. قال: فذلك حين لا ينفعهم الإيمان. (١)
١٠٨٠٧- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، يعني: أنه سيدرك أناسٌ من أهل الكتاب حين يبعث عيسى، فيؤمنون به،"ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا".
١٠٨٠٨- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن أنه قال في هذه الآية:"وإن من أهل
* * *
وقال آخرون: يعني بذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى، قبل موت الكتابي. يوجِّه ذلك إلى أنه إذا عاين علم الحق من الباطل، (١) لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسُه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه.
[ذكر من قال ذلك] :(٢)
١٠٨٠٩- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى.
١٠٨١٠- حدثنا ابن وكيع وابن حميد قالا حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، قال: لا تخرج نفسه حتى يؤمن بعيسى، وإن غرق، أو تردَّى من حائط، أو أيّ ميتة كانت.
١٠٨١١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"إلا ليؤمنن به قبل موته"، كل صاحب كتاب ليؤمنن به، بعيسى، قبل موته، موتِ صاحب الكتاب. (٣)
١٠٨١٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ليؤمنن به"، كل صاحب كتاب، يؤمن بعيسى =
| "ذكر من كان يوجه ذلك | "، وأثبت ما في المخطوطة، وانظر التعليق التالي. |
(٣) في المخطوطة: "قبل موته صاحب صاحب كتاب"، اجتهد الناشر الأول، ولو كتب"قبل موت كل صاحب كتاب"، لكان صوابًا أيضًا.
١٠٨١٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لا يموت اليهودي حتى يشهد أنّ عيسى عبد الله ورسوله، ولو عُجِّل عليه بالسِّلاح.
١٠٨١٤- حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، قال: هي في قراءة أبيّ: (قبل موتهم)، ليس يهودي يموت أبدًا حتى يؤمن بعيسى. قيل لابن عباس: أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهُوِيِّ. (١) فقيل: أرأيت إن ضربَ عنق أحد منهم؟ (٢) قال: يُلجلج بها لسانُهُ. (٣)
١٠٨١٥- حدثني المثنى قال، حدثني أبو نعيم الفضل بن دكين قال، حدثنا سفيان، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى ابن مريم. قال: وإن ضُرب بالسيف، يتكلم به. قال: وإن هوى، يتكلم به وهو يَهْوِي. (٤)
١٠٨١٦- وحدثني ابن المثنى قال، حدثني محمد بن جعفر قال، حدثنا
(٢) في المطبوعة: "إن ضربت عنقه"، و"العنق" يذكر ويؤنث، وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) "لجلج" أي تردد بها وأدارها على لسانه. وفي المطبوعة: "يتلجلج" بزيادة التاء، وهي بمعناها.
(٤) في المطبوعة، غير ما في المخطوطة وزاد فيها، وجعل ذلك سؤالا وجوابًا، وكتب: "قيل: وإن ضرب بالسيف؟ قال: يتكلم به. قيل: وإن هوى؟ قال: يتكلم به وهو يهوي"، وأجود ذلك ما في المخطوطة.
١٠٨١٧- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا شعبة، عن مولى لقريش قال: سمعت عكرمة يقول: لو وقع يهوديٌّ من فوق القَصر، لم يبلغ إلى الأرض حتى يؤمن بعيسى.
١٠٨١٨- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن أبي هاشم الرماني، عن مجاهد:"ليؤمنن به قبل موته"، قال: وإن وقع من فوق البيت، لا يموت حتى يؤمن به. (٢)
١٠٨١٩- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن منصور، عن مجاهد:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته". قال: لا يموت رجل من أهل الكتاب حتى يؤمن به، وإن غرق، أو تردَّى، أو مات بشيء.
١٠٨٢٠- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد في قوله:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، قال: لا تخرج نفسه حتى يؤمن به.
(٢) الأثر: ١٠٨١٨ -"أبو هاشم الرماني الواسطي"، قيل اسمه: "يحيى بن دينار" وقيل: "ابن الأسود"، وقيل: "ابن أبي الأسود"، وقيل: "ابن نافع". رأى أنسًا، وروي عن أبي وائل، وأبي مجلز، وأبي العالية، وعكرمة، وغيرهم. كان فقيهًا صدوقًا، ثقة. مترجم في التهذيب.
١٠٨٢٢- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك قال: ليس أحدٌ من اليهود يخرج من الدنيا حتى يؤمن بعيسى.
١٠٨٢٣- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن فرات القزاز، عن الحسن في قوله:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، قال: لا يموت أحد منهم حتى يؤمن بعيسى ﷺ قبل أن يموت= [يعني: اليهود والنصارى]. (١)
١٠٨٢٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا إسرائيل، عن فرات، عن الحسن في قوله:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، قال: لا يموت أحدٌ منهم حتى يؤمن بعيسى قبل أن يموت. (٢)
١٠٨٢٥- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا الحكم بن عطية، عن محمد بن سيرين:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، قال: موتِ الرجل من أهل الكتاب. (٣)
١٠٨٢٦- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، قال: قال ابن عباس: ليس من يهودي [يموت] حتى يؤمن بعيسى ابن مريم. (٤)
(٢) الأثر: ١٠٨٢٤ - هذا الأثر غير موجود في المخطوطة.
(٣) الأثر: ١٠٨٢٥ -"الحكم بن عطية العيشي". متكلم فيه، روى عن عاصم الأحول، والحسن، وابن سيرين، وروى عنه ابن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو نعيم، وغيرهم. مترجم في التهذيب.
(٤) في المطبوعة: "ليس من يهودي ولا نصراني يموت حتى يؤمن"، وفي المخطوطة: " ليس من يهودي ولا نصراني حتى يؤمن"، وضرب الناسخ على"ولا نصراني"، وليس في المخطوطة"يموت"، فتركتها على حالها من المطبوعة، ووضعتها بين قوسين.
١٠٨٢٧- حدثت عن الحسين بن الفرج قال: سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، قال: لا يموت أحد من اليهود حتى يشهد أن عيسى رسول الله= صلى الله عليه وسلم.
١٠٨٢٨- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعلى، عن جويبر في قوله:"ليؤمنن به قبل موته"، قال: في قراءة أبيّ: (قبل موتهم). (١)
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم، قبل موت الكتابي.
*ذكر من قال ذلك:
١٠٨٢٩- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد، عن حميد قال، قال عكرمة: لا يموت النصراني واليهوديُّ حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم= يعني في قوله:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته".
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصحة والصواب، قول من قال: تأويل ذلك:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى".
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال، لأن الله جل ثناؤه حكم لكل مؤمن بمحمد ﷺ بحكم أهل الإيمان، في الموارثة والصلاة عليه،
* * *
فإن ظن ظانٌّ أنّ معنى إيمان اليهودي بعيسى الذي ذكره الله في قوله:"وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته"، إنما هو إقراره بأنه لله نبيٌّ مبعوث، دون تصديقه بجميع ما أتى به من عند الله= فقد ظن خطأ.
وذلك أنه غير جائز أن يكون منسوبًا إلى الإقرار بنبوّة نبي، من كان له مكذبًا في بعض ما جاء به من وحْي الله وتنزيله. بل غير جائز أن يكون منسوبًا إلا الإقرار بنبوة أحد من أنبياء الله، لأن الأنبياء جاءت الأمم بتصديق جميع أنبياء الله ورسله. فالمكذب بعض أنبياء الله فيما أتى به أمّته من عند الله، مكذِّب جميع أنبياء الله فيما دعوا إليه من دين الله عبادَ الله. وإذْ كان ذلك كذلك= وكان الجميع من أهل الإسلام مجمعين على أن كلَّ كتابي مات قبل إقراره بمحمد صلوات الله
١٠٨٣٠- حدثني بشر بن معاذ قال، حدثني يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة: أن نبيَّ الله ﷺ قال: الأنبياء إخوة لعَلاتٍ، أمهاتهم شتى ودينهم واحدٌ. وإنيّ أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن بيني وبينه نبيٌّ. وإنه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربُوع الخَلق، إلى الحمرة والبياض، سَبْط الشعر، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بَلل، بين ممصَّرتين، فيدُقّ الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملل كلَّها غير الإسلام، ويهلك الله في زمانه مسيحَ الضلالة الكذابَ الدجال، وتقع الأمَنَة في الأرض في زمانه، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الغِلمان= أو: الصبيان= بالحيات، لا يضرُّ بعضهم بعضًا. ثم يلبث في الأرض ما شاء الله= وربما قال: أربعين سنة= ثم يتوفَّى،
(٢) في المطبوعة:
| "بحكم المسألة التي كان عليها | "، والصواب من المخطوطة. |
* * *
وأما الذي قال: عنى بقوله:"ليؤمنن به قبل موته"، ليؤمنن بمحمد ﷺ قبلَ موت الكتابي - فمما لا وجه له مفهوم، لأنه= مع فساده من الوجه الذي دَللنا على فساد قول من قال:"عنى به: ليؤمنن بعيسى قبل موت الكتابي"= يزيده فسادًا أنه لم يجر لمحمد عليه السلام في الآيات التي قبلَ ذلك ذكر، فيجوز صرف"الهاء" التي في قوله:"ليؤمنن به"، إلى أنها من ذكره. وإنما قوله:"ليؤمنن به"، في سياق ذكر عيسى وأمه واليهود. فغير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبر عن الرسول تقوم به حُجَّة. فأما الدَّعاوى، فلا تتعذر على أحد.
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الآية= إذْ كان الأمر على ما وصفنا (٢) =: وما من أهل الكتاب إلا من ليؤمنن بعيسى، قبل موت عيسى= وحذف"مَن" بعد"إلا"، لدلالة الكلام عليه، فاستغنى بدلالته عن إظهاره، كسائر ما قد تقدم من أمثاله التي قد أتينا على البيان عنها.
* * *
(٢) في المطبوعة: "ما وصفت"، وأثبت ما في المخطوطة.
القول في تأويل قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ويوم القيامة يكون عيسى على أهل الكتاب"شهيدًا"، يعني: شاهدًا عليهم بتكذيب من كذَّبه منهم، وتصديق من صدقه منهم، فيما أتاهم به من عند الله، وبإبلاغه رسالة ربه، (١) كالذي:-
١٠٨٣١- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج:"ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا"، أنه قد أبلغهم ما أُرسل به إليهم. (٢)
١٠٨٣٢- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ويوم القيامة يكون عليهم شهيدًا"، يقول: يكون عليهم شهيدًا يوم القيامة على أنه قد بلغ رسالة ربه، وأقرّ بالعبوديّة على نفسه.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فحرَّمنا على اليهود الذين نقضوا ميثاقهم الذي واثقوا ربهم، وكفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءهم، وقالوا البهتان على مريم، وفعلوا ما وصفهم الله في كتابه= طيباتٍ من المآكل وغيرها، كانت لهم
(٢) في المطبوعة: "أرسله به"، وأثبت ما في المخطوطة.
١٠٨٣٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم" الآية، عوقب القوم بظلم ظلموه وبَغْيٍ بَغَوْه، حرمت عليهم أشياء ببغيهم وبظلمهم.
* * *
وقوله:"وبصدّهم عن سبيل الله كثيرًا"، يعني: وبصدّهم عبادَ الله عن دينه وسبله التي شرعَها لعباده، صدًّا كثيرًا. (٢) وكان صدُّهم عن سبيل الله: بقولهم على الله الباطل، وادعائهم أن ذلك عن الله، وتبديلهم كتاب الله، وتحريف معانيه عن وجوهه. وكان من عظيم ذلك: جحودهم نبوة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتركهم بيانَ ما قد علِموا من أمره لمن جَهِل أمره من الناس. (٣)
* * *
وبنحو ذلك كان مجاهد يقول:
١٠٨٣٤- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثني أبو عاصم قال، حدثني عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:"وبصدّهم عن سبيل الله كثيرًا"، قال: أنفسَهم وغيرَهم عن الحق.
١٠٨٣٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
* * *
وقوله:"وأخذهم الربا"، وهو أخذهم ما أفضلوا على رءوس أموالهم، لفضل تأخير في الأجل بعد مَحِلِّها، وقد بينت معنى"الربا" فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته. (٤)
* * *
وتفسير"الطيبات" فيما سلف ٣: ٣٠١ / ٥: ٥٥٥ / ٦: ٣٦١ / ٧: ٤٢٤ / ٨: ٤٠٩.
(٢) في المطبوعة: "التي شرحها لعبادة" وهو خطأ ظاهر.
(٣) انظر تفسير"الصد" فيما سلف ٤: ٣٠٠ / ٧: ٥٣ / ٨: ٤٨٢، ٥١٣ وتفسير"السبيل" فيما سلف من فهارس اللغة.
(٤) انظر تفسير"الربا" فيما سلف ٦: ٧، ٨، ١٣، ١٥، ٢٢.
* * *
وقوله:"وأكلهم أموالَ الناس بالباطل"، يعني ما كانوا يأخذون من الرُّشَى على الحكم، كما وصفهم الله به في قوله: (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [سورة المائدة: ٦٢]. وكان من أكلهم أموال الناس بالباطل، ما كانوا يأخذون من أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم، ثم يقولون:"هذا من عند الله"، وما أشبه ذلك من المآكل الخسيسة الخبيثة. فعاقبهم الله على جميع ذلك، بتحريمه ما حرَّم عليهم من الطيبات التي كانت لهم حلالا قبل ذلك.
وإنما وصفهم الله بأنهم أكلوا ما أكلوا من أموال الناس كذلك بالباطل، (١) لأنهم أكلوه بغير استحقاق، (٢) وأخذوا أموالهم منهم بغير استيجاب.
* * *
وقوله:"وأعتدنا للكافرين منهم عذابًا أليمًا"، (٣) يعني: وجعلنا للكافرين بالله وبرسوله محمد ﷺ من هؤلاء اليهود، (٤) العذاب الأليم= وهو الموجع (٥) = من عذاب جهنم عنده، (٦) يصلونها في الآخرة، إذا وردوا على ربهم، فيعاقبهم بها.
* * *
(٢) في المطبوعة: "بأنهم أكلوه... "، والصواب من المخطوطة.
(٣) في المطبوعة: "فقوله:... "، والصواب من المخطوطة.
(٤) انظر تفسير"أعتد" فيما سلف ٨: ١٠٣، ٣٥٥ / ٩: ٣٥٣.
(٥) انظر تفسير"الأليم" فيما سلف من فهارس اللغة.
(٦) في المطبوعة:
| "من عذاب جهنم عدة يصلونها | " والصواب من المخطوطة. |
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً قَالَ قَتَادَةُ: يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَهُمُ الرسالة من الله وأقر بعبودية الله عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَإِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ- إلى قوله- الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٦].
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٦٠ الى ١٦٢]
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢)يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ بِسَبَبِ ظُلْمِ الْيَهُودِ بِمَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ الْعَظِيمَةِ، حَرَّمَ عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ كَانَ أَحَلَّهَا لَهُمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو، قال: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَيِّبَاتٍ كَانَتْ أُحِلَّتْ لَهُمْ، وَهَذَا التَّحْرِيمُ قَدْ يَكُونُ قَدَرِيًّا بِمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى قَيَّضَهُمْ لِأَنْ تَأَوَّلُوا فِي كِتَابِهِمْ، وَحَرَّفُوا وَبَدَّلُوا أَشْيَاءَ كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ فَحَرَّمُوهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ تَشْدِيدًا مِنْهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَتَضْيِيقًا وَتَنَطُّعًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَرْعِيًّا بِمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ أَشْيَاءَ كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٣] وَقَدْ قَدَّمَنَا الْكَلَامَ على الْآيَةِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْجَمِيعَ مِنَ الْأَطْعِمَةِ كَانَتْ حَلَالًا لَهُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ مَا عَدَا مَا كَانَ حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً فِي التَّوْرَاةِ كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ [الْأَنْعَامِ: ١٤٦] أَيْ إِنَّمَا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ بِسَبَبِ بَغْيِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ رَسُولَهُمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً أَيْ صَدُّوا النَّاسَ وَصَدُّوا أَنْفُسَهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَهَذِهِ سَجِيَّةٌ لَهُمْ مُتَّصِفُونَ بِهَا مِنْ قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ، وَلِهَذَا كَانُوا أَعْدَاءَ الرُّسُلِ وَقَتَلُوا خَلْقًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَذَّبُوا عِيسَى وَمُحَمَّدًا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا.
وَقَوْلُهُ: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ أَيْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَاهُمْ عَنِ الرِّبَا فَتَنَاوَلُوهُ وَأَخَذُوهُ وَاحْتَالُوا عَلَيْهِ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْحِيَلِ وَصُنُوفٍ مِنَ الشُّبَهِ، وَأَكَلُوا أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، قَالَ تَعَالَى:
وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ أَيِ
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وكفروا بآيات الله وقتلوا رسله بغير حق. ومن قولهم: إنهم قتلوا المسيح عيسى وصلبوه، والحال أنهم ما قتلوه وما صلبوه بل شُبِّه لهم غيره، فقتلوا غيره وصلبوه.
وادعائهم أن قلوبهم غلف لا تفقه ما تقول لهم ولا تفهمه، وبصدهم الناس عن سبيل الله، فصدوهم عن الحق، ودعوهم إلى ما هم عليه من الضلال والغي. وبأخذهم السحت والربا مع نهي الله لهم عنه والتشديد فيه.
فالذين فعلوا هذه الأفاعيل لا يستنكر عليهم أن يسألوا الرسول محمدا أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وهذه الطريقة من أحسن الطرق لمحاجة الخصم المبطل، وهو أنه إذا صدر منه من الاعتراض الباطل ما جعله شبهة له ولغيره في رد الحق أن يبين من حاله الخبيثة وأفعاله الشنيعة ما هو من أقبح ما صدر منه، ليعلم كل أحد أن هذا الاعتراض من ذلك الوادي الخسيس، وأن له مقدمات يُجعل هذا معها.
وكذلك كل اعتراض يعترضون به على نبوة محمد ﷺ يمكن أن يقابل بمثله أو ما هو أقوى منه في نبوة من يدعون إيمانهم به ليكتفى بذلك شرهم وينقمع باطلهم، وكل حجة سلكوها في تقريرهم لنبوة من آمنوا -[٢١٤]- به فإنها ونظيرها وما هو أقوى منها، دالة ومقررة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
ولما كان المراد من تعديد ما عدد الله من قبائحهم هذه المقابلة لم يبسطها في هذا الموضع، بل أشار إليها، وأحال على مواضعها وقد بسطها في غير هذا الموضع في المحل اللائق ببسطها.
وقوله: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يحتمل أن الضمير هنا في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعود إلى أهل الكتاب، فيكون على هذا كل كتابي يحضره الموت ويعاين الأمر حقيقة، فإنه يؤمن بعيسى عليه السلام ولكنه إيمان لا ينفع، إيمان اضطرار، فيكون مضمون هذا التهديد لهم والوعيد، وأن لا يستمروا على هذه الحال التي سيندمون عليها قبل مماتهم، فكيف يكون حالهم يوم حشرهم وقيامهم؟ "
ويحتمل أن الضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ راجع إلى عيسى عليه السلام، فيكون المعنى: وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالمسيح عليه السلام قبل موت المسيح، وذلك يكون عند اقتراب الساعة وظهور علاماتها الكبار.
فإنه تكاثرت الأحاديث الصحيحة في نزوله عليه السلام في آخر هذه الأمة. يقتل الدجال، ويضع الجزية، ويؤمن به أهل الكتاب مع المؤمنين. ويوم القيامة يكون عيسى عليهم شهيدا، يشهد عليهم بأعمالهم، وهل هي موافقة لشرع الله أم لا؟
وحينئذ لا يشهد إلا ببطلان كل ما هم عليه، مما هو مخالف لشريعة القرآن وَلِمَا دعاهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم، علمنا بذلك، لِعِلْمِنَا بكمال عدالة المسيح عليه السلام وصدقه، وأنه لا يشهد إلا بالحق، إلا أن ما جاء به محمد ﷺ هو الحق وما عداه فهو ضلال وباطل.
