زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ قال ابن عباس : هذا استثناء لمؤمني أهل الكتاب، فأما الراسخون، فهم الثابتون في العلم. قال أبو سليمان : وهم عبد الله بن سلام، ومن آمن معه، والذين آمنوا من أهل الإنجيل ممن قدم مع جعفر من الحبشة، والمؤمنون، يعني أصحاب رسول الله. فأما قوله :﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ فهم القائمون بأدائها كما أمروا.
وفي نصب ﴿المقيمين﴾ أربعة أقوال :
أحدها : أنه خطأ من الكاتب، وهذا قول عائشة، وروي عن عثمان بن عفان أنه قال : إن في المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها. وقد قرأ ابن مسعود، وأبي وسعيد، بن جبير، وعكرمة، والجحدري : و﴿المقيمون الصلاة﴾ بالواو.
وقال الزجاج : قول من قال إنه خطأ، بعيد جدا، لأن الذين جمعوا القرآن هم أهل اللغة، والقدوة، فكيف يتركون في كتاب الله شيئا يصلحه غيرهم ؟ ! فلا ينبغي أن ينسب هذا إليهم. وقال ابن الأنباري : حديث عثمان لا يصح، لأنه غير متصل، ومحال أن يؤخر عثمان شيئا فاسدا، ليصلحه من بعده.
والثاني : أنه نسق على ﴿ما﴾ والمعنى : يؤمنون بما أنزل إليك، وبالمقيمين الصلاة، فقيل : هم الملائكة، وقيل : الأنبياء.
والثالث : أنه نسق على الهاء والميم من قوله ﴿مِنْهُمْ﴾ فالمعنى : لكن الراسخون في العلم منهم، ومن المقيمين الصلاة يؤمنون بما أنزل إليك. قال الزجاج : وهذا رديء عند النحويين، لا ينسق بالظاهر المجرور على المضمر المجرور إلا في الشعر.
والرابع : أنه منصوب على المدح، فالمعنى : اذكر المقيمين الصلاة، وهم المؤتون الزكاة. وأنشدوا :
لا يبعدن قومي الذين همسُمُّ العُداة وآفة الجُزر
النازلين بكل معتركوالطيبون معاقد الأزر
وهذا على معنى : اذكر النازلين، وهم الطيبون، ومن هذا قولك : مررت بزيد الكريم، إن أردت أن تخلصه من غيره، فالخفض هو الكلام، وإن أردت المدح والثناء، فإن شئت نصبت، فقلت : بزيد الكريم، كأنك قلت : اذكر الكريم، وإن شئت رفعت على معنى : هو الكريم. وتقول : جاءني قومك المطعمين في المحل، والمغيثون في الشدائد على معنى : اذكر المطعمين، وهم المغيثون، وهذا القول اختيار الخليل، وسيبويه. فهذه الأقوال حكاها الزجاج، واختار هذا القول.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى