البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الإفضاء إلى الشيء : الوصول إلى فضاء منه، أي سعة غير محصورة.
وفي مثل الناس فوضى فضى أي : مختلطون، يباشر بعضهم بعضاً.
ويقال : فضاً يفضو فضاًء إذا اتسع، فألف أفضى منقلبة عن ياء أصلها واو.
﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ وهذا استفهام إنكار أيضاً، أنكر أولاً الأخذ، ونبه على امتناع الأخذ بكونه بهتاناً وإثماً.
وأنكر ثانياً حاله الأخذ، وأنها ليست مما يمكن أن يجامع حال الإفضاء، لأن الإفضاء وهو المباشرة والدنوّ الذي ما بعده دنو، يقتضي أن لا يؤخذ معه شيء مما أعطاه الزوج، ثم عطف على الإفضاء أخذ النساء الميثاق الغليظ من الأزواج.
والإفضاء : الجماع قاله، ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والسدي.
وقال عمر، وعلي، وناس من الصحابة، والكلبي، والفراء : هي الخلوة والميثاق، هو قوله تعالى :﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ قاله : ابن عباس، والحسن، والضحاك، وابن سيرين، والسدي، وقتادة.
قال قتادة : وكان يقال للناكح في صدر الإسلام : عليكم لتمسكنَّ بمعروف، أو لتسرحنَّ بإحسان.
وقال مجاهد وابن زيد : الميثاق كلمة الله التي استحللتم بها فروجهن، وهي قول الرجل : نكحت وملكت النكاح ونحوه.
وقال عكرمة : هو قوله ﷺ :« استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله » وقال قوم : الميثاق الولد، إذ به تتأكد أسباب الحرمة وتقوى دواعي الألفة.
وقيل : ما شرط في العقد من أنّ على كل واحد منهما تقوى الله، وحسن الصحبة والمعاشرة بالمعروف، وما جرى مجرى ذلك.
وقال الزمخشري : الميثاق الغليظ حق الصحبة والمضاجعة، كأنه قيل : وأخذن به منكم ميثاقاً غليظاً، أي بإفضاء بعضكم إلى بعض.
ووصفه بالغلظ لقوته وعظمه، فقد قالوا : صحبة عشرين يوماً قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج ؟ انتهى كلامه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات أنواعاً من البيان والبديع.
منها : التجوّز بإطلاق اسم الكل على البعض في قوله : يأتين الفاحشة، لأن أل تستغرق كل فاحشة وليس المراد بل بعضها، وإنما أطلق على البعض اسم الكل تعظيماً لقبحه وفحشه، فإن كان العرف في الفاحشة الزنا، فليس من هذا الباب إذ تكون الألف واللام للعهد.
والتجوّز بالمراد من المطلق بعض مدلوله في قوله : فآذوهما إذ فسر بالتعيير أو الضرب بالنعال، أو الجمع بينهما، وبقوله : سبيلاً والمراد الحد، أو رجم المحصن.
وبقوله : فأعرضوا عنهما أي اتركوهما.
وإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله : حتى يتوفاهنّ الموت، وفي قوله : حتى إذا حضر أحدهم الموت.
والتجنيس المغاير في : إن تابا إن الله كان توّاباً، وفي : أرضعنكم ومن الرضاعة، وفي : محصنات فإذا أحصنّ.
والتجنيس المماثل في : فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا، وفي : ولا تنكحوا ما نكح.
والتكرار في : اسم الله في مواضع، وفي : إنما التوبة وليست التوبة، وفي : زوج مكان زوج، وفي : أمّهاتكم وأمّهاتكم اللاتي، وفي : إلا ما قد سلف، وفي : المؤمنات في قوله : المحصنات المؤمنات، وفي : فتياتكم المؤمنات، وفي : فريضة ومن بعد الفريضة، وفي : المحصنات من النساء والمحصنات، ونصف ما على المحصنات، وفي : بعضكم من بعض، وفي : يريد في أربعة مواضع، وفي : يتوب وأن يتوب، وفي : إطلاق المستقبل على الماضي، في : واللاتي يأتين الفاحشة وفي : واللذان يأتيانها منكم، وفي : يعملون السوء وفي : ثم يتوبون، وفي : يريد وفي : ليبين، لأن إرادة الله وبيانه قديمان، إذ تبيانه في كتبه المنزلة والإرادة والكلام من صفات ذاته وهي قديمة.
والإشارة والإيماء في قوله ؛ كرهاً، فإن تحريم الإرث كرهاً يومىء إلى جوازه طوعاً، وقد صرح بذلك في قوله : فإن طبن، وفي قوله : ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ، فله أن يعضلها على غير هذه الصفة لمصلحة لها تتعلق بها، أو بمالها، وفي : إنه كان فاحشة أومأ إلى نكاح الأبناء في الجاهلية نساء الآباء، وفي : أحل لكم ما وراء ذلكم إشارة إلى ما تقدم في المحرمات، ذلك لمن خشي العنت إشارة إلى تزويج الإماء.
والمبالغة في تفخيم الأمر وتأكيده في قوله : وآتيتم إحداهنّ قنطاراً عظم الأمر حتى ينتهي عنه.
والاستعارة في قوله : وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً، استعار الأخذ للوثوق بالميثاق والتمسك به، والميثاق معنى لا يتهيأ فيه الأخذ حقيقة، وفي : كتاب الله عليكم أي فرض الله، استعار للفرض لفظ الكتاب لثبوته وتقريره، فدل بالأمر المحسوس على المعنى المعقول.
وفي : محصنين، استعار لفظ الإحصان وهو الامتناع في المكان الحصين للامتناع بالعقاب، واستعار لكثرة الزنا السفح وهو صب الماء في الأنهار والعيون بتدفق وسرعة، وكذلك : فآتوهن أجورهن استعار لفظ الأجور للمهور، والأجر هو ما يدل على عمل، فجعل تمكين المرأة من الانتفاع بها كأنه عمل تعمله.
وفي قوله : طولاً استعارة للمهر يتوصل به للغرض، والطول وهو الفضل يتوصل به إلى معالي الأمور.
وفي قوله : يتبعون الشهوات استعار الاتباع والميل اللذين هما حقيقة في الإجرام لموافقة هوى النفس المؤدي إلى الخروج عن الحق.
وفي قوله : أن يخفف، والتخفيف أصله من خفة الوزن وثقل الجرم، وتخفيف التكاليف رفع مشاقها من النفس، وذلك من المعاني.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه في قوله : أن ترثوا النساء كرهاً، سمي تزويج النساء أو منعهن للأزواج إرثاً، لأن ذلك سبب الإرث في الجاهلية.
وفي قوله : وخلق الإنسان ضعيفاً جعله ضعيفاً باسم ما يؤول إليه، أو باسم أصله.
والطباق المعنوي في قوله : وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وقد فسر الخير الكثير بما هو محبوب.
وفي قوله : والمحصنات من النساء، أي حرام عليكم ثم قال : وأحل لكم.
والذي يظهر أنه من الطباق اللفظي، لأن صدر الآية حرمت عليكم أمهاتكم، ثم نسق المحرمات، ثم قال : وأحل لكم، فهذا هو الطباق.
وفي قوله : محصنين غير مسافحين، والمحصن الذي يمنع فرجه، والمسافح الذي يبذله.
والاحتراس في قوله : اللاتي دخلتم بهن احترز من اللاتي لم يدخل بهن، وفي وربائبكم اللاتي في حجوركم احترس من اللاتي ليست في الحجور.
وفي قوله : والمحصنات من النساء إذا المحصنات قد يراد بها الأنفس المحصنات، فيدخل تحتها الرجال، فاحترز بقوله : من النساء.
والاعتراض بقوله : والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض.
والحذف في مواضع لا يتم المعنى إلا بها.
وفي مثل الناس فوضى فضى أي : مختلطون، يباشر بعضهم بعضاً.
ويقال : فضاً يفضو فضاًء إذا اتسع، فألف أفضى منقلبة عن ياء أصلها واو.
﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ وهذا استفهام إنكار أيضاً، أنكر أولاً الأخذ، ونبه على امتناع الأخذ بكونه بهتاناً وإثماً.
وأنكر ثانياً حاله الأخذ، وأنها ليست مما يمكن أن يجامع حال الإفضاء، لأن الإفضاء وهو المباشرة والدنوّ الذي ما بعده دنو، يقتضي أن لا يؤخذ معه شيء مما أعطاه الزوج، ثم عطف على الإفضاء أخذ النساء الميثاق الغليظ من الأزواج.
والإفضاء : الجماع قاله، ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والسدي.
وقال عمر، وعلي، وناس من الصحابة، والكلبي، والفراء : هي الخلوة والميثاق، هو قوله تعالى :﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ قاله : ابن عباس، والحسن، والضحاك، وابن سيرين، والسدي، وقتادة.
قال قتادة : وكان يقال للناكح في صدر الإسلام : عليكم لتمسكنَّ بمعروف، أو لتسرحنَّ بإحسان.
وقال مجاهد وابن زيد : الميثاق كلمة الله التي استحللتم بها فروجهن، وهي قول الرجل : نكحت وملكت النكاح ونحوه.
وقال عكرمة : هو قوله ﷺ :« استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله » وقال قوم : الميثاق الولد، إذ به تتأكد أسباب الحرمة وتقوى دواعي الألفة.
وقيل : ما شرط في العقد من أنّ على كل واحد منهما تقوى الله، وحسن الصحبة والمعاشرة بالمعروف، وما جرى مجرى ذلك.
وقال الزمخشري : الميثاق الغليظ حق الصحبة والمضاجعة، كأنه قيل : وأخذن به منكم ميثاقاً غليظاً، أي بإفضاء بعضكم إلى بعض.
ووصفه بالغلظ لقوته وعظمه، فقد قالوا : صحبة عشرين يوماً قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج ؟ انتهى كلامه.
منها : التجوّز بإطلاق اسم الكل على البعض في قوله : يأتين الفاحشة، لأن أل تستغرق كل فاحشة وليس المراد بل بعضها، وإنما أطلق على البعض اسم الكل تعظيماً لقبحه وفحشه، فإن كان العرف في الفاحشة الزنا، فليس من هذا الباب إذ تكون الألف واللام للعهد.
والتجوّز بالمراد من المطلق بعض مدلوله في قوله : فآذوهما إذ فسر بالتعيير أو الضرب بالنعال، أو الجمع بينهما، وبقوله : سبيلاً والمراد الحد، أو رجم المحصن.
وبقوله : فأعرضوا عنهما أي اتركوهما.
وإسناد الفعل إلى غير فاعله في قوله : حتى يتوفاهنّ الموت، وفي قوله : حتى إذا حضر أحدهم الموت.
والتجنيس المغاير في : إن تابا إن الله كان توّاباً، وفي : أرضعنكم ومن الرضاعة، وفي : محصنات فإذا أحصنّ.
والتجنيس المماثل في : فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا، وفي : ولا تنكحوا ما نكح.
والتكرار في : اسم الله في مواضع، وفي : إنما التوبة وليست التوبة، وفي : زوج مكان زوج، وفي : أمّهاتكم وأمّهاتكم اللاتي، وفي : إلا ما قد سلف، وفي : المؤمنات في قوله : المحصنات المؤمنات، وفي : فتياتكم المؤمنات، وفي : فريضة ومن بعد الفريضة، وفي : المحصنات من النساء والمحصنات، ونصف ما على المحصنات، وفي : بعضكم من بعض، وفي : يريد في أربعة مواضع، وفي : يتوب وأن يتوب، وفي : إطلاق المستقبل على الماضي، في : واللاتي يأتين الفاحشة وفي : واللذان يأتيانها منكم، وفي : يعملون السوء وفي : ثم يتوبون، وفي : يريد وفي : ليبين، لأن إرادة الله وبيانه قديمان، إذ تبيانه في كتبه المنزلة والإرادة والكلام من صفات ذاته وهي قديمة.
والإشارة والإيماء في قوله ؛ كرهاً، فإن تحريم الإرث كرهاً يومىء إلى جوازه طوعاً، وقد صرح بذلك في قوله : فإن طبن، وفي قوله : ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ، فله أن يعضلها على غير هذه الصفة لمصلحة لها تتعلق بها، أو بمالها، وفي : إنه كان فاحشة أومأ إلى نكاح الأبناء في الجاهلية نساء الآباء، وفي : أحل لكم ما وراء ذلكم إشارة إلى ما تقدم في المحرمات، ذلك لمن خشي العنت إشارة إلى تزويج الإماء.
والمبالغة في تفخيم الأمر وتأكيده في قوله : وآتيتم إحداهنّ قنطاراً عظم الأمر حتى ينتهي عنه.
والاستعارة في قوله : وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً، استعار الأخذ للوثوق بالميثاق والتمسك به، والميثاق معنى لا يتهيأ فيه الأخذ حقيقة، وفي : كتاب الله عليكم أي فرض الله، استعار للفرض لفظ الكتاب لثبوته وتقريره، فدل بالأمر المحسوس على المعنى المعقول.
وفي : محصنين، استعار لفظ الإحصان وهو الامتناع في المكان الحصين للامتناع بالعقاب، واستعار لكثرة الزنا السفح وهو صب الماء في الأنهار والعيون بتدفق وسرعة، وكذلك : فآتوهن أجورهن استعار لفظ الأجور للمهور، والأجر هو ما يدل على عمل، فجعل تمكين المرأة من الانتفاع بها كأنه عمل تعمله.
وفي قوله : طولاً استعارة للمهر يتوصل به للغرض، والطول وهو الفضل يتوصل به إلى معالي الأمور.
وفي قوله : يتبعون الشهوات استعار الاتباع والميل اللذين هما حقيقة في الإجرام لموافقة هوى النفس المؤدي إلى الخروج عن الحق.
وفي قوله : أن يخفف، والتخفيف أصله من خفة الوزن وثقل الجرم، وتخفيف التكاليف رفع مشاقها من النفس، وذلك من المعاني.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه في قوله : أن ترثوا النساء كرهاً، سمي تزويج النساء أو منعهن للأزواج إرثاً، لأن ذلك سبب الإرث في الجاهلية.
وفي قوله : وخلق الإنسان ضعيفاً جعله ضعيفاً باسم ما يؤول إليه، أو باسم أصله.
والطباق المعنوي في قوله : وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً، وقد فسر الخير الكثير بما هو محبوب.
وفي قوله : والمحصنات من النساء، أي حرام عليكم ثم قال : وأحل لكم.
والذي يظهر أنه من الطباق اللفظي، لأن صدر الآية حرمت عليكم أمهاتكم، ثم نسق المحرمات، ثم قال : وأحل لكم، فهذا هو الطباق.
وفي قوله : محصنين غير مسافحين، والمحصن الذي يمنع فرجه، والمسافح الذي يبذله.
والاحتراس في قوله : اللاتي دخلتم بهن احترز من اللاتي لم يدخل بهن، وفي وربائبكم اللاتي في حجوركم احترس من اللاتي ليست في الحجور.
وفي قوله : والمحصنات من النساء إذا المحصنات قد يراد بها الأنفس المحصنات، فيدخل تحتها الرجال، فاحترز بقوله : من النساء.
والاعتراض بقوله : والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض.
والحذف في مواضع لا يتم المعنى إلا بها.