جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
قال أبو جعفر : يعني بقوله تعالى ذكره :﴿يا أيّها النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ : احذروا أيها الناس ربكم في أن تخالفوه فيما أمركم، وفيما نهاكم، فيحلّ بكم من عقوبته ما لا قِبَل لكم به. ثم وصف تعالى ذكره نفسه بأنه المتوحد بخلق جميع الأنام من شخص واحد، وعرّف عباده كيف كان مبتدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة، ومنبههم بذلك على أن جميعهم بنو رجل واحد وأمّ واحدة، وأن بعضهم من بعض، وأن حقّ بعضهم على بعض واجب وجوب حقّ الأخ على أخيه، لاجتماعهم في النسب إلى أب واحد وأم واحدة. وأن الذي يلزمهم من رعاية بعضهم حقّ بعض، وإن بعد التلاقي في النسب إلى الأب الجامع بينهم، مثل الذي يلزمهم من ذلك في النسب الأدنى. وعاطفا بذلك بعضهم على بعض، ليتناصفوا، ولا يتظالموا، وليبذل القويّ من نفسه للضعيف حقه بالمعروف، على ما ألزمه الله له، فقال :﴿الّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني من آدم. كما :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن مفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ : أما ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ : فمن آدم ﷺ.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿يا أيّها النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني : آدم ﷺ.
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد :﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قال : آدم.
ونظير قوله :﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ والمعنيّ به رجل، قول الشاعر :
| أبوكَ خليفَةٌ وَلَدتْهُ أُخْرَى | وأنتَ خليفةٌ ذاكَ الكَمالُ |
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيرا وَنِساءً﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ وخلق من النفس الواحدة زوجها¹ يعني ب «الزوج » الثاني لها وهو فيما قال أهل التأويل : امرأتها، حوّاء. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ قال : حوّاء من قُصَيْرَى آدم وهو نائم، فاستيقظ فقال :«أثا » بالنبطية امرأة.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ يعني حوّاء خلقت من آدم، من ضلع من أضلاعه.
حدثني موسى بن هارون، قال : أخبرنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : أسكن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وَحِشا ليس له زوج يسكن إليها¹ فنام نومة، فاستيقظ فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها ما أنتِ ؟ قالت امرأة، قال : ولم خلقتِ ؟ قالت : لتسكن إلي.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال : ألقي على آدم ﷺ السّنة فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم، عن عبد الله بن العباس وغيره، ثم أخذ ضِلعا من أضلاعه من شقه الأيسر، ولأم مكانه، وآدم نائم لم يهبّ من نومته، حتى خلق الله تبارك وتعالى من ضلعه تلك زوجته حوّاء، فسوّاها امرأة ليسكن إليها، فلما كُشفت عنه السّنة وهبّ من نومته رآها إلى جنبه، فقال فيما يزعمون والله أعلم : لحمي ودمي وزوجتي ! فسكن إليها.
حدثني محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السدّي :﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ جعل من آدم حوّاء.
وأما قوله :﴿وَبَثّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيرا وَنِساء﴾ فإنه يعني ونشر منهما يعني من آدم وحواء ﴿رِجَالاً كَثِيرا وَنِسَاءً﴾ قد رآهم، كما قال جلّ ثناؤه :﴿كالفَرَاشِ المَبْثُوثِ﴾. يقال منه : بثّ الله الخلق وأبثهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَبَثّ مِنْهَما رِجالاً كَثِيرا وَنِساءً﴾ وبثّ : خَلَق.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحام﴾.
اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأه عامة قراء أهل المدينة والبصرة :«تَسّاءَلُونَ » بالتشديد، بمعنى : تتساءلون، ثم أدغم إحدى التاءين في السين، فجعلهما سينا مشددة. وقرأه بعض قراء الكوفة :﴿تَسَاءَلُونَ﴾ بالتخفيف على مثال «تَفَاعَلُونَ »، وهما قراءتان معروفتان، ولغتان فصيحتان، أعني التخفيف والتشديد في قوله :﴿تَساءَلُونَ بِهِ﴾، وبأيّ ذلك قرأ القارئ أصاب الصواب فيه، لأن معنى ذلك بأيّ وجهيه قرىء غير مختلف.
وأما تأويله :﴿وَاتّقُوا اللّهَ﴾ أيها الناس، الذي إذا سأل بعضكم بعضا سأل به، فقال السائل للمسؤول : أسألك بالله، وأنشدك بالله، وأعزم عليك بالله، وما أشبه ذلك. يقول تعالى ذكره : فكما تعظّمون أيها الناس ربكم بألسنتكم، حتى تروا أن من أعطاكم عهده فأخفركموه، فقد أتى عظيما، فكذلك فعظموه بطاعتكم إياه فيما أمركم، واجتنابكم ما نهاكم عنه، واحذروا عقابه من مخالفتكم إياه فيما أمركم به أو نهاكم عنه. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ﴾ قال : يقول : اتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع :﴿وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ﴾ يقول : اتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، مثله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : أخبرنا حجاج، عن ابن جريج، قال : قال ابن عباس :﴿تَساءَلُونَ بِهِ﴾ قال : تعاطفون به.
وأما قوله :﴿والأرْحامَ﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم : معناه : واتقوا الله الذي إذا سألتم بينكم، قال السائل للمسؤول : أسألك به وبالرحم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن إبراهيم :﴿وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ يقول : اتقوا الله الذي تعاطفون به والأرحام. يقول : الرجل يسأل بالله وبالرحم.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال : هو كقول الرجل : أسألك بالله، أسألك بالرحم. يعني قوله :﴿وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم :﴿وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ الأرْحامَ﴾ قال : يقول : أسألك بالله وبالرحم.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، هو كقول الرجل : أسألك بالرحم.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ قال : يقول : أسألك بالله وبالرحم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحماني، قال : حدثنا شريك، عن منصور أو مغيرة، عن إبراهيم في قوله :﴿وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وَالأرْحامَ﴾ قال : هو قول الرجل : أسألك بالله والرحم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن الحسن، قال : هو قول الرجل : أنشدك بالله والرحم.
قال محمد : وعلى هذا التأويل قول بعض من قرأ قوله :«والأرْحامِ » بالخفض عطفا بالأرحام على الهاء التي في قوله «به »، كأنه أراد : واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام، فعطف بظاهر على مكنيّ مخفوض. وذلك غير فصيح من الكلام عند العرب لأنها لا تنسق بظاهر على مكني في الخفض إلا في ضرورة شعر، وذلك لضيق الشعر¹ وأما الكلام فلا شيء يضطرّ المتكلم إلى اختيار المكروه من المنطق والرديء في الإعراب منه. ومما جاء في الشعر من ردّ ظاهر على مكنيّ في حال الخفض قول الشاعر :
| نُعَلّقُ فِي مِثْلِ السّوَارِي سُيُوفَنا | وَما بينها وَالكَعْبِ غُوطٌ نَفانِفُ |
وقال آخرون : تأويل ذلك :﴿وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ﴾ واتقوا الأرحام أن تقطعوها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ في قوله :﴿وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وَالأرْحامَ﴾ يقول : اتقوا الله، واتقوا الأرحام لا تقطعوها.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد عن قتادة :﴿وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ إنّ اللّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا﴾ ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول :«اتّقُوا اللّهَ وَصِلُوا الأرْحامَ، فإنّهُ أبْقَى لَكُمْ فِي الدّنيْا، وَخَيْرٌ لَكُمْ فِي الآخرة ».
حدثني عليّ بن داود، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قول الله :﴿وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ يقول : اتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الله في الأرحام فصلوها.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن في قوله :﴿وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ قال : اتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوه في الأرحام.
حدثنا سفيان، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة في قول الله :﴿الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ قال : اتقوا الأرحام أن تقطعوها.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله :﴿وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ قال : هو قول الرجل : أنشدك بالله والرحم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة : أن النبيّ ﷺ قال :«اتّقُوا اللّهَ وَصِلُوا الأرْحامَ ».
حدثني المث
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
رَبِّ يسِّرْ* * *
القول في تأويل قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره:"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة"، احذروا، أيها الناس، ربكم في أن تخالفوه فيما أمركم وفيما نهاكم، فيحلّ بكم من عقوبته ما لا قِبَل لكم به.
ثم وصف تعالى ذكره نفسه بأنه المتوحِّد بخلق جميع الأنام من شخص واحد، مُعَرِّفًا عباده كيف كان مُبتدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة، (١) ومنبِّهَهم بذلك على أن جميعهم بنو رجل واحد وأم واحدة= وأن بعضهم من بعض، وأن حق بعضهم على بعض واجبٌ وجوبَ حق الأخ على أخيه، لاجتماعهم في النسب إلى أب واحد وأم واحدة= وأن الذي يلزمهم من رعاية بعضهم حق بعض، وإن بَعُدَ التلاقي في النسب إلى الأب الجامع بينهم، مثل الذي يلزمهم من ذلك في النسب
٨٤٠٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أمّا"خلقكم من نفس واحدة"، فمن آدم عليه السلام. (٢)
٨٤٠١ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة"، يعني آدم صلى الله عليه. (٣)
٨٤٠٢ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد:"خلقكم من نفس واحدة"، قال: آدم.
* * *
ونظير قوله:"من نفس واحدة"، والمعنيُّ به رجل، قول الشاعر.
| أَبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلدَتْهُ أُخْرَى | وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ، ذَاكَ الكَمَالُ (٤) |
* * *
(٢) في المطبوعة: "صلى الله عليه وسلم"، وأثبت ما فيه المخطوطة.
(٣) في المطبوعة: "صلى الله عليه وسلم"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٤) سلف البيت وتخريجه في ٦: ٣٦٢.
(٥) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن ١: ٢٥٢.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"وخلق منها زوجها"، وخلق من النفس الواحدة زوجها= يعني بـ"الزوج"، الثاني لها. (١) وهو فيما قال أهل التأويل، امرأتها حواء.
* ذكر من قال ذلك:
٨٤٠٣ - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"وخلق منها زوجها"، قال: حواء، من قُصَيري آدم وهو نائم، (٢) فاستيقظ فقال:"أثا"= بالنبطية، امرأة.
٨٤٠٤ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٨٤٠٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"وخلق منها زوجها"، يعني حواء، خلقت من آدم، من ضِلَع من أضلاعه.
٨٤٠٦ - حدثني موسى بن هارون قال، أخبرنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أسكن آدمَ الجنة، فكان يمشي فيها وَحْشًا ليس له زوج يسكن إليها. (٣) فنام نومةً، فاستيقظ، فإذا عند رأسه امرأة قاعدة، خلقها
(٢) القصرى (بضم القاف وسكون الصاد وفتح الراء) والقصيري (بضم القاف وفتح الصاد، على التصغير) : أسفل الأضلاع، أو هي الضلع التي تلي الشاكلة، بين الجنب والبطن.
(٣) قوله: "وحشا"، أي وحده ليس معه غيره.
٨٤٠٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: ألقي على آدم ﷺ السَّنة -فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم، عن عبد الله بن العباس وغيره- ثم أخذ ضِلَعًا من أضلاعه، من شِقٍّه الأيسر، ولأم مكانه، (٢) وآدم نائمٌ لم يهبَّ من نومته، حتى خلق الله تبارك وتعالى من ضِلَعه تلك زوجته حواء، فسوَّاها امرأة ليسكن إليها، فلما كُشِفت عنه السِّنة وهبَّ من نومته، رآها إلى جنبه، فقال -فيما يزعمون، والله أعلم-: لحمي ودمي وزوجتي! فسكن إليها. (٣)
٨٤٠٨ - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وخلق منها زوجها". جعل من آدم حواء.
* * *
وأما قوله:"وبثَّ منهما رجالا كثيرًا ونساء"، فإنه يعني: ونشر منهما، يعني من آدم وحواء="رجالا كثيرًا ونساء"، قد رآهم، كما قال جل ثناؤه: (كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ) [سورة القارعة: ٤]. (٤)
* * *
يقال منه:"بثَّ الله الخلق، وأبثهم". (٥)
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
(٢) لأم الشيء لأمًا، ولاءمه، فالتأم: أصلحه حتى اجتمع وذهب ما كان فيه من الصدع. وفي روايته في الأثر رقم: ٧١١: "ولأم مكانه لحما".
(٣) الأثر: ٨٤٠٧- مضى هذا الأثر برقم: ٧١١، وتخريجه هناك.
(٤) انظر معاني القرآن للفراء ١: ٢٥٢.
(٥) انظر تفسير"بث" فيما سلف ٣: ٢٧٥.
٨٤٠٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وبث منهما رجالا كثيرًا ونساء"، وبثَّ، خلق.
* * *
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ﴾
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.
فقرأه عامة قرأة أهل المدينة والبصرة:"تَسَّاءَلونَ" بالتشديد، بمعنى: تتساءلون، ثم أدغم إحدى"التاءين" في"السين"، فجعلهما"سينًا" مشددة.
* * *
وقرأه بعض قرأة الكوفة:"تَسَاءَلُونَ"، بالتخفيف، على مثال"تفاعلون"،
* * *
وهما قراءتان معروفتان، ولغتان فصيحتان= أعني التخفيف والتشديد في قوله:"تساءلون به"= وبأيِّ ذلك قرأ القارئ أصابَ الصواب فيه. لأن معنى ذلك، بأيّ وجهيه قرئ، غير مختلف.
* * *
وأما تأويله: واتقوا الله، أيها الناس، الذي إذا سأل بعضكم بعضًا سأل به، فقال السائل للمسئول:"أسألك بالله، وأنشدك بالله، وأعزِم عليك بالله"، وما أشبه ذلك. يقول تعالى ذكره: فكما تعظّمون، أيها الناس، رّبكم بألسنتكم حتى تروا أنّ من أعطاكم عهده فأخفركموه، (١) فقد أتى عظيمًا. فكذلك فعظّموه بطاعتكم إياه فيما أمركم،
٨٤١٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"واتقوا الله الذي تساءلون به"، قال يقول: اتقوا الله الذي تعاقدون وتعاهدون به.
٨٤١١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"واتقوا الله الذي تساءلون به"، يقول: اتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون.
٨٤١٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس مثله.
٨٤١٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، أخبرنا حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس:"تساءلون به"، قال: تعاطفون به.
* * *
وأما قوله:"والأرحام"، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله. فقال بعضهم: معناه: واتقوا الله الذي إذا سألتم بينكم قال السائل للمسئول:"أسألك به وبالرّحِم"
ذكر من قال ذلك:
٨٤١٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن إبراهيم:"اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام"، يقول: اتقوا الله الذي تعاطفون به والأرحام. يقول: الرجل يسأل بالله وبالرَّحم.
٨٤١٥ - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: هو كقول الرجل:"أسألك بالله، أسألك بالرحم"، يعني قوله:"واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام".
٨٤١٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: هو كقول الرجل:"أسألك بالرحم".
٨٤١٨ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:" اتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام"، قال يقول:"أسألك بالله وبالرحم".
٨٤١٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك، عن منصور -أو مغيرة- عن إبراهيم في قوله:"واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام"، قال: هو قول الرجل:"أسألك بالله والرحم".
٨٤٢٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن الحسن قال: هو قول الرجل:"أنشدك بالله والرحم".
* * *
قال محمد: (١) وعلى هذا التأويل قول بعض من قرأ قوله:"وَالأرْحَامِ" بالخفض عطفًا بـ"الأرحام"، على"الهاء" التي في قوله:"به"، كأنه أراد: واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام= فعطف بظاهر على مكنيّ مخفوض. وذلك غير فصيح من الكلام عند العرب، لأنها لا تَنسُق بظاهر على مكني في الخفض، (٢)
(٢) قوله: "تنسق"، أي تعطف. و"النسق" العطف، انظر فهارس المصطلحات في هذه الأجزاء من التفسير، و"المكني" الضمير، انظر فهارس المصطلحات.
| نُعَلِّقُ فِي مِثْلِ السَّوَارِي سُيُوفَنَا | وَمَا بَيْنَهَا والكَعْبِ غُوطٌ نَفَانِفُ (٣) |
* * *
وقال آخرون: تأويل ذلك:"واتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها.
(٢) هو مسكين الدارمي.
(٣) معاني القرآن للفراء ١: ٢٥٣، الحيوان ٦: ٤٩٣، ٤٩٤، الإنصاف: ١٩٣، الخزانة، ٢: ٣٣٨، العيني (بهامش الخزانة) ٤: ١٦٤، وهو من أبيات ذكرها الجاحظ، وأتمها العيني، يمجد نفسه وقومه، قال:
| لَقَدْ عَلِمَتْ قَيْسٌ وَخِنْدِفُ أنَّني | بِثَغْرِهِمُ مِنْ عَارِمِ النَّاسِ وَاقِفُ |
| وَقَدْ عَلِمُوا أَنْ لَنْ يُبقَّى عَدُوُّهُمْ | إِذَا قَذَفَتْه في يَدَيّ القَوَاذِفُ |
| وأنَّ أبَانَا بِكرُ آدَمَ، فَاعْلَمُوا، | وَحَوَّاءَ، قَرْمٌ ذُو عَثَانينَ شَارِفُ |
| كَأَنَّ عَلَى خُرْطُومِهِ مُتَهافِتًا | مِنَ القُطْنِ هَاجَتْهُ الأكُفُ النَّوَادِفُ |
| وَللَصَّدَأُ المُسْوَدُّ أَطْيبُ عِنْدَنَا | مِنَ المِسْكِ، دَافَتْهُ الأَكُفُّ الدَّوَائِفُ |
| تُعَلَّقُ في مِثْلِ السَّوَارِي سُيُوفُنَا | وما بَيْنَها والكَعْبِ غُوطٌ نفانِفُ |
| وَتَضْحَكُ عِرْفَانَ الدرُوع جُلُودُنَا | إِذَا جَاء يَوْمٌ مُظْلِمُ اللَّوْن كاسِفُ |
٨٤٢١ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله:"واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام"، يقول: اتقوا الله، واتقوا الأرحام لا تقطعوها.
٨٤٢٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد عن قتادة:"واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إنّ الله كان عليكم رقيبًا"، ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: اتقوا الله، وصلُوا الأرحام، فإنه أبقى لكم في الدنيا، وخير لكم في الآخرة.
٨٤٢٣ - حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قول الله:"واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام"، يقول: اتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الله في الأرحام فصِلُوها.
٨٤٢٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن في قوله:"واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام"، قال: اتقوا الذي تساءلون به، واتقوه في الأرحام.
٨٤٢٥ - حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن خصيف، عن عكرمة في قول الله:"الذي تساءلون به والأرحام"، قال: اتقوا الأرحام أن تقطعوها.
٨٤٢٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله:"واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام"، قال: هو قول الرجل:"أنشدك بالله والرَّحم".
٨٤٢٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة أنّ النبي ﷺ قال: اتقوا الله، وصلوا الأرحام.
٨٤٢٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثني أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"الذي تساءلون به والأرحام"، قال يقول: اتقوا الله في الأرحام فصلوها.
٨٤٣٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام"، قال يقول: واتقوا الله في الأرحام فصلوها.
٨٤٣١ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي حماد، وأخبرنا أبو جعفر الخزاز، عن جويبر، عن الضحاك: أن ابن عباس كان يقرأ:"والأرحام"، يقول: اتقوا الله لا تقطعوها.
٨٤٣٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: اتقوا الأرحام.
٨٤٣٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال،"واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام"، أن تقطعوها.
٨٤٣٤ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"واتقوا الله الذي تساءلون به"، واتقوا الأرحام أن تقطعوها= وقرأ: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) [سورة الرعد: ٢١].
* * *
قال أبو جعفر: وعلى هذا التأويل قرأ ذلك من قرأه نصبًا بمعنى: واتقوا الله الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها= عطفًا بـ"الأرحام"، في إعرابها بالنصب
قال: والقراءة التي لا نستجيز لقارئٍ أن يقرأ غيرها في ذلك، (١) النصب: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ)، بمعنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، لما قد بينا أن العرب لا تعطف بظاهرٍ من الأسماء على مكنيّ في حال الخفض، إلا في ضرورة شعر، على ما قد وصفت قبل. (٢)
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: إنّ الله لم يزل عليكم رقيبًا.
* * *
ويعني بقوله:"عليكم"، على الناس الذين قال لهم جل ثناؤه:"يا أيها الناس اتقوا ربكم"، والمخاطب والغائب إذا اجتمعا في الخبر، فإن العرب تخرج الكلام على الخطاب، فتقول: إذا خاطبتْ رجلا واحدًا أو جماعة فعلتْ هي وآخرون غُيَّبٌ معهم فعلا"فعلتم كذا، وصنعتم كذا".
ويعني بقوله:"رقيبًا"، حفيظًا، مُحصيًا عليكم أعمالكم، متفقدًا رعايتكم حرمةَ أرحامكم وصلتكم إياها، وقطعك موها وتضييعكم حرمتها، كما:-
٨٤٣٥ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"إن الله كان عليكم رقيبًا"، حفيظًا.
٨٤٣٥م - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد في قوله:"إن الله كان عليكم رقيبًا"، على أعمالكم، يعلمها ويعرفها.
ومنه قول أبي دُؤاد الإيادِيّ:
(٢) انظر ما سلف قريبا ص: ٥١٩، ٥٢٠.