تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ١ قوله تعالى :﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم﴾ في ما كان الخطاب للكفرة ذكر الله سبحانه وتعالى على إثره حجج وحدانيته ودلائل ربوبيته لأنهم لم يعرفوا ربهم من نحو ما ذكر ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة﴾ الآية وكقوله عز وجل :﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ الآية ( البقرة ٢١ ) وكقوله عز وجل :﴿يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا﴾ ( فاطر ٥ ) وغيره كثير ذكر الحجج والدلائل التي بها يوصل إلى معرفة الصانع وتوحيده ليتفكروا فيعرفوا بها خالقهم وإلههم.
وفي كل ما كان الخطاب للمؤمنين لم يذكر حجج الوحدانية ولا دائل الربوبية لأنهم قد عرفوا ربهم قبل الخطاب ولكن ذكر على إثره نعمه التي أنعمها عليهم وثوابه ( الذي )(١) وعد لهم نحو قوله :﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا﴾ ( آل عمران ١٠٢- ١٠٣ ) إلى آخر ما ذكر نعمه التي أنعمها عليهم، وكقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم﴾ ( الحديد ٢٨ ) إلى ( آخر ) (٢) ما ذكر. على هذا يخرج الخطاب في الأغلب.
وقوله تعالى :﴿اتقوا ربكم﴾ قيل :﴿اتقوا﴾ عذابه ونقمته وقيل :﴿اتقوا﴾ عصيانه في أمره ونهيه وقيل :﴿اتقوا﴾ الله بحقه في أمره ونهيه.
وقوله تعالى :﴿الذي خلقكم من نفس واحدة﴾ أضاف خلقنا إلى آدم إذ الإنسان من النطفة قال : دلت إضافة خلقنا من آدم، وإن لم تكن أنفسنا مستخرجة منه، على أمرين :
أحدهما : جواز إضافة الشيء إلى الأصل الذي إليه المرجع وإن بعد ذلك عن الراجع إليه على التوالد والتتابع.
والثاني : أنا لم نكن بأبداننا فيه وإن أضيف خلقنا إليه، إذ لو كنا فيه لكنا منه بحق الإخراج لا بحق الخلق منه، وذلك يبطل قول من يجعل صورة الإنسان من النطفة ( مع الإحالة أن يكون مضافا إلى(٣) التراب أو النطفة ) (٤)، إذ هما من الموات(٥) الخارج من احتمال الدرك ونحن أحياء(٦) دراكون، والله أعلم.
( وقوله تعالى :﴿وبث منهما رجالا كثيرا ونساء﴾ أي فرق ونشر وأظهر منهما أولادا كثيرا ذكورا وإناثا ) (٧).
وقوله تعالى :﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ قوله :﴿تساءلون﴾ أي اتقوا الله الذي تساءلون بعضكم من بعض بالرحم يقول الرجل لآخر : أسألك بالرحم والقرابة أن تعطيني.
وقوله تعالى :﴿والأرحام﴾ روي عن ابن عباس رضي الله عنه يقول :﴿واتقوا الله الذي تساءلون به﴾ واتقوا في الأرحام وصلوها ) وقرئ بالنصب والخفض(٨) :﴿والأرحام﴾ فمن قرأ بالنصب فيقول :﴿اتقوا الله﴾ فلا تعصوه واتقوا الأرحام فلا تقطعوها ومن قرأ بالخفض فيقول :﴿واتقوا الله الذي تساء لون به﴾ والأرحام وروي في الخبر أن النبي ﷺ قال : " اتقوا الله وصلوا الأرحام فإنه أتقى لكم في الدنيا وخير لكم في الآخرة " ( ابن جرير الطبري في تفسيره : ٤/ ٢٢٧ ) والآية في الظاهر على العظة والتنبيه وكذلك قوله :﴿إن الله كان عليكم رقيبا﴾ هو على التنبيه والإيعاظ.
١ من م..
٢ ساقطة من الأصل و م..
٣ في م: في..
٤ من م ساقطة من الأصل...
٥ في م: الموت.
٦ من في الأصل أحيانا.
٧ من م ساقطة من الأصل..
٨ قرأ حمزة والأرحام خفضا وقرأ الباقون ﴿والأرحام﴾ نصبا انظر حجة القراءات ١٨٨ والمحتسب ١/ ١٧٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى