المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ثم نفى بقوله تعالى :﴿وليست التوبة﴾ الآية أن يدخل في حكم التائبين من حضره موته وصار في حيز اليأس، وحضور الموت هو غاية قربه، كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق، فلم ينفعه ما أظهر من الإيمان، وبهذا قال ابن عباس وابن زيد وجماعة المفسرين، وقاله الربيع : الآية الأولى قوله :﴿إنما التوبة على الله﴾ هي في المؤمنين، والآية الثانية قوله :﴿وليست التوبة﴾ الآية نزلت في المسلمين ثم نسخت بقوله تعالى :﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾(١) فحتم أن لا يغفر للكافر وأرجأ المؤمنين إلى مشيئته لم ييئسهم من المغفرة.
قال القاضي أبو محمد : وطعن بعض الناس في هذا القول بأن الآية خبر، والأخبار لا تنسخ. وهذا غير لازم، لأن الآية لفظها الخبر، ومعناه تقرير حكم شرعي، فهي نحو قوله تعالى :﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾(٢) ونحو قوله تعالى :﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾(٣) وإنما يضعف القول بالنسخ من حيث تنبني الآيتان ولا يحتاج إلى تقرير نسخ، لأن هذه الآية لم تنف أن يغفر للعاصي الذي لم يتب من قريب، فنحتاج أن نقول، إن قوله :﴿ويغفر ما دون ذلك﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] نسخها وإنما نفت هذه الآية أن يكون تائباً من لم يتب إلا مع حضور الموت، فالعقيدة عندي في هذه الآيات : أن من تاب من قريب فله حكم التائب فيغلب الظن عليه أنه ينعم ولا يعذب، هذا مذهب أبي المعالي وغيره، وقال غيرهم : بل هو مغفور له قطعاً، لإخبار الله تعالى بذلك، وأبو المعالي يجعل تلك الأخبار ظواهر مشروطة بالمشيئة، ومن لم يتب حتى حضره الموت فليس في حكم التائبين، فإن كان كافراً فهو يخلد، وإن كان مؤمناً فهو عاص في المشيئة، لكن يغلب الخوف عليه، ويقوى الظن في تعذيبه، ويقطع من جهة السمع أن من هذه الصنيفة من يغفر الله له تعالى تفضلاً منه ولا يعذبه وأعلم الله تعالى أيضاً أن ﴿الذين يموتون وهم كفار﴾ فلا مستعتب لهم ولا توبة في الآخرة، وقوله تعالى :﴿أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً﴾ إن كانت الإشارة إلى الذين يموتون وهم كفار فقط، فالعذاب عذاب خلود، وإن كانت الإشارة إليهم وإلى من ينفذ عليه الوعيد، ممن لا يتوب إلا مع حضور الموت من العصاة فهو في جهة هؤلاء، عذاب ولا خلود معه، و ﴿أعتدنا﴾ معناه : يسرناه وأحضرناه، وظاهر هذه الآية أن النار مخلوقة بعد.
١ - من الآية (٤٨) من سورة النساء..
٢ - من الآية (٢٨٤) من سورة البقرة..
٣ - من الآية (٦٥) من سورة الأنفال..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى