غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
الوقوف :﴿خيراً لكم﴾ ط. ﴿والأرض﴾ ط ﴿حكيماً﴾ ه ﴿إلاّ الحق﴾ ط. ﴿وكلمته﴾ ج للاستئناف مع اتحاد المقصود. ﴿وروح منه﴾ ز لعطف المختلفين ولكن فاء التعقيب توجب تعجيل الإيمان مع تمام البيان. ﴿ورسله﴾ ط. ﴿ثلاثة﴾ ط ﴿خيراً لكم﴾ ط ﴿إله واحد﴾ ط. ﴿ولد﴾ ج لأن المنفي منه مطلق الولد ولو وصل أوهم أن المنفي ولد موصوف بأنه له ما في السماوات وما في الأرض. ﴿وكيلاً﴾ ه ﴿المقربون﴾ ط ﴿جميعاً﴾ ه. ﴿من فضله﴾ ج ﴿أليماً﴾ ه ﴿ولا نصيراً﴾ ه ﴿مبيناً﴾ ه ﴿وفضل﴾ لا للعطف. ﴿مستقيماً﴾ ه ﴿يستفتونك﴾ ط. ﴿الكلالة﴾ ط ﴿ما ترك﴾ ج لأن ما بعده مبتدأ ولكن الكلام متحد البيان. ﴿لها ولد﴾ ط لأن جملة الشرط تعود إلى قوله :﴿فلها نصف﴾ وبينهما عارض ﴿مما ترك﴾ ط لابتداء حكم جامع للصنفين. ﴿الأنثيين﴾ ط ﴿أن تضلوا﴾ ط ﴿عليم﴾ ه.
ثم إنه تعالى لم يذكر ما يفعل بهم بل ذكر أولاً ثواب المؤمنين المطيعين فسئل إن التفصيل غير مطابق للمفصل لأنه اشتمل على الفريقين والمفصل على فريق واحد فأجاب في الكشاف بأن هذا كقولك : جمع الإمام الخوارج فمن لم يخرج عليه كساه وحمله ومن خرج عليه نكل به. فحذف ذكر أحد الفريقين لدلالة التفصيل عليه، ولأن ذكر أحدهما يدل على ذكر الثاني كما حذف أحدهما في التفصيل في قوله :﴿فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به﴾ أو قدم ثواب المؤمنين توطئة كأنه قيل : ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيعذب بالحسرة إذا رأى أجور العاملين وسيعاقب مع ذلك بما يصيبهم من العذاب. أقول : لو جعل الضمير قي قول :﴿فسيحشرهم﴾ راجعاً إلى الناس جميعاً لم يحتج إلى هذه التكلفات ويحصل الربط بسبب العموم ومثله غير عزيز في القرآن كقوله :﴿إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً﴾ [الكهف: ٣٠]
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض﴾ يعني إن تؤمنوا يكن لكم ماله وإن تكفروا فالكل له ﴿لا تغلوا في دينكم﴾ لا تميلوا إلى طرفي التفريط والإفراط. فاليهود فرطوا في شأنه فلم يقبلوه نبياً وهموا بقتله، والنصارى أفرطوا في حبه فجعلوه ابن الله، وكذلك كل ولي له سبحانه يشقى قوم بترك احترامه وطلب أذيته، وقوم بالزيادة في إعظامه حتى يعتقد فيه ما ليس يرضى به كالخوارج والغلاة من الشيعة ولهذا قال رسول الله ﷺ :" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ". ﴿وروح منه﴾ لأنه تكوّن بأمركن من غير واسطة أب كما أن الروح تكون كذلك ﴿قل الروح من أمر ربي﴾[الإسراء: ٨٥] ولغلبة جانب الروحانية عليه كان يحيي الأجساد الميتة إذ ينفخ فيها وهذا الاستعداد الروحاني الذي هو من كلمة الله مركوز في جبلة الإنسان ؛ فمن تخلص جوهر روحانيته من معدن بشريته في إنسانيته يكون عيسى وقته فيحيي الله تعالى بأنفاسه القلوب الميتة ويفتح به آذاناً صماً وعيوناً عمياً فيكون في قومه كالنبي في أمته ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ يعني نفوسكم والرسول والله. بل انتهوا بنظر الوحدة عن رؤية الثلاثة فينكشف لكم ﴿إنما الله إله واحد﴾ سبحانه أنه يتولد من وحدانيته شيء له الوجود الحقيقي القائم الدائم أولاً وأخرا وظاهراً وباطناً ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾[القصص: ٨٨] ﴿وكفى بالله وكيلاً﴾ لكل هالك. ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً الله﴾ لأن العبدية وهي حقيقة الإمكان الذاتي واجبة له ولهذا نطق في المهد بقوله :﴿إني عبد الله﴾[ مريم٣٠ ] ﴿ولا الملائكة المقربون﴾ إنما ذكرهم لأن بعض الكفار كانوا يقولون الملائكة بنات الله كما قالت النصارى المسيح ابن الله. ﴿قد جاءكم برهان﴾ جعل نفس النبي برهاناً لأنه برهان بالكلية وبرهان غيره كان في أشياء غير أنفسهم مثل ما كان برهان موسى في عصاه. فمن ذلك برهان بصره ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾[النجم: ١٧] ومنه برهان أنفه " إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن " ومنه برهان لسانه ﴿وما ينطق عن الهوى﴾[النجم: ٣] وبرهان بصاقه بصق في العجين وفي البرمة فأكلوا من ذلك وهم ألف حتى تركوه والبرمة تفور كما هي والعجين يخبز. وبرهان تفله تفل في عين علي كرم الله وجهه وهي ترمد فبرأ بإذن الله وذلك يوم خيبر، وبرهان يده ﴿وما رميت إذ رميت﴾[الأنفال: ١٧] وسبح الحصى في يده، وبرهان أصبعه أشار بها إلى القمر فانشق فلقتين، وقد جرى الماء من بين أصابعه حتى شرب ورفع منه خلق كثير، وبرهان صدره كان يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل. ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾[الشرح: ١] وبرهان قلبه " تنام عيناي ولا ينام قلبي " ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك﴾[الشعراء: ١٩٣] وبرهان كله ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾[الإسراء: ١] اللهم ارزقنا الاقتناص من هذا البرهان والاقتباس من أنوار القرآن إنك أنت الرؤوف المنان.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى