المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ثم وعظ تعالى عباده مذكراً لهم بالمودة التي بين الزوجين الموجبة لحياطة مال المرأة، إذ قد أخذ منها العوض عما أعطيته، ﴿وكيف﴾ في موضع نصب على الحال و ﴿أفضى﴾ معناه : باشر وجاوز أقصى المجاوزة ومنه قول الشاعر :[ الطويل ]
بِلىً وَثَأىً أفْضَى إلى كُلّ كتْبَةٍ. . . بَدا سَيْرُهَا مِنْ ظَاهِرٍ بَعْدَ بَاطِنِ(١)
وفي المثل :_ الناس فوضى فضاً_أي مختلطون يباشر أمر بعضهم بعضاً(٢) وتقول أفضَتْ الحال إلى كذا أي صارت إليه، وقال ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم : الإفضاء في هذه الآية الجماع، قال ابن عباس : ولكن الله كريم يكني، واختلف الناس في المراد بالميثاق الغليظ، فقال الحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي وغيرهم : وهو قوله تعالى :﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقال مجاهد وابن زيد : الميثاق الغليظ عقدة النكاح، وقول الرجل : نكحت وملكت النكاح ونحوه، فهذه التي بها تستحل الفروج، وقال عكرمة والربيع : الميثاق الغليظ يفسره قول النبي ﷺ :( استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلام الله )(٣)، وقال قوم : الميثاق الغليظ الولد، ومن شاذ الأقوال في هذه الآية، أن بكر بن عبد الله المزني قال : لا يجوز أن يؤخذ من المختلعة قليل ولا كثير، وإن كانت هي المريدة للطلاقة، ومنها أن ابن زيد قال : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى :﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾(٤) قال القاضي أبو محمد : وليس في شيء من هذه الآيات ناسخ ولا منسوخ، وكلها ينبني بعضها مع بعض.
١ - اختلفت النسخ الأصلية في رواية هذا البيت، ولم يستشهد به القرطبي ولا أبو حيان.
بلى: من قولنا: بل الثوب رثّ.
ثأًى: من قولنا ثأى الخرز ثأيا فتقه- فالثأي هو: الفساد والقلق.
أفضى: انتهى إلى.
كَتْبةٍ: من قولنا: كتب السقاء ونحوه: خرزه بسيرين، أي خاطه.
وكأنه يصف القرابة أو نحوها بأن البلى والفساد انتهى إلى كل خيط في سيرها..

٢ - عبارة القرطبي: أي مختلطون لا أمير عليهم. وهذا ما ذكره اللسان. ولعل الصواب: (يباشر بعضهم أمر بعض)..
٣ - ورد هذا الحديث في خطبته ﷺ في حجة الوداع. وأخرجه ابن أبي شيبة عن عكرمة ومجاهد (فتح القدير ١/ ٤٤٣)..
٤ - من الآية (٢٢٩) من سورة البقرة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى