روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ الخ تفصيلاً للجزاء كأنه قيل : ومن يستنكف عن عبادته فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وبما يصيبه من عذاب الله تعالى، فالضمير راجع إلى المستنكفين المستكبرين لا غير وقد روعي لفظ من ومعناها. وتعقب العلامة التفتازاني ذلك بأنه غير مستقيم لأن دخول ( أما ) على الفريقين لا على قسمي الجزاء، وأورد هذا الفريق بعنوان الإيمان والعمل الصالح لا بوصف عدم الاستنكاف المناسب لما قبله وما بعده للتنبيه على أنه المستتبع لما يعقبه من الثمرات، ومعنى توفيتهم أجورهم إيتاؤهم إياها من غير أن ينقص منها شيئاً أصلاً، وقرىء ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ بكسر الشين وهي لغة، وقرىء فسنحشرهم بنون العظمة، وفيه التفات.
﴿وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ﴾ بتضعيف أجورهم أضعافاً مضاعفة وبإعطائهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في «الحلية ». والإسماعيلي في «معجمه » بسند ضعيف عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه " أن رسول الله ﷺ قال : يوفيهم أجورهم يدخلهم الجنة ويزيدهم من فضله الشفاعة فيمن وجبت لهم النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا " ﴿وَأَمَّا الذين استنكفوا﴾ عن عبادة الله تعالى ﴿واستكبروا﴾ عنها ﴿فَيُعَذّبُهُمْ﴾ بسبب ذلك ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾ لا يحيط به الوصف ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ الله وَلِيّاً﴾ يلي أمورهم ويدبر مصالحهم ﴿وَلاَ نَصِيراً﴾ ينصرهم من بأسه تعالى وينجيهم من عذابه سبحانه.
( وهذا ومن باب الإشارة ) :﴿فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ﴾ الإيمان الحقيقي بمحو الصفات وطمس الذات ﴿وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ وراعوا تفاصيل الصفات وتجلياتها ﴿فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ من جنات صفاته ﴿وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ﴾ بالوجود الموهب لهم بعد الفناء ﴿وَأَمَّا الذين استنكفوا﴾ وأظهروا الأنانية ﴿واستكبروا﴾ وطغوا فقال قائلهم : أنا ربكم الأعلى مع رؤيته نفسه ﴿فَيُعَذّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً﴾ [النساء: ١٧٣] باحتجابهم وحرمانهم

تفسير هذه الآية من كتب أخرى