ثم أخبر تعالى أنه حرم على أهل الكتاب كثيرا من الطيبات التي كانت حلالا عليهم، وهذا تحريم عقوبة بسبب ظلمهم واعتدائهم، وصدهم الناس عن سبيل الله، ومنعهم إياهم من الهدى، وبأخذهم الربا وقد نهوا عنه، فمنعوا المحتاجين ممن يبايعونه عن العدل، فعاقبهم الله من جنس فعلهم فمنعهم من كثير من الطيبات التي كانوا بصدد حلها، لكونها طيبة، وأما التحريم الذي على هذه الأمة فإنه تحريم تنزيه لهم عن الخبائث التي تضرهم في دينهم ودنياهم.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٦ كتابًا)
إعراب الآية ١٦١ من سورة النساء
من كتاب: إعراب القرآن
[سورة النساء (٤) : آية ١٥٩]
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩)وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ لأن أهل الكتاب فيه على ضربين منهم من كذّبه ومنهم من اتّخذه إلها فيضطرّ قبل موته إلى الإيمان به لأنه يتبيّن أنه كان على باطل إذا عاين وتقدير سيبويه «١» وإن من أهل الكتاب أحد إلّا ليؤمنن به، وتقدير الكوفيين وإن من أهل الكتاب إلّا من ليؤمننّ به، وحذف الموصول خطأ. وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً أي على من كان فيهم.
[سورة النساء (٤) : آية ١٦٠]
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠)فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا قال أبو إسحاق: هذا بدل من فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [آية: ١٥٥] حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ نحو كل ذي ظفر وما أشبهه وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً أي صدّا كثيرا.
[سورة النساء (٤) : آية ١٦٢]
لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢)لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ رفع بالابتداء. يُؤْمِنُونَ في موضع الخبر، والكوفيون يقولون: رفع بالضمير وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، في نصبه ستة أقوال فسيبويه ينصبه على المدح أي وأعني المقيمين. قال سيبويه: هذا باب ما ينصب على التعظيم ومن ذلك المقيمين الصلاة وأنشد «٢» :[البسيط] ١١١-
| وكلّ قوم أطاعوا أمر مرشدهم | إلّا نميرا أطاعت أمر غاويها |
| الظّاعنين ولمّا يظعنوا أحدا | والقائلون لمن دار نخلّيها |
(٢) البيتان لمالك بن خياط العكلي في شرح أبيات سيبويه ٢/ ٢١، والكتاب ٢/ ٥٩، ولابن حماط العكلي في خزانة الأدب ٥/ ٤٢، وبلا نسبة في الإنصاف ٢/ ٤٧٠، ولسان العرب (ظعن)، وتاج العروس (ظعن).
(٣) مرّ البيتان في الشاهد رقم (٣٣).
القراءات في الآية ١٦١ من سورة النساء
اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية
الرِّبَاْ
بالإمالة
بالفتح
النَّاسِ
بالإمالة
بالفتح
لِلْكَافِرِينَ
بالإمالة
بالتقليل
بالفتح
وَأَخْذِهِمُ
(وأخذهُمُ) بضم الهاء والميم
(وأخذهِمِ) بكسر الهاء والميم
(وأخذهِمُ) بكسر الهاء وضم الميم
الموضوعات القرآنية للآية ١٦١ من سورة النساء
٨ موضوعات تتناولها هذه الآية
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
٥ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور
تفسير
٥ أقوالعن مقاتل بن حيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿وأعتدنا للكافرين منهم﴾، يعني: من اليهود١
عن مقاتل بن حيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿وأخذهم الربا وقد نهوا عنه﴾، قال: كان الله حَرَّم على أهل التوراة حين أقَرُّوا بها أن يأكلوا الرِّبا، فأكلوا الرِّبا١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾، وهو محرم بغير حق، ... فهذا الظلم الذى ذكره في هذه الآية١
عن مقاتل بن حيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿وأكلهم أموال الناس﴾ قال: كان الله حَرَّم على أهل التوراة حين أقرُّوا بها أن يأكلوا أموال الناس، فأكلوا أموال الناس، فلمّا فعلوا ذلك حرَّم الله عليهم ما كان أحل لهم في التوراة، ﴿بالباطل﴾ قال: ظلمًا١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأعتدنا للكافرين منهم﴾ يعني: اليهود ﴿عذابا أليما﴾ يعني: وجيعًا١
ترجمات معاني الآية ١٦١ من سورة النساء
ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً
(161) And [for] their taking of usury while they had been forbidden from it, and their consuming of the people's wealth unjustly. And We have prepared for the disbelievers among them a painful punishment.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا