البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿فأمّا الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً﴾ الظاهر أنّ الضمير في به عائد على لقربه وصحة المعنى، ولقوله : واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله.
ويحتمل أن يعود على القرآن الذي عبر عنه بقوله : وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً وفي الحديث :« القرآن حبل الله المتين من تمسك به عصم » والرحمة والفضل : الجنة.
وقال الزمخشري : في رحمة منه وفضل في ثواب مستحق وتفضل انتهى.
ولفظ مستحق من ألفاظ المعتزلة.
وقيل : الرحمة زيادة ترقية، ورفع درجات.
وقيل : الرحمة التوفيق، والفضل القبول.
والضمير في إليه عائد على الفضل، وهي هداية طريق الجنان كما قال تعالى :﴿سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم﴾ لأن هداية الإرشاد قد تقدّمت وتحصلت حين آمنوا بالله واعتصموا، وعلى هذا الصراط طريق الجنة.
وقال الزمخشري : ويهديهم إلى عبادته، فجعل الضمير عائداً على الله تعالى وذلك على حذف مضاف وهذا هو الظاهر، لأنه المحدث عنه، وفي رحمة منه وفضل ليس محدثاً عنهما.
قال أبو علي : هي راجعة إلى ما تقدم من اسم الله تعالى، والمعنى : ويهديهم إلى صراطه، فإذا جعلنا صراطاً مستقيماً نصباً على الحال كانت الحال من هذا المحذوف انتهى.
ويعني : دين الإسلام.
وقيل : الهاء عائدة على الرحمة والفضل لأنهما في معنى الثواب.
وقيل : هي عائدة على القرآن.
وقيل : معنى صراطاً مستقيماً عملاً صالحاً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وتضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبيان والبديع.
فمن ذلك الطباق في : حرمنا وأحلت، وفي : فآمنوا وإن تكفروا.
والتكرار في : وما قتلوه، وفي : وأوحينا، وفي : ورسلاً، وفي : يشهد ويشهدون، وفي : كفروا، وفي : مريم، وفي : اسم الله.
والالتفات في : فسوف نؤتيهم، وفي : فسنحشرهم وما بعد ما في قراءة من قرأ بالنون.
والتشبيه في : كما أوحينا.
والاستعارة في : الراسخون وهي في الاجرام استعيرت للثبوت في العلم والتمكن فيه، وفي : سبيل الله، وفي : يشهد، وفي : طريقاً، وفي : لا تغلوا والغلو حقيقة في ارتفاع السعر، وفي : وكيلاً استعير لإحاطة علم الله بهم، وفي : فيوفيهم أجورهم استعير للمجازاة.
والتجنيس المماثل في : يستفتونك ويفتيكم.
والتفصيل في : فأما الذين آمنوا وأما الذين استنكفوا.
والحذف في عدّة مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى