تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله - تعالى- :( يا أيها الناس ) قال علقمة : كل ما نزل في القرآن :( يا أيها الناس ) فإنما نزل بمكة، وكل ما ورد في القرآن :( يا أيها الذين آمنوا ) فإنما نزل بالمدينة. وقوله :( يا أيها ) " يا " للنداء، و " أي " للإشارة، و " ها " للتنبيه ( اتقوا ربكم ) وقرأ ابن مسعود :" اتقوا ( الله ) (١) ربكم ".
بدأ من السورة بالوعظ والتحذير، فقال :( اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة )، وأراد بالنفس الواحدة آدم - صلوات الله عليه - وإنما قال :( واحدة )على التأنيث ؛ لأجل اللفظ ؛ لأن النفس مؤنثة، وهذا مثل قول الشاعر :
أبوك خليفة ولدته أخرىوأنت خليفة ذاك الكمال
وإنما قال : ولدته للفظ الخليفة، وإن كان معناه الذكر ( وخلق منها زوجها ) يعني : حواء، وسميت حواء ؛ لأنها خلقت من حي، وفي القصص : أن الله تعالى خلق حواء من ضلع لآدم في جنبه الأيسر يسمى :" القصيراء " وفي الخبر المعروف «أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن أردت أن تقيمها كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها على اعوجاج »(٢) وقيل : إن حواء خلقت من التراب.
وقوله :( وخلق منها زوجها ) معناه : وخلق من جنسها زوجها، يعني : التراب، والأصح الأول. وفي الخبر : أن الله تعالى لما خلق آدم ألقى عليه النوم، ثم أخذ ضلعا من أضلاعه، وخلق منه حواء، فجلست بجنبه، فلما انتبه رآها جالسه بجنبه، وقيل : إنه لم يؤذه أخذ الضلع شيئا، ولو آذاه لما عطف رجل على امرأة أبدا.
وعن ابن عباس : أن الله تعالى خلق الرجل من التراب ؛ فهمه في التراب، وخلق المرأة من الرجل، فهمها في الرجل ؛ فاحبسوا نساءكم. ( وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ) ذكر هذا كله لبيان القدرة ؛ وإظهار المنة ( واتقوا الله الذي تساءلون به ) أي : تسألون به، وذلك مثل قول الرجل : أسألك بالله، ونشدتك بالله، وقيل : معناه : واتقوا الله الذي تعاهدون به، وذلك أن تقول : عليك عهد الله، وعلي عهد الله، ونحو ذلك.
وأما قوله :( والأرحام ) قرأ حمزة :" الأرحام " بكسر الميم(٣) وتقديره : تساءلون به وبالأرحام، قال إبراهيم النخعي : تقول العرب : نشدتك بالله وبالرحم. وضعفوا هذه القراءة، والقراءة المعروفة : بنصب الميم، وتقديره : واتقوا الأرحام أن تقطعوها.
وفي الخبر : يقول الله تعالى :«أنا الرحمن، وخلقت الرحم، واشتققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته »(٤).
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال :«إن الله تعالى يعمر الكفار، ويكثر أموالهم، ولم ينظر إليهم منذ خلقهم ؛ بغضا لهم، فقيل : مم ذاك يا رسول الله ؟ قال : بصلة الأرحام »(٥).
( إن الله كان عليكم رقيبا ) أي : حفيظا.
١ - لفظ الجلالة ليس في "ك"..
٢ - متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري (٩/١٦٠-١٦١ رقم ٥١٨٤، وأطرافه في ٣٣٣١، ٥١٨٦)، ومسلم (١٠/٨٣-٨٤ رقم ١٤٦٨) بنحوه..
٣ - انظر النشر (٢/٢٤٧)..
٤ - رواه البخاري في الأدب المفرد (ص ٢٥ رقم ٥٣)، وأبو داود (٢/٣٣ رقم ١٦٩٤، ١٦٩٥)، والترمذي (٤/٢٧٨ رقم ١٩٠٧) وقال: صحيح، والإمام أحمد (١/١٩٤)، وابن حبان في صحيحه (٢/١٨٦-١٨٧ رقم ٤٤٣)، والحاكم في المستدرك (٤/١٥٧) جميعهم من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعا..
٥ - رواه الطبراني في الكبير (١٢/٨٥-٨٦ رقم ١٢٥٥٦)، والحاكم في المستدرك (٤/١٦١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا بنحوه.
وقال الحاكم: عمران الرملي من زهاد المسلمين وعبادهم [فإن] كان حفظ هذا الحديث، فإنه غريب صحيح. وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٥٥): إسناده حسن..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى