اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قال بعض المفسرين :" ابتدأ الله سبحانه وتعالى هذه السورة بالعطف على النساء والأيتام، ذكر فيها أحكاماً كثيرة، وبذلك ختمها، ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس والطِّبَاع، افتتحها بالأمر بالتقوى المشتملة على كل خير ".

فصل


روى الواحدي(١) عن ابن عباس في قوله :﴿يأَيُّهَا النَّاسُ﴾ أن هذا الخطاب لأهل مكة(٢).
وأما الأصوليون من المفسرين فاتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلّفين، وهذا هو الأصحُّ ؛ لأن لفظ الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق، ولأنه علّل الأمر بالاتِّقَاءِ(٣) لكونه تعالى خالق لهم من نفس واحدة، وهذه العلة موجودة في جميع المكلفين.
وأيضاً فالتكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة، بل هو عام، وَإذَا كان لفظ الناس عاماً، والأمر بالتقوى عاماً، وعلة هذا التكليف عامةً، فلا وجه للتخصيص، وحجة ابن عباس أن قوله :﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] مختص(٤) بالعرب ؛ لأن المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم، فيقولون :" أسألك بالله وبالرحم، أنشدك الله والرحم "، وإذا كان كذلك، كان قوله :﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] مختصاً بالعرب، فيكون قوله :﴿يأَيُّهَا النَّاسُ﴾ مختصاً بهم، لأن الخطابين متوجهان إلى مخاطب واحد.
ويمكن الجواب عنه بأن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم الآية(٥).

فصل


اعلم أنه تعالى جعل الافتتاح لسورتين في القرآن :
أحدهما : هذه وهي السورة الرابعة من النصف الأول من القرآن، وعلل الأمر بالتقوى فيهما بما يدل على معرفة المبدأ بأنه خلق الخلق من نفس واحدة، وهذا يدل على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وحكمته.
والثانية : سورة الحج وهي الرابعة أيضاً من النصف الثاني من القرآن وعلَّلَ الأمر بالتقوى فيها بما يدل على معرفة المعاد.
فَجَعَلَ صدر هاتين السورتين دليلاً على معرفة المبدأ والمعاد، وقدّم السورة الدالة على المبدأ على السورة الدالة على المعاد، وهذا سر عظيم(٦).
﴿مِّن نَّفْسٍ﴾ متعلق ب " خلقكم " فهو في محل نصب، و " من " لابتداء الغاية، وكذلك " منها زوجها وبتَّ منهما " والجمهور على واحدة بتاء التأنيث(٧)، وأجمع المسلمون على أنَّ المراد بالنفس الواحدة [ هاهنا ](٨) آدم عليه السلام، إلا أنه أنث الوصف على لفظ النفس لقوله تعالى :﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: ٧٤].
وابن أبي عبلة(٩) واحدٍ من غير [ تاء ](١٠) تأنيث وله وجهان :
أحدهما : مراعاة المعنى(١١) ؛ لأنه المراد بالنفس آدم عليه السلام.
والثاني : أن النفس تذكر وتؤنث. وعليه قوله :[ الوافر ]
ثَلاَثَةُ أنْفُسٍ وَثَلاَثُ ذَوْدٍلَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي(١٢)
قوله :﴿وَخَلَقَ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه عطفٌ على معنى " واحدة " لما فيه من معنى الفعل، كأنه قيل :" من نفس وحدت " أي : انفردت، يُقال :" رجل وَحُد يَحِدُ وَحْداً وَحِدَة " انفرد.
الثاني : أنه عَطْفٌ على محذوف.
قال الزَّمَخْشرِيُّ(١٣) :" كأنه قيل : من نفسٍ واحدةٍ أنشأها أو ابتدأها وخلق منها، وإنما حذف لدلالة المعنى عليه، والمعنى شَعَّبكم من نفس واحدةٍ هذه صفتها " بصفة هي بيان وتفصيل لكيفية خلقكم منها، وَإنَّما حمل الزمخشري رحمه الله تعالى والقائل الذي قبله على ذلك مراعاةُ الترتيب الوجودي ؛ لأن خلق حواء - وهي المعبر عنها بالزوج - قبل خلقنا ولا حاجة إلى ذلك، لأن الواو لا تقتضي ترتيباً على الصحيح.
الثالث : أنه عطف على " خَلْقَكُمْ "، فهو داخل في حيز الصلة والواو ولا يُبَالَى بها، إذ لا تقتضي ترتيباً ؛ إلا أن الزَّمَخشريَّ رحمه الله تعالى خَصَّ هذا الوجه بكون الخطاب [ للمؤمنين ](١٤) في ﴿يأَيُّهَا النَّاسُ﴾ لمعاصري الرسول عليه السلام فإنه قال : والثاني أنه يُعْطَفُ على " خلقكم " ويكون الخطاب للذين بُعِثَ إليهم الرسول، والمعنى : خلقكم من نفس آدم ؛ لأنه من جملة الجنس المفرّع [ منه ](١٥) وخلق منها أُمَّكم حواء.
فظاهر هذا خصوصيَّةُ الوجه الثاني أن يكون الخطاب للمعاصرين، وفيه نظر، وَقَدَّرَ بعضهم مضافاً في " منها " أي :" مِنْ جِنْسِها زوجَها "، وهو قول أبي مسلم(١٦)، قال : وهو كقوله :﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ [النحل: ٧٢] وقال ﴿إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وقوله :﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
قال : وحواء لم تخلق من آدم، وإنما خلقت من طينة فَضَلَتْ من طينة آدم(١٧).
قال الْقَاضِي(١٨) : والأول أقوى لقوله :﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
قال ابن الخَطِيبُ :" يمكن أن يجاب بأن كلمة " مِن " لابتداء الغاية، فَلمَّا كان ابتداء الغاية وهو ابتداء التخليق والإيجاد وقع بآدم صحّ أن يُقَالَ :﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وأيضاً فالقادر على خلق آدم من التراب، [ كان قادراً أيضاً على خلق حواء من التراب ](١٩)، وَإذا كان كذلك فأيّ فائدة في خلقها من ضلع من أضلاعه ".
وقرئ " وخالِقُ وباثٌّ " (٢٠) بلفظ اسم الفاعل، وخَرَّجَهُ الزمخشريُّ على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي : وهو خالِقٌ وباثٌّ.
وَيُقَالُ : بَثَّ وأبَثَّ ومعناه " فَرَّقَ " ثلاثياً ورباعياً(٢١).
قال ابن المظفر(٢٢) :" البثُّ تَفْرِيقَكَ الأشياء ".
يقال : بَثَّ الخيلَ في الغارة، وبَثَّ الصيَّادُ كِلاَبَهُ، وخلق الله الخلق : بَثَّهُمْ في الأرض، وبثثت البسطة إذا نشرتها. قال تعالى :﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦].
فإن قيل : ما المناسبةُ بين الأمر بالتقوى وما ذكر معه من الوصف ؟ فالجواب : لما ذكر أنَّهُ خَلَقَنَا من نفس واحدة، وذلك علة لوجوب الانقياد علينا لتكاليفه ؛ لأنا عبيده وهو مولانا، ويجب على العبد الانقياد لمولاه ؛ ولأنه أنعم ومَنَّ بوجوه الإنعام والامتنان، فأوجد وَأَحْيَا وعَلَّمَ وهَدَى، فعلى العبد أن يُقَابِلَ تلك النِّعم بأنواع الخضوع والانقياد ؛ ولأنه بكونه موجداً وخالقاً وَرَبًّا يجبُ علينا عبادته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ويلزم من ذلك ألا نوجب لتلك الأفعال ثواباً ؛ لأن أداء الحق لمستحقه لا يوجب، وثواب هذا إن سَلَّمْنَا أن العبد أتى بتلك الطاعات من عند نفسه، فكيف وهذا محال ؛ لأن الطاعات لا تحصل إلاَّ بخلق الله - تعالى - القدرة عليها، والداعية إليها [ ومتى حصلت القدرة والداعي كان ] مجموعهما موجباً لصدور الطاعة، فتكون تلك الطاعة إنعاماً آخر.
وأيضاً أنَّهُ خلقنا مِنْ نفسٍ واحدةٍ، ذلك أيضاً يوجبُ عَلَيْنَا طَاعَتَهُ لأنَّ ذلك يَدُلُّ على كمال القدرة ؛ لأن ذلك لو كان بالطبيعة لما تولد عن الإنسان إلاَّ إنسان يشاكله(٢٣) ويشابهه في الْخِلْقَةِ والطبيعةِ، ولَمَّا اختلف الناس في الصفات والألوان، دَلَّ على أن الخالق قَادِرٌ مختارٌ عَالِمٌ، يجب الانقياد لتكاليفه ؛ ولأن اللَّه تَعالى عَقَّبَ الأمر بالتقوى بالأمر بالإحسانِ إلى الْيَتَامَى والنساءِ والضُّعَفَاء وكونهم من نفْس واحدة باعث على ذلك بكونه [ وذلك لأن الأقارب لا بد أن ](٢٤) يكون بينهم مواصلة وقرابة، وذلك يزيد في المحبة، ولذلك يفرح الإنسان بمدح(٢٥) أقاربه ويحزن بذمهم فقدَّمَ ذكرهم(٢٦)، فقال :﴿مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ليؤكد شفقة بعضنا على بعض.
فإن قيل : لِمَ لَمْ يقل : وبَثَّ منها الرِّجال والنِّسَاءَ.
فالجواب : لأن ذلك يقتضي كونهما مبثوثين من نفسيهما، وذلك محال، فلهذا عدل إلى قوله :﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً﴾.
وقوله :" كثيراً " فيه وجهان(٢٧) :
أظهرهما : أنه نَعْتٌ ل " رِجَالاً ".
قال أبو البقاء(٢٨) : ولم يؤنثه حَمْلاً على المعنى ؛ لأن " رجالاً " بمعنى عدد أو جمع أو جنس كما ذَكَّر الفعل المسند إلى جماعةِ المؤنثِ لقوله تعالى :﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾
[يوسف: ٣٠].
والثاني : أنه نعت لمصدر تقديره : وبث منهم بثاً كثيراً ؛ وقد تقدم أن مذهب سيبويه(٢٩) في مثله النصبُ على الحالِ.
فإن قيل : لم خَصَّ الرِّجَالَ بوصفِ الكثرةِ دون النساء ؟ ففيه جوابان :
أحدهما : أنه حَذَفَ صِفَتَهُنّ لدلالة ما قبلها عليها تقديره : ونساءً كثيرة.
والثاني : أنَّ الرِّجال لشهرتهم [ وبروزهم ](٣٠) يُنَاسِبُهم ذلك بخلافِ النِّسَاء، فإنَّ الأليقَ بِهِنَّ الخمولُ والإخفاء.
قوله :﴿تَسَاءَلُونَ﴾ قرأ الكوفيون(٣١) " تَسَاءَلُونَ " بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين تخفيفاً، والأصل :" تتساءلون " به، وقَدْ تَقَدَّمَ الخلافُ : هَلْ المحذوفُ الأولى أو الثانية وقرأ الباقون بالتشديد على إدغام تاء التفاعل في السين ؛ لأن مقاربتها في الهمس، ولهذا تُبْدَلُ من السين، قالوا :" ست " والأصل " سِدْسٌ " وقرأ(٣٢) عبد الله :" تَسْألون " من سأل الثلاثي، وقُرِئَ " تَسَلون " (٣٣) بنقل حركة الهمزة على السين، و " تَسَاءلون " على التفاعل فيه وجهان :
أحدهما : المشاركة(٣٤) في السؤال.
والثاني : أنه بمعنى فَعَلَ، ويدلّ عليه قراءة عبد الله.
قال أبُو البَقَاءِ(٣٥) :" وَدَخَلَ حَرْفُ الجرِّ في المفعول ؛ لأن المعنى :" تتحالفون " يعني أن الأصل تعدية " تسألون " إلى الضمير بنفسه، فلما ضُمِّن " تتحالفون " عُدِّي تَعْدِيَتَه ".
قوله :﴿وَالأَرْحَامَ﴾ الجمهور نصبوا الميم، وفيه وجهان :
أحدهما : أنه عطف على لفظ الجلالة، أي : واتقوا الأرحام أي : لا تقطعوها، وقَدَّرَ بعضهم مضافاً أي : قَطْعَ الأرحام.
ويقال : إنَّ هذا في الحقيقةِ من عطف الخاصِّ على العام، وذلك أن معنى اتقوا الله ؛ اتقوا مخالَفَتَه، وقَطْعُ لأرحام مندرج فيها، وهذا قول مجاهد وقتادة والسَّدي والضحاك والفرّاء والزّجّاج(٣٦).
قال الواحدي(٣٧) : ويجوز أن يكون منصوباً بالإغراء، أي : والأرحام احفظوها وصلوها كقولك : الأسدَ الأسدَ، وهذا يَدُلُّ على تحريم قطيعةِ الرحم ووجوب صلتها.
والثاني : أنه معطوف على محل المجرور في " به "، نحو : مررت بزيد وعمراً، ولمَّا لم يَشْرَكه في الإتباع على اللفظ تبعه على الموضع، وهذا يؤيده قراءة(٣٨) عبد الله " وبالأرحام ".
وقال أبو البقاء(٣٩) : تُعَظِّمُونه والأرحام، لأنَّ الحَلْفَ به تَعْظِيم له.
وقرأ حمزة(٤٠) " والأرحامِ " بالجر، قال القفال(٤١) : وقد رويت هذه القراءة عن مجاهد وغيره، وفيها قولان :
أحدهما : أنه عَطَفَ على الضمير المجرور في " به " من غير إعادة الجار، وهذا لا يجيزه البصريون(٤٢)، وقد تَقَدَّم تحقيقُ ذلك، وأن فيها ثلاثةَ مذاهب، واحتجاج كل فريق في قوله تعالى :
﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] وقد طَعَنَ جَمَاعَةٌ في هذه القراءة، كالزجاج وغيره، حتى يحكى عن الفراء الذي(٤٣) مذهبه جوازُ ذلك أنه قال : حدثني شريك بن عبد الل
١ ينظر تفسير الرازي ٩/١٢٨..
٢ ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" (١/٣٢٧) عن ابن عباس وتقدم تخريجه في سورة البقرة..
٣ في ب: بلاتفاق وهو تحريف..
٤ في أ: يختص..
٥ فكان قوله: "يا أيها الناس" عاما في الكل، وقوله: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام" خاصا بالعرب ينظر: تفسير الرازي ٩/١٢٩..
٦ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٢٩..
٧ ينظر: الدر المصون ٢/٢٩٥، تفسير الرازي ٩/١٣١..
٨ سقط في أ..
٩ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣، والبحر المحيط ٣/١٦٢، والدر المصون ٢/٢٩٥..
١٠ سقط في ب..
١١ في أ: مراعاة اللفظ بالمعنى..
١٢ تقدم برقم ٤٦٨..
١٣ ينظر: الكشاف ١/٤٦١، الدر المصون ٢/٢٩٥..
١٤ سقط في ب..
١٥ سقط في ب..
١٦ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٣١..
١٧ المصدر السابق..
١٨ زيادة من الرازي لتمام المعنى..
١٩ ينظر: الكشاف ١/٤٦٢، والدر المصون ٢/٢٩٦..
٢٠ ينظر: تفسير الكشاف ١/٤٦٢..
٢١ ينظر: الدر المصون ٢/٢٩٦، عمدة الحفاظ ١/١٧٩..
٢٢ في أ: ابن الخطيب ينظر تفسير الرازي ٩/١٣٢، معزوا لابن المظفر..
٢٣ في أ: يقابله..
٢٤ زيادة من الرازي لتمام المعنى..
٢٥ في ب: أن يمدح..
٢٦ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٣٠..
٢٧ ينظر: الدر المصون ٢/٢٩٦..
٢٨ ينظر إملاء ما من به الرحمان بهامش الفتوحات الإلهية ٢/١٨١ طبعة الحلبي والدر المصون الموضع السابق..
٢٩ قال السيوطي في الهمع ٦/٢٨٦: يجوز في هذا النوع حذف إحدى التاءين تخفيفا، وهل المحذوف الأولى أو الثانية؟ قولان: أصحهما الثاني، وهو مذهب سيبويه والبصريين، وقال الكوفيون بالمحذوف الأولى، وهي حرف المضارعة.
قال سيبويه في الكتاب ٤/٤٧٦: فإن التقت التاءان في تتكلمون وتتنزلون، فأنت بالخيار، إن شئت أثبتهما، وإن شئت حذفت أحدهما. وتصديق ذلك قوله ـ عز وجل ـ {تتنزل عليهم الملائكة}، ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ وإن شئت حذفت التاء الثانية أولى بالحذف، لأنها هي التي تسكن وتدغم في قوله تعالى: ﴿فادارأتم﴾ و ﴿أزينت﴾ وهي التي يفعل بها ذلك في ﴿يذكرون﴾..

٣٠ سقط في أ..
٣١ ينظر: السبعة ٢٢٦، والحجة ٣/١١٨، ١١٩، وحجة القراءات ١٨٨، وشرح الطيبة ٤/١٨٩، وإعراب القراءات ١/١٢٧، وشرح شعلة ٣٣١، والعنوان ٨٣، وإتحاف ١/٥٠١..
٣٢ انظر: المحرر الوجيز ٢/٤، والبحر المحيط ٣/١٦٥، والدر المصون ٢/٢٩٦..
٣٣ انظر: البحر المحيط ٣/١٦٥، والدر المصون ٢/٢٩٦..
٣٤ في ب: المشار إليه..
٣٥ ينظر: إعراب القرآن ٢/١٨١، الدر المصون ٢/٢٩٦..
٣٦ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٤٣، الدر المصون ٢/٢٩٦، المحرر الوجيز ٢/٤، معاني القرآن للزجاج ٢/٦..
٣٧ ينظر: تفسير الرازي الموضع السابق..
٣٨ ينظر: تخريج القراءة السابقة..
٣٩ ينظر: الإملاء ٢/١٨٢، الدر المصون ٢/٢٩٦..
٤٠ انظر: السبعة ٢٢٦، والحجة ٣/١٢١، وحجة القراءات ١٨٨، والعنوان ٨٣، وإعراب القراءات ١/١٢٧، وشرح الطيبة ٤/١٨٩، وشرح شعلة ٣٣١، وإتحاف ١/٥٠١..
٤١ ينظر : تفسير الرازي ٩/١٣٣..
٤٢ في هذه المسألة خلاف بين البصريين والكوفيين: فذهب البصريون في العطف على الضمير المخفوض أنه لا يجوز إلا بإعادة الخافض، ولا يجوز عندهم العطف بغير حرف جر؛ إلا في الشعر، وإذا جاء في الشعر حمل على حذف حرف الجر، وقال سيبويه: وقد يجوز في الشعر أن تشرك بين الظاهر والمضمر مع المرفوع والمجرور، إذا اضطر الشاعر.
وأجاز هذا الكوفيون في نحو: مررت بك وزيد، وجرى عندهم مجرى: مررت بزيد وعمرو، واستدلوا عليه بالقياس والسماع.
أما القياس: فعلى عطف الظاهر على الظاهر، وليس مثل عطف المضمر على الظاهر؛ لأنك هنا ـ وإن لم تكرر ـ لزم مجيء الضمير المخفوض غير متصل، وهذا لا يكون في المخفوض.
وأما السماع: فقوله سبحانه: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ قرأه حمزة بالخفض، وهو معطوف على الضمير، وللبصريين أن يقولوا: إن الوقوف على ﴿به﴾ ﴿والأرحام﴾ قسم، والتقدير:"ّوحق الأرحام إن الله كان عليكم رقيبا" وكذلك استدلوا بقوله سبحانه: ﴿صد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام﴾ وهو معطوف على "به"، والبصريون يذهبون إلى أنه معطوف على "سبيل الله".
وأما ما ذكروه من القياس، فليس مثله؛ فإنك إذا قلت: مررت يزيد وعمرو، فالواو لها تقتضي الترتيب، والمقدم كأنه مؤخر، والمؤخر كأنه مقدم؛ فكأنك قلت: مررت بعمرو وزيد، وأنت لو قلت هذا، لكان صحيحا، وإذا قلت: مررت بك وزيد، فكأنك قلت: مررت بزيد وبك، فكما لا يكون الثاني هنا إلا بحرف عطف، كذلك لا يكون الثاني هناك إلا بحرف عطف، ولما امتنع هذا في الواو امتنع في باقي حروف العطف؛ لأن الواو هي أمكن في العطف، وأمر آخر أنك إذا قلت: مررت بزيد وعمرو، فلم ينزل الظاهر هنا مع الحرف منزلة الشيء الواحد؛ لأنه ظاهر يأتي مرفوعا ومنصوبا، وإذا كان كذلك كان منفصلا عن عامله، وإذا قلت: مررت بك، فقد تنزل الباء هنا مع الكاف منزلة الشيء الواحد؛ لأنه على حرف واحد، وإنه ضمير متصل لا يأتي إلا متصلا بعامله، وبهذا الثاني علل سيبويه، وكلاهما عندي صحيح، قاله ابن أبي الربيع، هذا وقد أجاز جماعة من النحاة العطف على المضمر المجرور، دون إعادة الخافض، منهم الأخفش... وأبو علي الشلوبين، وابن مالك.
البسيط ١/٣٤٥، ٣٤٦ ـ ٣٤٧، الإنصاف ٢/٤٦٣، الكتاب ٢/٣٨٢ ـ ٣٨٣..

٤٣ ينظر: الدر المصون ٢/٢٩٧..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى