البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل﴾ أي ذكرنا أخبارهم لك.
﴿ورسلاً لم نقصصهم عليك﴾ روي من حديث أبي ذر : أنه سئل عن المرسلين، فقال له رسول الله ﷺ :« كان المرسلون ثلثمائة وثلاثة عشر » قال القرطبي : هذا أصح ما روي في ذلك، خرجه الآجريّ وأبو حاتم البستي في مسند صحيح له.
وفي حديث أبي ذر هذا : أنه سأله كم كان الأنبياء ؟ فقال :« مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي » وروي عن أنس : أن رسول الله ﷺ بعث على أثر ثمانية آلاف من الأنبياء منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل وروي عن كعب الأحبار أنه قال : الأنبياء ألف ألف وأربعمائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً.
وقال ابن عطية : ما يذكر من عدد الأنبياء غير صحيح، والله أعلم بعدتهم انتهى.
وانتصاب ورسلاً على إضمار فعل أي : قد قصصنا رسلاً عليك، فهو من باب الاشتغال.
والجملة من قوله : قد قصصناهم، مفسرة لذلك الفعل المحذوف، ويدل على هذا قراءة أبي ورسلُ بالرفع في الموضعين على الابتداء.
وجاز الابتداء بالنكرة هنا، لأنه موضع تفصيل كما أنشدوا : فثوب لبست وثوب أجر.
وقال امرؤ القيس :
بشق وشق عندنا لم يحوّل *** ومن حجج النصب على الرفع كون العطف على جملة فعلية وهي : وآتينا داود زبوراً.
وقال ابن عطية : الرفع على تقدير وهم : رسل، فعلى قوله يكون قد قصصناهم جملة في موضع الصفة.
وجوّزوا أيضاً نصب ورسلاً من وجهين : أحدهما : أن يكون نصباً على المعنى، لأن المعنى : إنا أرسلناك وأرسلنا رسلاً، لأن الرد على اليهود إنما هو في إنكارهم إرسال الرسل واطراد الوحي.
﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ هذا إخبار بأن الله شرف موسى بكلامه، وأكد بالمصدر دلالة على وقوع الفعل على حقيقته لا على مجازه، هذا هو الغالب.
وقد جاء التأكيد بالمصدر في المجاز، إلا أنه قليل.
فمن ذلك قول هند بنت النعمان بن بشير الأنصاري :
بكى الخز من عوف وأنكر جلدهوعجت عجيجاً من جذام المطارف
وقال ثعلب : لولا التأكيد بالمصدر لجاز أن تقول : قد كلمت لك فلاناً بمعنى كتبت إليه رقعة وبعثت إليه رسولاً، فلما قال : تكليماً لم يكن إلا كلاماً مسموعاً من الله تعالى.
ومسألة الكلام مما طال فيه الكلام واختلف فيها علماء الإسلام، وبهذه المسألة سمي علم أصول الدين بعلم الكلام، وهي مسألة يبحث عنها في أصول الدين.
وقرأ ابراهيم بن وثاب : وكلم الله بالنصب على أن موسى هو المكلم.
ومن بدع التفاسير أنه من الكلم، وأنّ معناه : وجرح الله موسى بأظفار المحن ومخالب الفتن.
وقال كعب : كلم الله موسى بالألسنة كلها، فجعل موسى يقول : رب لا أفهم، حتى كلمه بلسان موسى آخر الألسنة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
فمن ذلك الطباق في : حرمنا وأحلت، وفي : فآمنوا وإن تكفروا.
والتكرار في : وما قتلوه، وفي : وأوحينا، وفي : ورسلاً، وفي : يشهد ويشهدون، وفي : كفروا، وفي : مريم، وفي : اسم الله.
والالتفات في : فسوف نؤتيهم، وفي : فسنحشرهم وما بعد ما في قراءة من قرأ بالنون.
والتشبيه في : كما أوحينا.
والاستعارة في : الراسخون وهي في الاجرام استعيرت للثبوت في العلم والتمكن فيه، وفي : سبيل الله، وفي : يشهد، وفي : طريقاً، وفي : لا تغلوا والغلو حقيقة في ارتفاع السعر، وفي : وكيلاً استعير لإحاطة علم الله بهم، وفي : فيوفيهم أجورهم استعير للمجازاة.
والتجنيس المماثل في : يستفتونك ويفتيكم.
والتفصيل في : فأما الذين آمنوا وأما الذين استنكفوا.
والحذف في عدّة مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى