محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
( ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما١٦٤ ).
( ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ) أي : في السور المكية ( ورسلا لم نقصصهم عليك ) أي : لم نسمهم لك في القرآن. وقد أحصى بعض المدققين أنبياء اليهود والنصارى ورسلهم فوجد عددهم لا يتجاوز الخمسين. روي في عدتهم أحاديث تكلم في أسانيدها. منها حديث أبي ذر :" إن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. والرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر ". صححه ابن حبان. وخالفه ابن الجوزي فذكره في ( موضوعاته ) واتهم به إبراهيم بن هاشم. وقد تكلم فيه غير واحد ( وكلم الله موسى تكليما ) يعني خاطبه مخاطبة من غير واسطة. لأن تأكيد ( كلم ) بالمصدر يدل على تحقق الكلام. وأن موسى عليه السلام سمع كلام الله بلا شك. لأن أفعال المجاز لا تؤكد بالمصادر. فلا يقال : أراد الحائط يسقط إرادة. وهذا رد على من يقول : إن الله خلق كلاما في محل. فسمع موسى ذلك الكلام. قال الفراء : العرب تسمي كل ما يوصل إلى الإنسان كلاما، بأي طريق وصل. لكن لا تحققه بالمصدر. وإذا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام. فدل قوله تعالى :( تكليما ) على أن موسى قد سمع كلام الله حقيقة من غير واسطة. قال بعضهم : كما أن الله تعالى خص موسى عليه السلام بالتكليم وشرفه به ولم يكن ذلك قادحا في نبوة غيره من الأنبياء، فكذلك إنزال التوراة عليه جملة واحدة لم يكن قادحا في نبوة من أنزل عليه كتابه منجما من الأنبياء. كذا في ( اللباب ).
تنبيه :
يحسن في هذا المقام إيراد عقيدة السلف الكرام في مسألة الكلام. فإنها من أعظم مسائل الدين. وقد تحيرت فيها آراء أهل الأهواء من المتقدمين والمتأخرين. واضطربت فيها الأقوال. وكثرت بسببها الأهوال. وأثارت فتنا وجلبت محنا. وكم سجنت إماما. وبكت أقواما. وتشعبت فيها المذاهب. واختلفت فيها المشارب. ولم يثبت إلا قول أهل السنة والجماعة. المقتفين لأثر الرسول ﷺ وصحابته الكرام رضي الله عنهم. فنقول : قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية عليه رحمة الرحيم السلام، في كتابه إلى جماعة العارف عدي بن مسافر ما نصه :
ومن ذلك الاقتصاد في السنة وإتباعها كما جاءت بلا زيادة ولا نقصان. مثل الكلام في القرآن وسائر الصفات، فإن مذهب سلف الأمة وأهل السنة : أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدا واليه يعود. هكذا قال غير واحد من السلف. روي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار وكان من التابعين الأعيان قال : ما زلت أسمع الناس يقولون ذلك. القرآن الذي أنزله الله على رسول الله ﷺ هو هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم. وهو كلام الله لا كلام غيره. وان تلاه العباد وبلغوه بحركاتهم وأصواتهم. فإن الكلام لمن قاله مبتدئا، لا لمن قاله مبلغا مؤديا. قال الله تعالى :( وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) (١). وهذا القرآن في المصاحف. كما قال تعالى :( بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ ) (٢). وقال تعالى :( يتلو صحفا مطهرة * فيها كتب قيمة ) (٣). وقال :( انه لقرآن كريم * في كتاب مكنون ) (٤). والقرآن كلام الله بحروفه ونظمه ومعانيه. كل ذلك يدخل في القرآن وفي كلام الله. وإعراب الحروف هو من تمام الحروف. كما قال النبي ﷺ :" من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات ". وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما :" حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه ".
ثم قال رحمه الله : والتصديق بما ثبت عن النبي ﷺ، أن الله يتكلم بصوت وينادي آدم عليه السلام بصوت، إلى أمثال ذلك من الأحاديث. فهذه الجملة كان عليها سلف الأمة وأئمة السنة. وقال أئمة السنة : القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، حيث تلي، وحيث كتب. فلا يقال لتلاوة العبد بالقرآن إنها مخلوقة. لأن ذلك يدخل فيه القرآن المنزل. ولا يقال غير مخلوقة، لأن ذلك يدخل فيه أفعال العباد. ولم يقل قط أحد من أئمة السلف : إن أصوات العباد بالقرآن قديمة. بل أنكروا على من قال :( لفظ العبد بالقرآن غير مخلوق ) وأما من قال : إن المداد قديم – فهذا من أجهل الناس وأبعدهم عن السنة. قال الله تعالى :( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) (٥). فأخبر أن المداد يكتب به كلماته. وكذلك من قال :( ليس القرآن في المصحف. وإنما في المصحف مدادا وورق وحكاية وعبارة ) فهو مبتدع ضال. بل القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ هو ما بين الدفتين. والكلام في المصحف على الوجه الذي يعرفه الناس، له خاصة يمتاز بها عن سائر الأشياء. وكذلك من زاد على السنة فقال : إن ألفاظ العباد وأصواتهم قديمة، فهو مبتدع ضال. كمن قال : إن الله لا يتكلم بحرف ولا صوت – فانه أيضا مبتدع منكر للسنة. وكذلك من زاد وقال : إن المداد قديم – فهو ضال. كمن قال : ليس في المصاحف كلام الله. وأما من زاد على ذلك من الجهال الذين يقولون : إن الورق والجلد والوتد وقطعة من الحائط، كلام الله فهو بمنزلة من يقول : ما تكلم الله بالقرآن ولا هو من كلامه. هذا الغلو من جانب الإثبات يقابل التكذيب من جانب النفي. وكلاهما خارج عن السنة والجماعة. وكذلك إفراد الكلام في النقطة والشكلة بدعة، نفيا وإثباتا. وإنما حدثت هذه البدعة من مائة سنة أو أكثر بقليل. فإن من قال : إن المداد الذي تنقط به الحروف وتشكل به، قديم – فهو ضال جاهل. ومن قال : إن إعراب حروف القرآن ليس من القرآن – فهو ضال مبتدع. بل الواجب أن يقال : هذا القرآن العربي هو كلام الله. وقد دخل في ذلك حروفه بإعرابها. كما دخلت معانيه. ويقال : وما بين اللوحين جميعه كلام الله. فإن كان المصحف منقوطا مشكولا أطلق على ما بين اللوحين جميعه انه كلام الله. وان كان غير منقوط ولا مشكول، كالمصاحف القديمة التي كتبها الصحابة، كان أيضا ما بين اللوحين هو كلام الله. فلا يجوز أن تلقى الفتنة بين المسلمين بأمر محدث ونزاع لفظي لا حقيقة له. ولا يجوز أن يحدث في الدين ما ليس منه.
وسئل رحمه الله تعالى عن رجلين تباحثا فقال أحدهما : القرآن حرف وصوت. وقال الأخر : ليس هو بحرف ولا صوت. وقال أحدهما : النقط التي في المصحف والشكل من القرآن. وقال الأخر : ليس ذلك من القرآن. فما الصواب في ذلك ؟
فأجاب رضي الله عنه : الحمد لله رب العالمين. هذه المسألة يتنازع فيها كثير من الناس. ويخلطون الحق بالباطل. فالذي قال : إن القرآن حرف وصوت، إن أراد بذلك إن هذا القرآن الذي يقرأ للمسلمين هو كلام الله، الذي نزل به الروح الأمين على محمد خاتم النبيين والمرسلين، وأن جبرئيل سمعه من الله، والنبي ﷺ سمعه من جبرئيل، والمسلمون سمعوه من النبي ﷺ، كما قال تعالى :( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ) (٦) – فقد أصاب في ذلك. فإن هذا مذهب سلف الأمة وأئمتها. والدلائل على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع. ومن قال : إن القرآن العربي لم يتكلم الله به وإنما هو كلام جبرئيل أو غيره، عبر به عن المعنى القائم بذات الله، كما يقول ذلك ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما –فهو قول باطل من وجوه كثيرة. فإن هؤلاء يقولون : انه معنى واحد قائم بالذات. وان معنى التوراة والانجيل والقرآن واحد. وانه لا يتعدد ولا يتبعض. وانه إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وبالعبرانية كان توراة. وبالسريانية كان انجيلا. فيجعلون معنى آية الكرسي، وآية الدين، و ( قل هو الله أحد )، و ( تبت يدا أبي لهب )، والتوراة والانجيل وغيرهما – معنى واحدا. وهذا قول فاسد بالعقل والشرع. وهو قول أحدثه ابن كلاب. لم يسبقه إليه غيره من السلف. وان أراد قائل بالحرف والصوت، أن الأصوات المسموعة من القراء، والمداد الذي في المصاحف قديم أزلي –أخطأ وابتدع. وقال ما يخالف العقل والشرع. فإن النبي ﷺ قال(٧) :" زينوا القرآن بأصواتكم ". فبين أن الصوت صوت القارئ. والكلام كلام الباري. كما قال تعالى :( وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) (٨). فالقرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله لا كلام غيره. كما ذكر الله ذلك. وفي ( السنن ) (٩) عن جابر بن عبد الله :" أن النبي ﷺ كان يعرض نفسه على الناس في الموقف فقال : ألا رجل يحملني إلى قومه ؟ فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ". " قالوا لأبي بكر الصديق لما قرأ عليهم ( ألم غلبت الروم ) : هذا كلامك أم كلام صاحبك ؟ فقال : ليس بكلامي ولا كلام صاحبي. ولكنه كلام الله تعالى ".
والناس إذا بلغوا كلام النبي ﷺ (١٠)كقوله :" إنما الأعمال بالنيات " –يعلمون أن الحديث الذي يسمعونه حديث النبي ﷺ. تكلم به بصوته وبحروفه ومعانيه. والمحدث بلغه عنه بصوت نفسه لا بصوت النبي ﷺ. فالقرآن أولى أن يكون كلام الله، إذا بلغته الرسل عنه، وقرأه الناس بأصواتهم. والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه بصوت نفسه. ونادى موسى بصوت نفسه. كما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف. وصوت العبد ليس هو صوت الرب. ولا مثل صوته. فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وقد نص أئمة الإسلام، أحمد ومن قبله من الأئمة على ما نطق به الكتاب والسنة : من أن الله ينادي بصوت. وان القرآن كلامه تكلم بحروف وصوت. ليس منه شيء كلاما لغيره. لا جبرئيل ولا غيره. وأن العباد يقولونه بأصوات أنفسهم وأفعالهم. فالصوت المسموع من العبد صوت القارئ. والكلام كلام الباري. وكثير من الخائضين في هذه المسألة لا يميز بين صوت العبد وصوت الرب. بل يجعل هذا هو هذا. فينفيهما جميعا. ويثبتها جميعا. فإذا نفى الحرف والصوت نفى أن يكون القرآن العربي كلام الله، وأن يكون مناديا لعباده بصوته، وأن يكون القرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله. كما نفى أن يكون صوت العبد صفة لله. ثم جعل كلام الله المتنوع شيئا واحدا. لا فرق بين القديم والحادث. وهذا مصيب في هذا الفرق دون ذاك الثاني، الذي فيه نوع من الإلحاد والتعطيل. حيث جعل كلام الله المتنوع شيئا واحدا لا حقيقة له عند التحقيق. وإذا أثبت، جعل صوت الرب هو صوت العبد، أو سكت عن التمييز بينهما، مع قوله : إن الحروف متعاقبة في الوجود، مقترنة في الذات، قديمة أزلية الأعيان، فجعل عين صفة الرب تحل في العبد، ويتحد بصفته، فقال في نوع من الحلول والاتحاد يفضي إلى نوع من التعطيل. وقد علم أن نفي الفرق والمباينة، بين الخالق وصفاته، والمخلوق وصفاته، خطأ وضلال. لم يذهب إليه احد من سلف الأمة وأئمتها. بل هم متفقون على التمييز بين صوت الرب وصوت العبد. ومتفقون ان الله تكلم بالقرآن الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ. حروفه ومعانيه. وأنه ينادي عباده بصوته. ومتفقون على أن الأصوات المسموعة من القراء أصوات العباد. وعلى انه ليس بشيء من أصوات العباد، ولا مداد المصاحف، قديما. بل القرآن مكتوب في مصاحف المسلمين. مقروء بألسنتهم. محفوظ بقلوبهم. وهو كلام الله.
( ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ) أي : في السور المكية ( ورسلا لم نقصصهم عليك ) أي : لم نسمهم لك في القرآن. وقد أحصى بعض المدققين أنبياء اليهود والنصارى ورسلهم فوجد عددهم لا يتجاوز الخمسين. روي في عدتهم أحاديث تكلم في أسانيدها. منها حديث أبي ذر :" إن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. والرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر ". صححه ابن حبان. وخالفه ابن الجوزي فذكره في ( موضوعاته ) واتهم به إبراهيم بن هاشم. وقد تكلم فيه غير واحد ( وكلم الله موسى تكليما ) يعني خاطبه مخاطبة من غير واسطة. لأن تأكيد ( كلم ) بالمصدر يدل على تحقق الكلام. وأن موسى عليه السلام سمع كلام الله بلا شك. لأن أفعال المجاز لا تؤكد بالمصادر. فلا يقال : أراد الحائط يسقط إرادة. وهذا رد على من يقول : إن الله خلق كلاما في محل. فسمع موسى ذلك الكلام. قال الفراء : العرب تسمي كل ما يوصل إلى الإنسان كلاما، بأي طريق وصل. لكن لا تحققه بالمصدر. وإذا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام. فدل قوله تعالى :( تكليما ) على أن موسى قد سمع كلام الله حقيقة من غير واسطة. قال بعضهم : كما أن الله تعالى خص موسى عليه السلام بالتكليم وشرفه به ولم يكن ذلك قادحا في نبوة غيره من الأنبياء، فكذلك إنزال التوراة عليه جملة واحدة لم يكن قادحا في نبوة من أنزل عليه كتابه منجما من الأنبياء. كذا في ( اللباب ).
تنبيه :
يحسن في هذا المقام إيراد عقيدة السلف الكرام في مسألة الكلام. فإنها من أعظم مسائل الدين. وقد تحيرت فيها آراء أهل الأهواء من المتقدمين والمتأخرين. واضطربت فيها الأقوال. وكثرت بسببها الأهوال. وأثارت فتنا وجلبت محنا. وكم سجنت إماما. وبكت أقواما. وتشعبت فيها المذاهب. واختلفت فيها المشارب. ولم يثبت إلا قول أهل السنة والجماعة. المقتفين لأثر الرسول ﷺ وصحابته الكرام رضي الله عنهم. فنقول : قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية عليه رحمة الرحيم السلام، في كتابه إلى جماعة العارف عدي بن مسافر ما نصه :
فصل
ومن ذلك الاقتصاد في السنة وإتباعها كما جاءت بلا زيادة ولا نقصان. مثل الكلام في القرآن وسائر الصفات، فإن مذهب سلف الأمة وأهل السنة : أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدا واليه يعود. هكذا قال غير واحد من السلف. روي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار وكان من التابعين الأعيان قال : ما زلت أسمع الناس يقولون ذلك. القرآن الذي أنزله الله على رسول الله ﷺ هو هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون ويكتبونه في مصاحفهم. وهو كلام الله لا كلام غيره. وان تلاه العباد وبلغوه بحركاتهم وأصواتهم. فإن الكلام لمن قاله مبتدئا، لا لمن قاله مبلغا مؤديا. قال الله تعالى :( وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) (١). وهذا القرآن في المصاحف. كما قال تعالى :( بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ ) (٢). وقال تعالى :( يتلو صحفا مطهرة * فيها كتب قيمة ) (٣). وقال :( انه لقرآن كريم * في كتاب مكنون ) (٤). والقرآن كلام الله بحروفه ونظمه ومعانيه. كل ذلك يدخل في القرآن وفي كلام الله. وإعراب الحروف هو من تمام الحروف. كما قال النبي ﷺ :" من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات ". وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما :" حفظ إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه ".
ثم قال رحمه الله : والتصديق بما ثبت عن النبي ﷺ، أن الله يتكلم بصوت وينادي آدم عليه السلام بصوت، إلى أمثال ذلك من الأحاديث. فهذه الجملة كان عليها سلف الأمة وأئمة السنة. وقال أئمة السنة : القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، حيث تلي، وحيث كتب. فلا يقال لتلاوة العبد بالقرآن إنها مخلوقة. لأن ذلك يدخل فيه القرآن المنزل. ولا يقال غير مخلوقة، لأن ذلك يدخل فيه أفعال العباد. ولم يقل قط أحد من أئمة السلف : إن أصوات العباد بالقرآن قديمة. بل أنكروا على من قال :( لفظ العبد بالقرآن غير مخلوق ) وأما من قال : إن المداد قديم – فهذا من أجهل الناس وأبعدهم عن السنة. قال الله تعالى :( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا ) (٥). فأخبر أن المداد يكتب به كلماته. وكذلك من قال :( ليس القرآن في المصحف. وإنما في المصحف مدادا وورق وحكاية وعبارة ) فهو مبتدع ضال. بل القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ هو ما بين الدفتين. والكلام في المصحف على الوجه الذي يعرفه الناس، له خاصة يمتاز بها عن سائر الأشياء. وكذلك من زاد على السنة فقال : إن ألفاظ العباد وأصواتهم قديمة، فهو مبتدع ضال. كمن قال : إن الله لا يتكلم بحرف ولا صوت – فانه أيضا مبتدع منكر للسنة. وكذلك من زاد وقال : إن المداد قديم – فهو ضال. كمن قال : ليس في المصاحف كلام الله. وأما من زاد على ذلك من الجهال الذين يقولون : إن الورق والجلد والوتد وقطعة من الحائط، كلام الله فهو بمنزلة من يقول : ما تكلم الله بالقرآن ولا هو من كلامه. هذا الغلو من جانب الإثبات يقابل التكذيب من جانب النفي. وكلاهما خارج عن السنة والجماعة. وكذلك إفراد الكلام في النقطة والشكلة بدعة، نفيا وإثباتا. وإنما حدثت هذه البدعة من مائة سنة أو أكثر بقليل. فإن من قال : إن المداد الذي تنقط به الحروف وتشكل به، قديم – فهو ضال جاهل. ومن قال : إن إعراب حروف القرآن ليس من القرآن – فهو ضال مبتدع. بل الواجب أن يقال : هذا القرآن العربي هو كلام الله. وقد دخل في ذلك حروفه بإعرابها. كما دخلت معانيه. ويقال : وما بين اللوحين جميعه كلام الله. فإن كان المصحف منقوطا مشكولا أطلق على ما بين اللوحين جميعه انه كلام الله. وان كان غير منقوط ولا مشكول، كالمصاحف القديمة التي كتبها الصحابة، كان أيضا ما بين اللوحين هو كلام الله. فلا يجوز أن تلقى الفتنة بين المسلمين بأمر محدث ونزاع لفظي لا حقيقة له. ولا يجوز أن يحدث في الدين ما ليس منه.
وسئل رحمه الله تعالى عن رجلين تباحثا فقال أحدهما : القرآن حرف وصوت. وقال الأخر : ليس هو بحرف ولا صوت. وقال أحدهما : النقط التي في المصحف والشكل من القرآن. وقال الأخر : ليس ذلك من القرآن. فما الصواب في ذلك ؟
فأجاب رضي الله عنه : الحمد لله رب العالمين. هذه المسألة يتنازع فيها كثير من الناس. ويخلطون الحق بالباطل. فالذي قال : إن القرآن حرف وصوت، إن أراد بذلك إن هذا القرآن الذي يقرأ للمسلمين هو كلام الله، الذي نزل به الروح الأمين على محمد خاتم النبيين والمرسلين، وأن جبرئيل سمعه من الله، والنبي ﷺ سمعه من جبرئيل، والمسلمون سمعوه من النبي ﷺ، كما قال تعالى :( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ) (٦) – فقد أصاب في ذلك. فإن هذا مذهب سلف الأمة وأئمتها. والدلائل على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع. ومن قال : إن القرآن العربي لم يتكلم الله به وإنما هو كلام جبرئيل أو غيره، عبر به عن المعنى القائم بذات الله، كما يقول ذلك ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما –فهو قول باطل من وجوه كثيرة. فإن هؤلاء يقولون : انه معنى واحد قائم بالذات. وان معنى التوراة والانجيل والقرآن واحد. وانه لا يتعدد ولا يتبعض. وانه إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا، وبالعبرانية كان توراة. وبالسريانية كان انجيلا. فيجعلون معنى آية الكرسي، وآية الدين، و ( قل هو الله أحد )، و ( تبت يدا أبي لهب )، والتوراة والانجيل وغيرهما – معنى واحدا. وهذا قول فاسد بالعقل والشرع. وهو قول أحدثه ابن كلاب. لم يسبقه إليه غيره من السلف. وان أراد قائل بالحرف والصوت، أن الأصوات المسموعة من القراء، والمداد الذي في المصاحف قديم أزلي –أخطأ وابتدع. وقال ما يخالف العقل والشرع. فإن النبي ﷺ قال(٧) :" زينوا القرآن بأصواتكم ". فبين أن الصوت صوت القارئ. والكلام كلام الباري. كما قال تعالى :( وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) (٨). فالقرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله لا كلام غيره. كما ذكر الله ذلك. وفي ( السنن ) (٩) عن جابر بن عبد الله :" أن النبي ﷺ كان يعرض نفسه على الناس في الموقف فقال : ألا رجل يحملني إلى قومه ؟ فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ". " قالوا لأبي بكر الصديق لما قرأ عليهم ( ألم غلبت الروم ) : هذا كلامك أم كلام صاحبك ؟ فقال : ليس بكلامي ولا كلام صاحبي. ولكنه كلام الله تعالى ".
والناس إذا بلغوا كلام النبي ﷺ (١٠)كقوله :" إنما الأعمال بالنيات " –يعلمون أن الحديث الذي يسمعونه حديث النبي ﷺ. تكلم به بصوته وبحروفه ومعانيه. والمحدث بلغه عنه بصوت نفسه لا بصوت النبي ﷺ. فالقرآن أولى أن يكون كلام الله، إذا بلغته الرسل عنه، وقرأه الناس بأصواتهم. والله تكلم بالقرآن بحروفه ومعانيه بصوت نفسه. ونادى موسى بصوت نفسه. كما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف. وصوت العبد ليس هو صوت الرب. ولا مثل صوته. فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وقد نص أئمة الإسلام، أحمد ومن قبله من الأئمة على ما نطق به الكتاب والسنة : من أن الله ينادي بصوت. وان القرآن كلامه تكلم بحروف وصوت. ليس منه شيء كلاما لغيره. لا جبرئيل ولا غيره. وأن العباد يقولونه بأصوات أنفسهم وأفعالهم. فالصوت المسموع من العبد صوت القارئ. والكلام كلام الباري. وكثير من الخائضين في هذه المسألة لا يميز بين صوت العبد وصوت الرب. بل يجعل هذا هو هذا. فينفيهما جميعا. ويثبتها جميعا. فإذا نفى الحرف والصوت نفى أن يكون القرآن العربي كلام الله، وأن يكون مناديا لعباده بصوته، وأن يكون القرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله. كما نفى أن يكون صوت العبد صفة لله. ثم جعل كلام الله المتنوع شيئا واحدا. لا فرق بين القديم والحادث. وهذا مصيب في هذا الفرق دون ذاك الثاني، الذي فيه نوع من الإلحاد والتعطيل. حيث جعل كلام الله المتنوع شيئا واحدا لا حقيقة له عند التحقيق. وإذا أثبت، جعل صوت الرب هو صوت العبد، أو سكت عن التمييز بينهما، مع قوله : إن الحروف متعاقبة في الوجود، مقترنة في الذات، قديمة أزلية الأعيان، فجعل عين صفة الرب تحل في العبد، ويتحد بصفته، فقال في نوع من الحلول والاتحاد يفضي إلى نوع من التعطيل. وقد علم أن نفي الفرق والمباينة، بين الخالق وصفاته، والمخلوق وصفاته، خطأ وضلال. لم يذهب إليه احد من سلف الأمة وأئمتها. بل هم متفقون على التمييز بين صوت الرب وصوت العبد. ومتفقون ان الله تكلم بالقرآن الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ. حروفه ومعانيه. وأنه ينادي عباده بصوته. ومتفقون على أن الأصوات المسموعة من القراء أصوات العباد. وعلى انه ليس بشيء من أصوات العباد، ولا مداد المصاحف، قديما. بل القرآن مكتوب في مصاحف المسلمين. مقروء بألسنتهم. محفوظ بقلوبهم. وهو كلام الله.
١ |٩/ التوبة/ ٦| (... ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون٦)..
٢ |٨٥/ البروج/ ٢١ و٢٢|..
٣ |٩٨/ البينة/ ٢ و٣| (... رسول من الله)..
٤ |٥٦/ الواقعة/ ٧٧ و٧٨|..
٥ |١٨/ الكهف/ ١٠٩|..
٦ |٦/ الانعام/ ١١٤| ونصها: (أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل اليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين١١٤)..
٧ أخرجه البخاري في: ٩٧ –كتاب التوحيد، ٥٢ –باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الماهر بالقرآن مع سفرة الكرام البررة وزينوا القرآن بأصواتكم".
قال الحافظ في (الفتح): هذا الحديث من الأحاديث التي علقها البخاري ولم يصلها في موضع آخر من كتابه. وقد أخرجه في كتاب (خلق أفعال العباد) من رواية عبد الرحمان بن عوسجة عن البراء، بهذا.
وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي، وان خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من هاذ الوجه..
٨ |٩/ التوبة/ ٦| (... ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون٦)..
٩ أخرجه أبو داود في: ٣٩ –كتاب السنة، ٢٠ –باب في القرآن، حديث ٤٧٣٤..
١٠ أخرجه البخاري في: ١ –كتاب الوحي، ١ –باب كيف كان بدء الوحي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث ١.
عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "انما الأعمال بالنيات. وانما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته الى دنيا يصيبها أو الى امرأة ينكحها فهجرته الى ما هاجر اليه"..
٢ |٨٥/ البروج/ ٢١ و٢٢|..
٣ |٩٨/ البينة/ ٢ و٣| (... رسول من الله)..
٤ |٥٦/ الواقعة/ ٧٧ و٧٨|..
٥ |١٨/ الكهف/ ١٠٩|..
٦ |٦/ الانعام/ ١١٤| ونصها: (أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل اليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين١١٤)..
٧ أخرجه البخاري في: ٩٧ –كتاب التوحيد، ٥٢ –باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الماهر بالقرآن مع سفرة الكرام البررة وزينوا القرآن بأصواتكم".
قال الحافظ في (الفتح): هذا الحديث من الأحاديث التي علقها البخاري ولم يصلها في موضع آخر من كتابه. وقد أخرجه في كتاب (خلق أفعال العباد) من رواية عبد الرحمان بن عوسجة عن البراء، بهذا.
وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي، وان خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من هاذ الوجه..
٨ |٩/ التوبة/ ٦| (... ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون٦)..
٩ أخرجه أبو داود في: ٣٩ –كتاب السنة، ٢٠ –باب في القرآن، حديث ٤٧٣٤..
١٠ أخرجه البخاري في: ١ –كتاب الوحي، ١ –باب كيف كان بدء الوحي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث ١.
عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "انما الأعمال بالنيات. وانما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته الى دنيا يصيبها أو الى امرأة ينكحها فهجرته الى ما هاجر اليه"..