روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطعْ منكُمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ إما شرطية وما بعدها شرطها، وإما موصولة وما بعدها صلتها، و ﴿مّنكُمْ﴾ حال من الضمير في ﴿يَسْتَطِعْ﴾ وقوله سبحانه :﴿طُولاً﴾ مفعول به ليستطع وجعله مفعولاً لأجله على حذف مضاف أي لعدم طول تطويل بلا طول. والمراد به الغنى والسعة وبذلك فسره ابن عباس ومجاهد، وأصله الفضل والزيادة، ومنه الطائل، وفسره بعضهم بالاعتلاء والنيل فهو من قولهم : طلته أي نلته، ومنه قول الفرزدق :
قوله عز وجل :﴿أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات﴾ أي الحرائر بدليل مقابلتهن بالمملوكات، وعبر عنهن بذلك لأن حريتهن أحصنتهن عن نقص الإماء إما أن يكون متعلقاً ب ﴿طُولاً﴾ على معنى ومن لم يستطع أن ينال نكاح المحصنات وإما أن يكون بتقدير إلى أو اللام والجار في موضع الصفة ل ﴿طُولاً﴾ أي ومن لم يستطع غنى موصلاً إلى نكاحهن أو لنكاحهن أو على على أن الطول بمعنى القدرة كما قال الزجاج، ومحل ﴿إن﴾ بعد الحذف جر، أو نصب على الخلاف المعروف، وهذا التقدير قول الخليل، وإليه ذهب الكسائي، وجوز أبو البقاء أن يكون بدلاً من ﴿طُولاً﴾ بدل الشيء من الشيء، وهما لشيء واحد بناءاً على أن الطول هو القدرة أو الفضل والنكاح قوة وفضل، وقيل : يجوز أن يكون مفعولاً ليستطع و ﴿طُولاً﴾ مصدر مؤكد له إذ الاستطاعة هي الطول أو تمييز أي ومن لم يستطع منكم استطاعة أو من جهة الطول والغنى أي لا من جهة الطبيعة والمزاج إذ لا تعلق لذلك بالمقام.
وقوله تعالى وتقدس :﴿فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم﴾ جواب الشرط أو خبر الموصول وجاءت الفاء لما مر غير مرة، و ﴿مَا﴾ موصولة في محل جر بمن التبعيضية، والجار والمجرور متعلق بفعل مقدر حذف مفعوله، وفي الحقيقة متعلق بمحذوف وقع صفة لذلك المفعول أي فلينكح امرأة كائنة بعض النوع الذي ملكته أيمانكم، وأجاز أبو البقاء كون ( من ) زائدة أي فلينكح ما ملكته أيمانكم، وقوله تعالى :﴿مّن فتياتكم﴾ أي إمائكم ﴿المؤمنات﴾ في موضع الحال من الضمير المحذوف العائد إلى ﴿مَا﴾، وقيل :( من ) زائدة، و ﴿فتياتكم﴾ هو المفعول للفعل المقدر قبل، و مما ملكت متعلق بنفس الفعل، و ( من ) لابتداء الغاية، أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من هذا المفعول، و ( من ) للتبعيض، و ( المؤمنات ) على جميع الأوجه صفة ( فتياتكم )، وقيل : هو مفعول ذلك الفعل المقدر، وفيه بعد.
وظاهر الآية يفيد عدم جواز نكاح الأمة للمستطيع لمفهوم الشرط كما ذهب إليه الشافعي وعدم جواز نكاح الأمة الكتابية مطلقاً لمفهوم الصفة كما هو رأي أهل الحجاز وجوزهما الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه لإطلاق المقتضى من قوله تعالى :﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء﴾ [النساء: ٣] و ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فلا يخرج منه شيء إلا بما يوجب التخصيص ؛ ولم ينتهض ما ذكر حجة مخرجة ؛ أما أولاً : فالمفهومان أعني مفهوم الشرط ومفهوم الصفة ليسا بحجة عنده رضي الله تعالى عنه كما تقرر في الأصول، وأما ثانياً : فبتقدير الحجة مقتضى المفهومين عدم الإباحة الثابتة عند وجود القيد المبيح، وعدم الإباحة أعم من ثبوت الحرمة أو الكراهة، ولا دلالة للأعم على أخص بخصوصه فيجوز ثبوت الكراهة عند وجود طول الحرة كما يجوز ثبوت الحرمة على السواء، والكراهة أقل فتعينت فقلنا بها، وبالكراهة صرح في «البدائع »، وعلل بعضهم عدم حل تزوج الأمة حيث لم يتحقق الشرط بتعريض الولد للرق لتثبت الحرمة بالقياس على أصول شتى، أو ليتعين أحد فردي الأعم الذي هو عدم الإباحة وهو التحريم مراداً بالأعم.
واعترض بأنهم إن عنوا أن فيه تعريضاً موصوفاً بالحرية للرق سلمنا استلزامه للحرمة لكن وجود الوصف ممنوع إذ ليس هنا متصف بحرية عرض للرق بل الوصفان من الحرية والرق يقارنان وجود الولد باعتبار أمه إن كانت حرة فحر، أو رقيقة فرقيق، وإن أرادوا به تعريض الولد الذي سيوجد لأن يقارنه الرق في الوجود لا إرقاقه سلمنا وجوده ومنعنا تأثيره في الحرمة بل في الكراهة، وهذا لأنه كان له أن لا يحصل الولد أصلاً بنكاح الآيسة ونحوها فلأن يكون له أن يحصل رقيقاً بعد كونه مسلماً أولى إذ المقصود بالذات من التناسل تكثير المقرين لله تعالى بالوحدانية والألوهية وما يجب أن يعترف له به وهذا ثابت بالولد المسلم، والحرية مع ذلك كمال يرجع أكثره إلى أمر دنيوي وقد جاز للعبد أن يتزوج أمتين بالاتفاق مع أن فيه تعريض الولد للرق في موضع الاستغناء عن ذلك وعدم الضرورة، وكون العبد أباً لا أثر له في ثبوت رق الولد فإنه لو تزوج حرة كان ولده حراً والمانع إنما يعقل كونه ذات الرق لأنه الموجب للنقص الذي جعلوه محرماً لا مع قيد حرية الأب فوجب استواء العبد والحر في هذا الحكم لو صح ذلك التعليل قاله ابن الهمام وفيه مناقشة مّا فتأمل.
وفي هذه الآية ما يشير إلى وهن استدلال الشيعة بالآية السابقة على حل المتعة لأن الله تعالى أمر فيها بالاكتفاء بنكاح الإماء عند عدم الطول إلى نكاح الحرائر فلو كان أحل المتعة في الكلام السابق لما قال سبحانه بعده :﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ﴾ الخ لأن المتعة في صورة عدم الطول المذكور ليست قاصرة في قضاء حاجة الجماع بل كانت بحكم لكل جديد لذة أطيب وأحسن على أن المتعة أخف مؤنة وأقل كلفة فإنها مادة يكفي فيها الدرهم والدرهمان فأية ضرورة كانت داعية إلى نكاح الإماء ؟ ولعمري إن القول بذلك أبعد بعيد كما لا يخفى على من أطلق من ربقة قيد التقليد
﴿والله أَعْلَمُ بإيمانكم﴾ جملة معترضة جيء بها تأنيساً لقلوبهم وإزالة للنفرة عن نكاح الإماء ببيان أن مناط التفاخر الإيمان دون الأحساب والأنساب، ورب أمة يفوق إيمانها إمان كثير من الحرائر.
والمعنى أنه تعالى أعلم منكم بمراتب إيمانكم الذي هو المدار في الدارين فليكن هو مطمح نظركم، وقيل : جيء بها للإشارة إلى أن الإيمان الظاهر كاف في صحة نكاح الأمة ولا يشترط في ذلك العلم بالإيمان علماً يقينياً إذ لا سبيل إلى الوقوف على الحقائق إلا لعلام الغيوب ﴿بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ﴾ أي أنتم وفتياتكم متناسبون إما من حيث الدين وإما من حيث النسب، وعلى الثاني يكون اعتراضاً آخر مؤكداً للتأنيس من جهة أخرى ؛ وعلى الأول يكون بياناً لتناسبهم من تلك الحيثية إثر بيان تفاوتهم في ذلك، وأياً ما كان فبعضكم مبتدأ والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً له، وزعم بعضهم أن ( بعضكم ) فاعل للفعل المحذوف، قيل : وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير فلينكح بعضكم من بعض الفتيات، ولا ينبغي أن يخرج كتاب الله تعالى الجلي على ذلك.
﴿فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ مترتب على ما قبله ولذا صدر بالفاء أي فإذا وقعتم على جلية الأمر فانكحوهن الخ وأعيد الأمر مع فهمه مما قبله لزيادة الترغيب في نكاحهن، أو لأن المفهوم منه الإباحة وهذا للوجوب. والمراد من الأهل الموالي، وحمل الفقهاء ذلك على من له ولاية التزويج ولو غير مالك فقد قالوا : للأب والجد والقاضي والوصي تزويج أمة اليتيم لكن في «الظهيرية » الوصي لو زوج أمة اليتيم من لكن في الظهيرية الوصي لو زوج أمة اليتيم من عبده لا يجوز، وفي «جامع الفصولين » القاضي لا يملك تزويج أمة الغائب، وفي «فتح القدير » للشريك المفاوض تزويج الأمة، وليس لشريك العنان والمضارب والعبد المأذون تزويجها عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ومحمد، وقال أبو يوسف : يملكون ذلك، وهذا الإذن شرط عندنا لجواز نكاح الأمة فلا يجوز نكاحها بلا إذن، والمراد بعدم الجواز عدم النفاذ لا عدم الصحة بل هو موقوف كعقد الفضولي، وإلى هذا ذهب مالك وهو رواية عند أحمد ومثل ذلك نكاح العبد واستدلوا على عدم الجواز فيهما بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث جابر، وقال : حديث حسن عن النبي ﷺ قال :
" أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر " والعهرالزنا وهو محمول على ما إذا وطىء لا بمجرد العقد وهو زنا شرعي لا فقهي فلم يلزم منه وجوب الحد لأنه مرتب على الزنا الفقهي كما بين في الفروع، وبأن في تنفيذ نكاحهما تعييبهما إذ النكاح عيب فيهما فلا يملكانه إلا بإذن مولاهما، ونسب إلى الإمام مالك ولم يصح أنه يجوز نكاح العبد بلا إذن السيد لأنه يملك الطلاق فيملك النكاح، وأجيب بالفرق فإن الطلاق إزالة عيب عن نفسه بخلاف النكاح، قال ابن الهمام : لا يقال : يصح إقرار العبد على نفسه بالحد والقصاص مع أن فيه هلاكه فضلاً عن تعييبه لأنا نقول : هو لا يدخل تحت ملك السيد فيما يتعلق به خطاب الشرع أمراً ونهياً كالصلاة والغسل والصوم والزنا والشرب وغيره إلا فيما علم إسقاط الشارع إياه عنه كالجمعة. والحج، ثم هذه الأحكام تجب جزاءاً على ارتكاب المحظور شرعاً، فقد أخرجه عن ملكه في ذلك الذي أدخله فيه باعتبار غير ذلك وهو الشارع زجراً عن الفساد وأعاظم العيوب انتهى. ادعى بعض الحنفية أن الآية تدل على أن للإماء أن يباشرن العقد بأنفسهن لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم. واعترض بأن عدم الاعتبار لا يوجب اعتبار العدم فلعل العاقد يكون هو المولى أو الوكيل فلا يلزم جواز عقدهن كما لا يخفى، ولو كانت الأمة مشتركة بين اثنين مثلاً لا يجوز نكاحها إلا بإذن الكل، وفي «الظهيرية » لو زوج أحد الموليين أمته ودخل بها الزوج فللآخر النقض فإن نقض فله نصف مهر المثل وللزوج الأقل من نصف مهر المثل، ومن نصف المسمى وحكى معتق البعض حكم كامل الرق عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، وعندهما يجوز نكاحه بلا إذن لأنه حر مديون
﴿وَءاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي أدوا إليهن مهورهن بإذن أهلن وحذف هذا القيد لتقدم ذكره لا لأن العطف يوجب مشاركة المعطوف المعطوف عليه في القيد، ويحتمل أنه يكون في الكلام مضاف محذوف أي آتوا أهلهن، ولعل ما تقدم قرينة عليه، قيل : ونكتة اختيار ( آتوهن ) على أتوهم مع تقدم الأهل على ما ذكره بعض المحققين إن في ذلك تأكيداً لإيجاب المهر وإشعاراً بأنه حقهن من هذه الجهة، وإنما تأخذه الموالي بجهة ملك اليمين، والداعي لهذا كله أن المهر للسيد عند أكثر الأئمة لأنه عوض حقه. وقال الإمام مالك : الآية على ظاهرها والمهر للأمة، وهذا يوجب كون الأمة مالكة مع أنه لا ملك للعبد فلا بد أن تكون مالكة له يداً كالعبد المأذون له بالتجارة لأن جعلها منكوحة إذن لها فيجب التسليم إليهن كما هو ظاهر الآية، وإن حملت الأجور على النفقات استغنى عن اعتبار التقدير أولاً وآخراً، وكذا إن فسر قوله تعالى.
﴿بالمعروف﴾ بما عرف شرعاً من إذن الموالي، والمعروف فيه أنه متعلق بآتوهن والمراد أدوا إليهن من غير مماطلة وإضرار، ويجوز أن يكون حالاً أي متلبسات بالمعروف غير ممطولات أو متعلقاً بأنكحوهن أي فانكحوهنّ بالوجه المعروف يعني بإذن أهلهنّ ومهر مثلهنّ
﴿محصنات﴾ حال إما من مفعول ﴿*آتوهن﴾ فهو بمعنى متزوجات، أو من مفعول ﴿بَعْضٍ فانكحوهن﴾ فهو بمعنى عفائف، وحمله على مسلمات وإن جاز خصوصاً على مذهب الجمهور الذين لا يجيزون نكاح الأمة الكتابية لكن هذا الشرط تقدم في قوله سبحانه :﴿فتياتكم المؤمنات﴾ فليس في إعادته كثير جدوى
| إن الفرزدق صخرة ملمومة | ( طالت ) فليس تنالها الأوعالا |
وقوله تعالى وتقدس :﴿فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم﴾ جواب الشرط أو خبر الموصول وجاءت الفاء لما مر غير مرة، و ﴿مَا﴾ موصولة في محل جر بمن التبعيضية، والجار والمجرور متعلق بفعل مقدر حذف مفعوله، وفي الحقيقة متعلق بمحذوف وقع صفة لذلك المفعول أي فلينكح امرأة كائنة بعض النوع الذي ملكته أيمانكم، وأجاز أبو البقاء كون ( من ) زائدة أي فلينكح ما ملكته أيمانكم، وقوله تعالى :﴿مّن فتياتكم﴾ أي إمائكم ﴿المؤمنات﴾ في موضع الحال من الضمير المحذوف العائد إلى ﴿مَا﴾، وقيل :( من ) زائدة، و ﴿فتياتكم﴾ هو المفعول للفعل المقدر قبل، و مما ملكت متعلق بنفس الفعل، و ( من ) لابتداء الغاية، أو متعلق بمحذوف وقع حالاً من هذا المفعول، و ( من ) للتبعيض، و ( المؤمنات ) على جميع الأوجه صفة ( فتياتكم )، وقيل : هو مفعول ذلك الفعل المقدر، وفيه بعد.
وظاهر الآية يفيد عدم جواز نكاح الأمة للمستطيع لمفهوم الشرط كما ذهب إليه الشافعي وعدم جواز نكاح الأمة الكتابية مطلقاً لمفهوم الصفة كما هو رأي أهل الحجاز وجوزهما الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه لإطلاق المقتضى من قوله تعالى :﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء﴾ [النساء: ٣] و ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فلا يخرج منه شيء إلا بما يوجب التخصيص ؛ ولم ينتهض ما ذكر حجة مخرجة ؛ أما أولاً : فالمفهومان أعني مفهوم الشرط ومفهوم الصفة ليسا بحجة عنده رضي الله تعالى عنه كما تقرر في الأصول، وأما ثانياً : فبتقدير الحجة مقتضى المفهومين عدم الإباحة الثابتة عند وجود القيد المبيح، وعدم الإباحة أعم من ثبوت الحرمة أو الكراهة، ولا دلالة للأعم على أخص بخصوصه فيجوز ثبوت الكراهة عند وجود طول الحرة كما يجوز ثبوت الحرمة على السواء، والكراهة أقل فتعينت فقلنا بها، وبالكراهة صرح في «البدائع »، وعلل بعضهم عدم حل تزوج الأمة حيث لم يتحقق الشرط بتعريض الولد للرق لتثبت الحرمة بالقياس على أصول شتى، أو ليتعين أحد فردي الأعم الذي هو عدم الإباحة وهو التحريم مراداً بالأعم.
واعترض بأنهم إن عنوا أن فيه تعريضاً موصوفاً بالحرية للرق سلمنا استلزامه للحرمة لكن وجود الوصف ممنوع إذ ليس هنا متصف بحرية عرض للرق بل الوصفان من الحرية والرق يقارنان وجود الولد باعتبار أمه إن كانت حرة فحر، أو رقيقة فرقيق، وإن أرادوا به تعريض الولد الذي سيوجد لأن يقارنه الرق في الوجود لا إرقاقه سلمنا وجوده ومنعنا تأثيره في الحرمة بل في الكراهة، وهذا لأنه كان له أن لا يحصل الولد أصلاً بنكاح الآيسة ونحوها فلأن يكون له أن يحصل رقيقاً بعد كونه مسلماً أولى إذ المقصود بالذات من التناسل تكثير المقرين لله تعالى بالوحدانية والألوهية وما يجب أن يعترف له به وهذا ثابت بالولد المسلم، والحرية مع ذلك كمال يرجع أكثره إلى أمر دنيوي وقد جاز للعبد أن يتزوج أمتين بالاتفاق مع أن فيه تعريض الولد للرق في موضع الاستغناء عن ذلك وعدم الضرورة، وكون العبد أباً لا أثر له في ثبوت رق الولد فإنه لو تزوج حرة كان ولده حراً والمانع إنما يعقل كونه ذات الرق لأنه الموجب للنقص الذي جعلوه محرماً لا مع قيد حرية الأب فوجب استواء العبد والحر في هذا الحكم لو صح ذلك التعليل قاله ابن الهمام وفيه مناقشة مّا فتأمل.
وفي هذه الآية ما يشير إلى وهن استدلال الشيعة بالآية السابقة على حل المتعة لأن الله تعالى أمر فيها بالاكتفاء بنكاح الإماء عند عدم الطول إلى نكاح الحرائر فلو كان أحل المتعة في الكلام السابق لما قال سبحانه بعده :﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ﴾ الخ لأن المتعة في صورة عدم الطول المذكور ليست قاصرة في قضاء حاجة الجماع بل كانت بحكم لكل جديد لذة أطيب وأحسن على أن المتعة أخف مؤنة وأقل كلفة فإنها مادة يكفي فيها الدرهم والدرهمان فأية ضرورة كانت داعية إلى نكاح الإماء ؟ ولعمري إن القول بذلك أبعد بعيد كما لا يخفى على من أطلق من ربقة قيد التقليد
﴿والله أَعْلَمُ بإيمانكم﴾ جملة معترضة جيء بها تأنيساً لقلوبهم وإزالة للنفرة عن نكاح الإماء ببيان أن مناط التفاخر الإيمان دون الأحساب والأنساب، ورب أمة يفوق إيمانها إمان كثير من الحرائر.
والمعنى أنه تعالى أعلم منكم بمراتب إيمانكم الذي هو المدار في الدارين فليكن هو مطمح نظركم، وقيل : جيء بها للإشارة إلى أن الإيمان الظاهر كاف في صحة نكاح الأمة ولا يشترط في ذلك العلم بالإيمان علماً يقينياً إذ لا سبيل إلى الوقوف على الحقائق إلا لعلام الغيوب ﴿بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ﴾ أي أنتم وفتياتكم متناسبون إما من حيث الدين وإما من حيث النسب، وعلى الثاني يكون اعتراضاً آخر مؤكداً للتأنيس من جهة أخرى ؛ وعلى الأول يكون بياناً لتناسبهم من تلك الحيثية إثر بيان تفاوتهم في ذلك، وأياً ما كان فبعضكم مبتدأ والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً له، وزعم بعضهم أن ( بعضكم ) فاعل للفعل المحذوف، قيل : وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير فلينكح بعضكم من بعض الفتيات، ولا ينبغي أن يخرج كتاب الله تعالى الجلي على ذلك.
﴿فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ مترتب على ما قبله ولذا صدر بالفاء أي فإذا وقعتم على جلية الأمر فانكحوهن الخ وأعيد الأمر مع فهمه مما قبله لزيادة الترغيب في نكاحهن، أو لأن المفهوم منه الإباحة وهذا للوجوب. والمراد من الأهل الموالي، وحمل الفقهاء ذلك على من له ولاية التزويج ولو غير مالك فقد قالوا : للأب والجد والقاضي والوصي تزويج أمة اليتيم لكن في «الظهيرية » الوصي لو زوج أمة اليتيم من لكن في الظهيرية الوصي لو زوج أمة اليتيم من عبده لا يجوز، وفي «جامع الفصولين » القاضي لا يملك تزويج أمة الغائب، وفي «فتح القدير » للشريك المفاوض تزويج الأمة، وليس لشريك العنان والمضارب والعبد المأذون تزويجها عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ومحمد، وقال أبو يوسف : يملكون ذلك، وهذا الإذن شرط عندنا لجواز نكاح الأمة فلا يجوز نكاحها بلا إذن، والمراد بعدم الجواز عدم النفاذ لا عدم الصحة بل هو موقوف كعقد الفضولي، وإلى هذا ذهب مالك وهو رواية عند أحمد ومثل ذلك نكاح العبد واستدلوا على عدم الجواز فيهما بما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث جابر، وقال : حديث حسن عن النبي ﷺ قال :
" أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر " والعهرالزنا وهو محمول على ما إذا وطىء لا بمجرد العقد وهو زنا شرعي لا فقهي فلم يلزم منه وجوب الحد لأنه مرتب على الزنا الفقهي كما بين في الفروع، وبأن في تنفيذ نكاحهما تعييبهما إذ النكاح عيب فيهما فلا يملكانه إلا بإذن مولاهما، ونسب إلى الإمام مالك ولم يصح أنه يجوز نكاح العبد بلا إذن السيد لأنه يملك الطلاق فيملك النكاح، وأجيب بالفرق فإن الطلاق إزالة عيب عن نفسه بخلاف النكاح، قال ابن الهمام : لا يقال : يصح إقرار العبد على نفسه بالحد والقصاص مع أن فيه هلاكه فضلاً عن تعييبه لأنا نقول : هو لا يدخل تحت ملك السيد فيما يتعلق به خطاب الشرع أمراً ونهياً كالصلاة والغسل والصوم والزنا والشرب وغيره إلا فيما علم إسقاط الشارع إياه عنه كالجمعة. والحج، ثم هذه الأحكام تجب جزاءاً على ارتكاب المحظور شرعاً، فقد أخرجه عن ملكه في ذلك الذي أدخله فيه باعتبار غير ذلك وهو الشارع زجراً عن الفساد وأعاظم العيوب انتهى. ادعى بعض الحنفية أن الآية تدل على أن للإماء أن يباشرن العقد بأنفسهن لأنه اعتبر إذن الموالي لا عقدهم. واعترض بأن عدم الاعتبار لا يوجب اعتبار العدم فلعل العاقد يكون هو المولى أو الوكيل فلا يلزم جواز عقدهن كما لا يخفى، ولو كانت الأمة مشتركة بين اثنين مثلاً لا يجوز نكاحها إلا بإذن الكل، وفي «الظهيرية » لو زوج أحد الموليين أمته ودخل بها الزوج فللآخر النقض فإن نقض فله نصف مهر المثل وللزوج الأقل من نصف مهر المثل، ومن نصف المسمى وحكى معتق البعض حكم كامل الرق عند الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه، وعندهما يجوز نكاحه بلا إذن لأنه حر مديون
﴿وَءاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي أدوا إليهن مهورهن بإذن أهلن وحذف هذا القيد لتقدم ذكره لا لأن العطف يوجب مشاركة المعطوف المعطوف عليه في القيد، ويحتمل أنه يكون في الكلام مضاف محذوف أي آتوا أهلهن، ولعل ما تقدم قرينة عليه، قيل : ونكتة اختيار ( آتوهن ) على أتوهم مع تقدم الأهل على ما ذكره بعض المحققين إن في ذلك تأكيداً لإيجاب المهر وإشعاراً بأنه حقهن من هذه الجهة، وإنما تأخذه الموالي بجهة ملك اليمين، والداعي لهذا كله أن المهر للسيد عند أكثر الأئمة لأنه عوض حقه. وقال الإمام مالك : الآية على ظاهرها والمهر للأمة، وهذا يوجب كون الأمة مالكة مع أنه لا ملك للعبد فلا بد أن تكون مالكة له يداً كالعبد المأذون له بالتجارة لأن جعلها منكوحة إذن لها فيجب التسليم إليهن كما هو ظاهر الآية، وإن حملت الأجور على النفقات استغنى عن اعتبار التقدير أولاً وآخراً، وكذا إن فسر قوله تعالى.
﴿بالمعروف﴾ بما عرف شرعاً من إذن الموالي، والمعروف فيه أنه متعلق بآتوهن والمراد أدوا إليهن من غير مماطلة وإضرار، ويجوز أن يكون حالاً أي متلبسات بالمعروف غير ممطولات أو متعلقاً بأنكحوهن أي فانكحوهنّ بالوجه المعروف يعني بإذن أهلهنّ ومهر مثلهنّ
﴿محصنات﴾ حال إما من مفعول ﴿*آتوهن﴾ فهو بمعنى متزوجات، أو من مفعول ﴿بَعْضٍ فانكحوهن﴾ فهو بمعنى عفائف، وحمله على مسلمات وإن جاز خصوصاً على مذهب الجمهور الذين لا يجيزون نكاح الأمة الكتابية لكن هذا الشرط تقدم في قوله سبحانه :﴿فتياتكم المؤمنات﴾ فليس في إعادته كثير جدوى