محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي

عن الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ان الله كان عليكم رقيبا١ ).
( يا أيها الناس اتقوا ربكم ) أي اخشوه أن تخالفوه فيما أمركم أو نهاكم عنه. ثم نبههم على اتصافه بكمال القدرة الباهرة، لتأييد الأمر بالتقوى وتأكيد إيجاب الامتثال به على طريق الترغيب والترهيب، بقوله تعالى :( الذي خلقكم من نفس واحدة ) أي فرعكم من أصل واحد وهو نفس أبيكم آدم. وخلقه تعالى اياهم على هذا النمط البديع مما يدل على القدرة العظيمة. ومن قدر على نحوه كان قادرا على كل شيء. ومنه عقابهم على معاصيهم. فالنظر فيه يؤدي إلى الاتقاء من موجبات نقمته. وكذا جعله تعالى اياهم صنوانا مفرعة من أرومة واحدة من موجبات الاحتراز عن الإخلال بمراعاة ما بينهم من حقوق الأخوة. كما ينبئ عنه ما يأتي من الارشاد إلى صلة الأرحام، ورعاية حال الأيتام، والعدل في النكاح وغير ذلك. وقد ثبت في ( صحيح مسلم ) (١) من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله ﷺ حين قدم عليه / أولئك النفر من مضر، وهم مجتابو النمار ( أي من عيرهم وفقرهم ) قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته :" ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلكم من نفس واحدة ) حتى ختم الآية. ثم قال :( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد ) (٢). ثم حضهم على الصدقة فقال :" تصدق رجل من ديناره. من درهمه. من صاع بره. ومن صاع تمره ". وذكر تمام الحديث. وهكذا رواه أحمد وأهل ( السنن ) عن ابن مسعود في خطبة الحاجة. وفيها : ثم يقرأ ثلاث آيات هذه منها :( يا أيها الناس اتقوا ربكم ). الآية. ( وخلق منها زوجها ) أي من نفسها. يعني من جنسها ليكون بينهما ما يوجب التآلف والتضام. فان الجنسية علة الضم. وقد أوضح هذا بقوله تعالى :( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة، ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) (٣) ( وبث منهما ) أي نشر من تلك النفس وزوجها المخلوقة منها، بطريق التوالد / والتناسل. ( رجالا كثيرا ونساء ) أي كثيرة. وترك التصريح بها للاكتفاء بالوصف المذكور ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) تكرير للأمر وتذكير لبعض آخر من موجبات الامتثال به. فان سؤال بعضهم بعضا بالله تعالى بأن يقولوا : أسألك بالله وأنشدك الله، على سبيل الاستعطاف، يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه. وتعليق بالاسم الجليل لمزيد التأكيد والمبالغة في الحمل على الامتثال بتربية المهابة وادخال الروعة. ولوقوع التساؤل به لا بغيره من أسمائه تعالى وصفاته. و ( تساءلون ) أصله تتساءلون. فطرحت احدى التاءين تخفيفا. وقرئ بادغام تاء التفاعل في السين لتقاربهما في الهمس. وقرئ تسألون ( من الثلاثي ) أي تسألون به غيركم. وقد فسر به القراءة الأولى والثانية. وحمل صيغة التفاعل على اعتبار الجمع. كما في قولك رأيت الهلال وتراءيناه –أفاده أبو السعود- وقوله تعالى :( والأرحام ) قرأ حمزة بالجر عطفا على الضمير المجرور. والباقون بالنصب عطفا على الاسم الجليل. أي اتقوا الله والأرحام أن تقطعوها. فان قطيعتها مما يجب أن يتقى. أو عطفا على محل الجار والمجرور. كقولك مررت بزيد وعمرا. وينصره قراءة ( تساءلون به وبالأرحام ) فانهم كانوا يقرنونها في السؤال والمناشدة بالله عز وجل. ويقولون :( أسألك بالله وبالرحم ). ولقد نبه سبحانه وتعالى، حيث قرنها باسمه الجليل، على أن صلتها بمكان منه. كما في قوله تعالى :( ألا تعبدوا الا الله وبالوالدين احسانا ) (٤). وقال تعالى :( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين ) (٥). / وقد روى الشيخان (٦)عن عائشة رضي الله عنها عن النبي ﷺ قال :" الرحم معلقة بالعرش. تقول : من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله ". ورويا(٧) أيضا عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال :" لا يدخل الجنة قاطع ". قال سفيان في روايته : يعني قاطع رحم. وروى البخاري(٨) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي ﷺ :" ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها ". ورويا(٩) عن أبي هريرة رضي الله عنه :" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه ". والأحاديث في الترغيب بصلة الرحم والترهيب من قطيعتها كثيرة.
تنبيه :
دلت الآية على جواز المسألة بالله تعالى. كذا قاله الرازي. ووجهه أنه تعالى أقرهم على هذا التساؤل. لكونهم يعتقدون عظمته. ولم ينكره عليهم. نعم من أداه التساؤل باسمه تعالى إلى / التساهل في شأنه وجعله عرضة لعدم إجلاله ووسيلة لأبواب الساسانية، فهذا محظور قطعا. وعليه يحمل ما ورد من لعن من سأل بوجه الله. كما سنذكره. وقد ورد في هذا الباب أحاديث وافرة. منها عن ابن عمر قال :(١٠) قال رسول الله ﷺ :" من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه ومن دعاكم فأجيبوه ومن أتى عليكم معروفا فكافئوه فان لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه " رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم. وروى الإمام أحمد وأبو داود(١١) عن ابن عباس مرفوعا :" من استعاذ بالله فأعيذوه ومن يسألكم بوجه الله فأعطوه ". وعن ابن عمر مرفوعا :" من سئل بالله فأعطى كتب له سبعون حسنة ". رواه البيهقي باسناد ضعيف. وفي البخاري(١٢) عن البراء بن عازب :" أمرنا رسول الله ﷺ بسبع. وذكر منها : وابرار القسم ". وروى أبو داود(١٣) والضياء في ( المختارة ) باسناد صحيح عن / جابر مرفوعا/ " لا يسأل بوجه الله تعالى الا الجنة ". وروى الطبراني عن أبي موسى الأشعري مرفوعا :" ملعون من سأل بوجه الله. وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما لم يسأل هجرا ". قال السيوطي : اسناده حسن. وقال الحافظ المنذري : رجاله رجال الصحيح الا شيخه ( يعني الطبراني ) يحيى بن عثمان بن صالح. وهو ثقة وفيه كلام. وهجرا ( بضم الهاء وسكون الجيم ) أي ما لم يسأل أمرا قبيحا لا يليق. ويحتمل أنه أراد ما لم يسأل سؤالا قبيحا بكلام قبيح. انتهى. وعن أبي عبيدة، مولى رفاعة، عن رافع أن رسول الله ﷺ قال :" ملعون من سأل بوجه الله وملعون من سئل بوجه الله فمنع سائله ". رواه الطبراني : وعن ابن عباس رضي الله عنهما(١٤) أن رسول الله ﷺ قال :" الا أخبركم بشر الناس ؟ رجل يسأل بوجه الله ولا يعطي ". رواه الترمذي. وقال : حسن غريب. والنسائي وابن حبان في ( صحيحه ). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ :" الا أخبركم بشر البرية ؟ قالوا : بلى يا رسول الله. قال : الذي يسأل بالله ولا يعطي " ( ان الله كان عليكم رقيبا ) أي مراقبا لجميع أحوالكم وأعمالكم. يراها ويعلمها فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. كما قال :( والله على كل شيء شهيد ). وفي الحديث(١٥) :" اعبد الله كأنك تراه. فان لم تكن تراه فانه يراك ". وهذا ارشاد وأمر بمراقبته تعالى. فعلى المرء أن يراقب أحوال نفسه ويأخذ حذره من أن ينتهز الشيطان منه فرصة فيهلك على غفلة.
١ أخرجه مسلم في: ١٢ –كتاب الزكاة، حديث ٦٩ (طبعتنا) ونصه:
عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار. قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء (أي لابسيها خارقين أوساطها مقورين. والنمار جمع نمرة وهي ثياب صوف فيها تنمير) متقلدي السيوف. عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر. فتمعر (أي تغير) وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما رأى بهم من الفاقة. فدخل ثم خرج. فأمر بلالا فأذن وأقام. فصلى ثم خطب فقال: "ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ان الله كان عليكم رقيبا١) |٤/ النساء/ ١| الى آخر الآية: (ان الله كان عليكم رقيبا). والآية التي في الحشر: (اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله) |٥٩/ ١٨| تصدق رجل من ديناره. من درهمه. من ثوبه. من صاع بره. من صاع تمره. (حتى قال) ولو بشق تمرة".
قال فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها. بل قد عجزت. قال ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب. حتى رأيت رسول الله ﷺ تهلل كأنه مذهبة (أي فضة مذهبة، فهو أبلغ في حسن الوجه واشراقه).
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سن في الاسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سن في الاسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"..

٢ |٥٩/ الحشر/ ١٨|..
٣ |٣٠/ الروم/ ٢١|..
٤ |١٧/ الاسراء/ ٢٣| ونصها: (*وقضى ربك ألا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا اما يبلغنك عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما٢٣)..
٥ |١٧/ الاسراء/ ٢٣| ونصها: (*وقضى ربك ألا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانا اما يبلغنك عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما٢٣)..
٦ لنفرد به مسلم في: ٤٥ –كتاب البر والصلة والآداب، حديث ١٧ (طبعتنا)..
٧ أخرجه البخاري في: ٧٨ –كتاب الأدب، ١١ –باب اثم القاطع، حديث ٢٣١١ ومسلم في: ٤٥ –كتاب البر والصلة والآداب، حديث ١٨ و١٩ (طبعتنا)..
٨ أخرجه البخاري في: ٧٨ –كتاب الأدب، ١٥ –باب ليس الواصل بالمكافئ، حديث ٢٣١٦..
٩ الحديث الذي انفرد به البخاري في: ٧٨ –كتاب الأدب، ١٢ –باب من بسط له في الرزق بصلة الرحم، حديث ٢٣١٢، هذا نصه:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول اله ﷺ ي قول: "من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في آثره، فليصل رحمه"..

١٠ أخرجه الامام أحمد في المسند بالصفحة ٦٨ من الجزء الثاني بهذا النص (طبعة الحلبي).
وأبو داود في: ٤٠ –كتاب الأدب، ١٠٨ باب في الرجل يستعيذ من الرجل، حديث ٥١٠٩..

١١ أخرجه أبو داود في: ٤٠ –كتاب الأدب، ١٠٨ باب في الرجل يستعيذ من الرجل، حديث ٥١٠٨..
١٢ أخرجه البخاري في: ٢٣ –كتاب الجنائز، ٢ –باب الأمر بإتباع الجنائز، حديث ٦٦٢. وهذا نصه:
عن البراء رضي الله عنه وابرار القسم ورد السلام وتشميت العاطس. ونهانا عن آنية الفضة وخاتم الذهب والحرير والديباج والقسي والاستبرق"..

١٣ أخرجه أبو داود في: ٩ –كتاب الزكاة، ٣٧ –باب كراهية المسألة بوجه الله، حديث ١٦١٧..
١٤ أخرجه الترمذي في: ٢٠ –كتاب فضائل الجهاد، ١٨ –باب ما جاء أي الناس خير، ونصه:
عن ابن عباس ان النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بخير الناس؟ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله. ألا أخبركم بالذي يتلوه؟ رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق الله فيها. ألا أخبركم بشر الناس؟ رجل يسأل بالله بوجه الله ولا يعطي به"..

١٥ أخرجه البخاري في: ٢ –كتاب الايمان، ٣٧ –باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الايمان والاسلام والاحسان وعلم الساعة، حديث ٤٦ ونصه:
عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ بارزا يوما للناس. فأتاه جبريل فقال: ما الايمان؟ قال: "الايمان، أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث" قال: ما الاسلام؟ قال: "الاسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان" قال: ما الاحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك" قال: متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. وسأخبرك عن أشراطها: اذا ولدت الأمة ربها. واذا تطاول رعاة الابل البهم في البنيان. في خمس لا يعلمهن الا الله".
ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم: (ان الله عنده علم الساعة...) الآية |٣١/ لقمان/ ٣٤|.
ثم أدبر. فقال: "ردوه" فلم يروا شيئا.
فقال: "هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى