البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الخدن والخدين : الصاحب.
الطول : الفضل، يقال منه : طال عليه يطول طولاً فضل عليه.
وقال الليث والزجاج : الطول القدرة. انتهى.
ويقال له : عليه طول أي زيادة وفضل، وقد طاله طولاً فهو طائل.
قال الشاعر :
ومنه الطول في الجسم لأنه زيادة فيه، كما أن القصر قصور فيه ونقصان.
الفتاة الحديثة السن والفتاء الحداثة.
قال : فقد ذهب المروءة والفتاء.
وقال ابن منصور الجواليقي : المتفتية والفتاة المراهقة، والفتى الرفيق، ومنه :﴿وإذ قال موسى لفتاه﴾ والفتى : العبد.
ومنه :« لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي ولكن ليقل فتاي وفتاتي »
﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ الطول : السعة في المال قاله : ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، والسدي، وابن زيد، ومالك في المدونة.
وقال ابن مسعود، وجابر، وعطاء، والشعبي، والنخعي، وربيعة : الطول هنا الجلد والصبر لمن أحب أمة وهويها حتى صار لا يستطيع أن يتزوج غيرها فله أن يتزوجها، وإن كان يجد سعة في المال لنكاح حرة.
والمحصنات هنا الحرائر، يدل على ذلك التقسيم بينهن وبين الإماء.
وقالت فرقة : معناه العفائف، وهو ضعيف.
واختلفوا في جواز نكاح الأمة لواجد طول الحرة.
وظاهر الآية يدل على أنّ من لم يستطع ما يتزوج به الحرة المؤمنة وخاف العنت، فيجوز له أن يتزوج الأمة المؤمنة، ويكون هذا تخصيصاً لعموم قوله :﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾
فيكون تخصيصاً في الناكح بشرط أن لا يجد طول الحرة ويخاف العنت، وتخصيصاً في إمائكم بقوله : من فتيانكم المؤمنات، وتخصيص جواز نكاح الإماء بالمؤمنات لغير واجد طول الحرة، هو مذهب أهل الحجاز.
فلا يجوز له نكاح الأمة الكتابية، وبه قال : الأوزاعي، والليث، ومالك، والشافعي.
وذهب العراقيون أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والحسن بن زياد والثوري ومن التابعين الحسن ومجاهد إلى جواز ذلك.
ونكاح الأمة المؤمنة أفضل، فحملوه على الفضل لا على الوجوب.
واستدلوا على أنّ الإيمان ليس بشرط بكونه وصف به الحرائر في قوله : أن ينكح المحصنات المؤمنات، وليس بشرط فيهن اتفاقاً، لكنه أفضل.
وقال ابن عباس : وسع الله على هذه الأمة بنكاح الأمة، واليهودية، والنصرانية.
وقد اختلف السلف في ذلك اختلافاً كثيراً : روي عن ابن عباس، وجابر، وابن جبير، والشعبي، ومكحول : لا يتزوج الأمة إلا من لا يجد طولاً للحرة، وهذا هو ظاهر القرآن.
وروي عن مسروق، والشعبي : أن نكاحها بمنزلة الميتة والدم ولحم الخنزير، يعني : أنه يباح عند الضرورة.
وروي عن علي، وأبي جعفر، ومجاهد، وابن المسيب، وابراهيم، والحسن، والزهري : أن له نكاحها، وإن كان موسراً.
وروي عن عطاء، وجابر بن زيد : أنه يتزوجها إن خشي أن يزني بها، ولو كان تحته حرة.
قال عطاء : يتزوج الأمة على الحرة.
وقال ابن مسعود : لا يتزوجها عليها إلا المملوك.
وقال عمر، وعلي، وابن المسيب، ومكحول في آخرين : لا يتزوجها عليها.
وهذا الذي يقتضيه النظر، لأن القرآن دل على أنه لا ينكح الأمة إلا مَن لا يجد طولاً للحرة.
فإذا كانت تحته حرة، فبالأولى أن لا يجوز له نكاح الأمة، لأن وجدان الطول للحرة إنما هو سبب لتحصيلها، فإذا كانت حاصلة كان أولى بالمنع.
وقال ابراهيم : يتزوج الأمة على الحرة إن كان له من الأمة ولد.
وقال ابن المسيب : لا ينكحها عليها إلا أن تشاء الحرة، ويقسم للحرة يومين، وللأمة يوماً وظاهر قوله : فمما ملكت أيمانكم، جواز نكاح عادم طول الحرة المؤمنة أربعاً من الإماء إن شاء.
وروي عن ابن عباس : أنه لا يتزوج من الإماء أكثر من واحدة، وإذا لم يكن شرطاً في الأمة الإيمان فظاهر قوله : فمما ملكت أيمانكم من فتيانكم، أنه لو كانت الكتابية مولاها كافر لم يجز نكاحها، لأنه خاطب بقوله : فمما ملكت أيمانكم من فتيانكم المؤمنات، فاختص بفتيات المؤمنين، وروي عن أبي يوسف : جواز ذلك على كراهة.
وإذا لم يكن الإيمان شرطاً في نكاح الأمة، فالظاهر جواز نكاح الأمة الكافرة مطلقاً، سواء كانت كتابية، أو مجوسية، أو وثنية، أم غير ذلك من أنواع الكفار.
وأجمعوا على تحريم نكاح الأمة الكافرة غير الكتابية : كالمجوسية، والوثنية، وغيرهما.
وأما وطء المجوسية بملك اليمين فأجازه : طاوس، وعطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار.
ودلت على هذا القول ظواهر القرآن في عموم : ما ملكت أيمانكم، وعموم ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ قالوا : وهذا قول شاذ مهجور، لم يلتفت إليه أحد من فقهاء الأمصار.
وقالوا : لا يحل له أن يطأها حتى تسلم.
وقالوا : إنما كان نكاح الأمة منحطاً عن نكاح الحرة لما فيه من اتباع الولد لأمه في الرق، ولثبوت حق سيدها فيها، وفي استخدامها، ولتبذلها بالولوج والخروج، وفي ذلك نقصان نكاحها ومهانته إذ رضي بهذا كله، والعزة من صفات المؤمنين.
ومن مبتدأ، وظاهره أنه شرط.
والفاء في : فمما ملكت فاء الجواب، ومن تتعلق بمحذوف تقديره : فلينكح من ما ملكت.
ويجوز أن يكون مَن موصولة، ويكون العامل المحذوف الذي يتعلق به قوله : مما ملكت جملة في موضع الخبر.
ومسوغات دخول الفاء في خبر المبتدأ موجودة هنا.
والظاهر أنَّ مفعول يستطع هو طولاً، وأن ينكح على هذا أجازوا، فيه أن يكون أصله بحرف جر، فمنهم من قدره بإلى، ومنهم من قدره باللام أي : طولاً إلى أن ينكح، أو لأن ينكح، ثم حذف حرف الجر، فإذا قدر إلى، كان المعنى : ومَن لم يستطع منكم وصلة إلى أن ينكح.
وإذا قدر باللام، كان في موضع الصفة التقدير : طولاً أي : مهراً كائناً لنكاح المحصنات.
وقيل : اللام المقدرة لام المفعول له أي : طولاً لأجل نكاح المحصنات، وأجازوا أن يكون : أن ينكح في موضع نصب على المفعول به، وناصبة طول.
إذ جعلوه مصدر طلت الشيء أي نلته، قالوا : ومنه قول الفرزدق :
أي طالت الأوعال أي : ويكون التقدير ومَن لم يستطع منكم أن ينال نكاح المحصنات.
ويكون قد أعمل المصدر المنون في المفعول به كقوله :
وهذا على مذهب البصريين إذ أجازوا إعمال المصدر المنون.
وإلى أنَّ طولاً مفعول ليستطيع، وإن ينكح في موضع مفعول بقوله : طولاً، إذ هو مصدر.
ذهب أبو علي في التذكرة، وأجازوا أيضاً أن يكون أن ينكح بدلاً من طول، قالوا : بدل الشيء من الشيء، وهما لشيء واحد، لأن الطول هو القدرة والنكاح قدرة.
وأجازوا أن يكون مفعول يستطع قوله : أن ينكح.
وفي نصب قوله : طولاً وجهان : أحدهما : أن يكون مفعولاً من أجله على حذف مضاف، أي : ومن لم يستطع منكم لعدم طول نكاح المحصنات.
والثاني : قاله : ابن عطية.
قال : ويصح أن يكون طولاً نصب على المصدر، والعامل فيه الاستطاعة، لأنها بمعنى يتقارب.
وأن ينكح على هذا مفعول بالاستطاعة، أو بالمصدر انتهى كلامه.
وكأنه يعني أنَّ الطول هو استطاعة، فيكون التقدير : ومن لم يستطع منكم استطاعة أن ينكح.
وما من قوله : فمما ملكت، موصولة اسمية أي : فلينكح من النوع الذي ملكته أيمانكم.
ومن فتياتكم : في موضع الحال من الضمير المحذوف في ما ملكت، العائد على ما.
ومفعول الفعل المحذوف الذي هو فلينكح محذوف، التقدير : فلينكح أمة مما ملكت أيمانكم.
ومِن للتبعيض، نحو : أكلت من الرغيف.
وقيل : مِن في من ما زائدة، ومفعول ذلك الفعل هو ما من قوله : ما ملكت أيمانكم.
وقيل : مفعوله فتياتكم على زيادة من.
وقيل : مفعوله المؤمنات، والتقدير : فلينكح مما ملكت أيمانكم من فتياتكم الفتيات المؤمنات.
والأظهر أن المؤمنات صفة لفتياتكم.
وقيل : ما مصدرية التقدير، من ملك إيمانكم.
وعلى هذا يتعلق من فتياتكم بقوله : ملكت.
ومن أغرب ما سطروه في كتب التفسير ونقلوه عن قول الطبري : أنّ فاعل ذلك الفعل المحذوف هو قوله :﴿بعضكم من بعض﴾ وفي الكلام تقديم وتأخير.
والتقدير : وَمَنْ لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضهم من بعض الفتيات، وهذا قول ينزه حمل كتاب الله عليه، لأنه قول جمع الجهل بعلم النحو وعلم المعاني، وتفكيك نظم القرآن عن أسلوبه الفصيح، فلا ينبغي أن يسطر ولا يلتفت إليه.
ومنكم : خطاب للناكحين، وفي : أيمانكم من فتياتكم خطاب للمالكين، وليس المعنى أن الرجل ينكح فتاة نفسه، وهذا التوسع في اللغة كثير.
﴿والله أعلم بإيمانكم﴾ لما خاطب المؤمنين بالحكم الذي ذكره من تجويز نكاح عادم طول الحرة المؤمنة للأمة المؤمنة، نبّه على أنّ الإيمان هو وصف باطن، وأنّ المطلع عليه هو الله.
فالمعنى : أنه لا يشترط في إيمان الفتيات أن يكونوا عالمين بذلك العلم اليقين، لأن ذلك إنما هو لله تعالى، فيكفي من الإيمان منهن إظهاره.
فمن كانت مظهرة للإيمان فنكاحها صحيح، وربما كانت خرساء، أو قريبة عهد بسباء وأظهرت الإيمان، فيكتفي بذلك منها.
والخطاب في بإيمانكم للمؤمنين ذكورهم وإناثهم، حرهم ورقهم، وانتظم الإيمان في هذا الخطاب، ولم يفردن بذلك فلم يأت والله أعلم بإيمانهن، لئلا يخرج غيرهن عن هذا الخطاب.
والمقصود : عموم الخطاب، إذ كلهم محكوم عليه بذلك.
وكم أمة تفوق حرة في الإيمان وفعل الخير، وامرأة تفوق رجلاً في ذلك، وفي ذلك تأنيس لنكاح الإماء، وأن المؤمن لا يعتبر الأفضل الإيمان، لا فضل الأحساب والأنساب ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، « لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي إلا بالتقوى »
﴿بعضكم من بعض﴾ هذه جملة من مبتدأ وخبر، وقد تقدم قول الطبري في أن ارتفاع بعضكم على الفاعلية بالفعل المحذوف، ومعنى هذه الجملة الابتدائية : التأنيس أيضاً بنكاح الإماء، وأن الأحرار والأرقاء كلهم متواصلون متناسبون يرجعون إلى أصل واحد، وقد اشتركوا في الإيمان، فليس بضائر نكاح الإماء.
وفيه توطئة العرب، إذ كانت في الجاهلية تستهجن ولد الأمة، وكانوا يسمونه الهجين، فلما جاء الشرع أزال ذلك.
وما أحسن ما روي عن عليّ من قوله :
﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾ هذا أمر إباحة، والمعنى : بولاية ملاكهن.
والمراد بالنكاح هنا : العقد، ولذلك ذكر إيتاء الأجر بعده أي المهر.
وسمي ملاك الإماء أهلاً لهن، لأنهم كالأهل، إذ رجوع الأمة إلى سيدها في كثير من الأحكام.
وقد قال ﷺ :« لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد ».
وقال ﷺ :« موالي القوم منهم ».
وقيل : هو على حذف مضاف بإذن أهل ولايتهن، وأهل ولاية نكاحهن هم الملاك.
ومقتضى هذا الخطاب أنّ الأدب شرط في صحة النكاح، فلو تزوجت بغير إذن السيد لم يصح النكاح، ولو أجازه السيد بخلاف العبد.
فإنه لو تزوج بغير إذن سيده فإن مذهب الحسن وعطاء، وابن المسيب، وشريح، والشعبي، ومالك، وأبي حنيفة : أنّ
الطول : الفضل، يقال منه : طال عليه يطول طولاً فضل عليه.
وقال الليث والزجاج : الطول القدرة. انتهى.
ويقال له : عليه طول أي زيادة وفضل، وقد طاله طولاً فهو طائل.
قال الشاعر :
| لقد زادني حباً لنفسي أنني | بغيض إلى كل امرىء غير طائل |
الفتاة الحديثة السن والفتاء الحداثة.
قال : فقد ذهب المروءة والفتاء.
وقال ابن منصور الجواليقي : المتفتية والفتاة المراهقة، والفتى الرفيق، ومنه :﴿وإذ قال موسى لفتاه﴾ والفتى : العبد.
ومنه :« لا يقل أحدكم عبدي ولا أمتي ولكن ليقل فتاي وفتاتي »
﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ الطول : السعة في المال قاله : ابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، والسدي، وابن زيد، ومالك في المدونة.
وقال ابن مسعود، وجابر، وعطاء، والشعبي، والنخعي، وربيعة : الطول هنا الجلد والصبر لمن أحب أمة وهويها حتى صار لا يستطيع أن يتزوج غيرها فله أن يتزوجها، وإن كان يجد سعة في المال لنكاح حرة.
والمحصنات هنا الحرائر، يدل على ذلك التقسيم بينهن وبين الإماء.
وقالت فرقة : معناه العفائف، وهو ضعيف.
واختلفوا في جواز نكاح الأمة لواجد طول الحرة.
وظاهر الآية يدل على أنّ من لم يستطع ما يتزوج به الحرة المؤمنة وخاف العنت، فيجوز له أن يتزوج الأمة المؤمنة، ويكون هذا تخصيصاً لعموم قوله :﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾
فيكون تخصيصاً في الناكح بشرط أن لا يجد طول الحرة ويخاف العنت، وتخصيصاً في إمائكم بقوله : من فتيانكم المؤمنات، وتخصيص جواز نكاح الإماء بالمؤمنات لغير واجد طول الحرة، هو مذهب أهل الحجاز.
فلا يجوز له نكاح الأمة الكتابية، وبه قال : الأوزاعي، والليث، ومالك، والشافعي.
وذهب العراقيون أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والحسن بن زياد والثوري ومن التابعين الحسن ومجاهد إلى جواز ذلك.
ونكاح الأمة المؤمنة أفضل، فحملوه على الفضل لا على الوجوب.
واستدلوا على أنّ الإيمان ليس بشرط بكونه وصف به الحرائر في قوله : أن ينكح المحصنات المؤمنات، وليس بشرط فيهن اتفاقاً، لكنه أفضل.
وقال ابن عباس : وسع الله على هذه الأمة بنكاح الأمة، واليهودية، والنصرانية.
وقد اختلف السلف في ذلك اختلافاً كثيراً : روي عن ابن عباس، وجابر، وابن جبير، والشعبي، ومكحول : لا يتزوج الأمة إلا من لا يجد طولاً للحرة، وهذا هو ظاهر القرآن.
وروي عن مسروق، والشعبي : أن نكاحها بمنزلة الميتة والدم ولحم الخنزير، يعني : أنه يباح عند الضرورة.
وروي عن علي، وأبي جعفر، ومجاهد، وابن المسيب، وابراهيم، والحسن، والزهري : أن له نكاحها، وإن كان موسراً.
وروي عن عطاء، وجابر بن زيد : أنه يتزوجها إن خشي أن يزني بها، ولو كان تحته حرة.
قال عطاء : يتزوج الأمة على الحرة.
وقال ابن مسعود : لا يتزوجها عليها إلا المملوك.
وقال عمر، وعلي، وابن المسيب، ومكحول في آخرين : لا يتزوجها عليها.
وهذا الذي يقتضيه النظر، لأن القرآن دل على أنه لا ينكح الأمة إلا مَن لا يجد طولاً للحرة.
فإذا كانت تحته حرة، فبالأولى أن لا يجوز له نكاح الأمة، لأن وجدان الطول للحرة إنما هو سبب لتحصيلها، فإذا كانت حاصلة كان أولى بالمنع.
وقال ابراهيم : يتزوج الأمة على الحرة إن كان له من الأمة ولد.
وقال ابن المسيب : لا ينكحها عليها إلا أن تشاء الحرة، ويقسم للحرة يومين، وللأمة يوماً وظاهر قوله : فمما ملكت أيمانكم، جواز نكاح عادم طول الحرة المؤمنة أربعاً من الإماء إن شاء.
وروي عن ابن عباس : أنه لا يتزوج من الإماء أكثر من واحدة، وإذا لم يكن شرطاً في الأمة الإيمان فظاهر قوله : فمما ملكت أيمانكم من فتيانكم، أنه لو كانت الكتابية مولاها كافر لم يجز نكاحها، لأنه خاطب بقوله : فمما ملكت أيمانكم من فتيانكم المؤمنات، فاختص بفتيات المؤمنين، وروي عن أبي يوسف : جواز ذلك على كراهة.
وإذا لم يكن الإيمان شرطاً في نكاح الأمة، فالظاهر جواز نكاح الأمة الكافرة مطلقاً، سواء كانت كتابية، أو مجوسية، أو وثنية، أم غير ذلك من أنواع الكفار.
وأجمعوا على تحريم نكاح الأمة الكافرة غير الكتابية : كالمجوسية، والوثنية، وغيرهما.
وأما وطء المجوسية بملك اليمين فأجازه : طاوس، وعطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار.
ودلت على هذا القول ظواهر القرآن في عموم : ما ملكت أيمانكم، وعموم ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ قالوا : وهذا قول شاذ مهجور، لم يلتفت إليه أحد من فقهاء الأمصار.
وقالوا : لا يحل له أن يطأها حتى تسلم.
وقالوا : إنما كان نكاح الأمة منحطاً عن نكاح الحرة لما فيه من اتباع الولد لأمه في الرق، ولثبوت حق سيدها فيها، وفي استخدامها، ولتبذلها بالولوج والخروج، وفي ذلك نقصان نكاحها ومهانته إذ رضي بهذا كله، والعزة من صفات المؤمنين.
ومن مبتدأ، وظاهره أنه شرط.
والفاء في : فمما ملكت فاء الجواب، ومن تتعلق بمحذوف تقديره : فلينكح من ما ملكت.
ويجوز أن يكون مَن موصولة، ويكون العامل المحذوف الذي يتعلق به قوله : مما ملكت جملة في موضع الخبر.
ومسوغات دخول الفاء في خبر المبتدأ موجودة هنا.
والظاهر أنَّ مفعول يستطع هو طولاً، وأن ينكح على هذا أجازوا، فيه أن يكون أصله بحرف جر، فمنهم من قدره بإلى، ومنهم من قدره باللام أي : طولاً إلى أن ينكح، أو لأن ينكح، ثم حذف حرف الجر، فإذا قدر إلى، كان المعنى : ومَن لم يستطع منكم وصلة إلى أن ينكح.
وإذا قدر باللام، كان في موضع الصفة التقدير : طولاً أي : مهراً كائناً لنكاح المحصنات.
وقيل : اللام المقدرة لام المفعول له أي : طولاً لأجل نكاح المحصنات، وأجازوا أن يكون : أن ينكح في موضع نصب على المفعول به، وناصبة طول.
إذ جعلوه مصدر طلت الشيء أي نلته، قالوا : ومنه قول الفرزدق :
| إن الفرزدق صخرة عادية | طالت فليس تنالها الأوعالا |
ويكون قد أعمل المصدر المنون في المفعول به كقوله :
| بضرب بالسيوف رؤوس قوم | أزلنا هامهن عن المقيل |
وإلى أنَّ طولاً مفعول ليستطيع، وإن ينكح في موضع مفعول بقوله : طولاً، إذ هو مصدر.
ذهب أبو علي في التذكرة، وأجازوا أيضاً أن يكون أن ينكح بدلاً من طول، قالوا : بدل الشيء من الشيء، وهما لشيء واحد، لأن الطول هو القدرة والنكاح قدرة.
وأجازوا أن يكون مفعول يستطع قوله : أن ينكح.
وفي نصب قوله : طولاً وجهان : أحدهما : أن يكون مفعولاً من أجله على حذف مضاف، أي : ومن لم يستطع منكم لعدم طول نكاح المحصنات.
والثاني : قاله : ابن عطية.
قال : ويصح أن يكون طولاً نصب على المصدر، والعامل فيه الاستطاعة، لأنها بمعنى يتقارب.
وأن ينكح على هذا مفعول بالاستطاعة، أو بالمصدر انتهى كلامه.
وكأنه يعني أنَّ الطول هو استطاعة، فيكون التقدير : ومن لم يستطع منكم استطاعة أن ينكح.
وما من قوله : فمما ملكت، موصولة اسمية أي : فلينكح من النوع الذي ملكته أيمانكم.
ومن فتياتكم : في موضع الحال من الضمير المحذوف في ما ملكت، العائد على ما.
ومفعول الفعل المحذوف الذي هو فلينكح محذوف، التقدير : فلينكح أمة مما ملكت أيمانكم.
ومِن للتبعيض، نحو : أكلت من الرغيف.
وقيل : مِن في من ما زائدة، ومفعول ذلك الفعل هو ما من قوله : ما ملكت أيمانكم.
وقيل : مفعوله فتياتكم على زيادة من.
وقيل : مفعوله المؤمنات، والتقدير : فلينكح مما ملكت أيمانكم من فتياتكم الفتيات المؤمنات.
والأظهر أن المؤمنات صفة لفتياتكم.
وقيل : ما مصدرية التقدير، من ملك إيمانكم.
وعلى هذا يتعلق من فتياتكم بقوله : ملكت.
ومن أغرب ما سطروه في كتب التفسير ونقلوه عن قول الطبري : أنّ فاعل ذلك الفعل المحذوف هو قوله :﴿بعضكم من بعض﴾ وفي الكلام تقديم وتأخير.
والتقدير : وَمَنْ لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فلينكح بعضهم من بعض الفتيات، وهذا قول ينزه حمل كتاب الله عليه، لأنه قول جمع الجهل بعلم النحو وعلم المعاني، وتفكيك نظم القرآن عن أسلوبه الفصيح، فلا ينبغي أن يسطر ولا يلتفت إليه.
ومنكم : خطاب للناكحين، وفي : أيمانكم من فتياتكم خطاب للمالكين، وليس المعنى أن الرجل ينكح فتاة نفسه، وهذا التوسع في اللغة كثير.
﴿والله أعلم بإيمانكم﴾ لما خاطب المؤمنين بالحكم الذي ذكره من تجويز نكاح عادم طول الحرة المؤمنة للأمة المؤمنة، نبّه على أنّ الإيمان هو وصف باطن، وأنّ المطلع عليه هو الله.
فالمعنى : أنه لا يشترط في إيمان الفتيات أن يكونوا عالمين بذلك العلم اليقين، لأن ذلك إنما هو لله تعالى، فيكفي من الإيمان منهن إظهاره.
فمن كانت مظهرة للإيمان فنكاحها صحيح، وربما كانت خرساء، أو قريبة عهد بسباء وأظهرت الإيمان، فيكتفي بذلك منها.
والخطاب في بإيمانكم للمؤمنين ذكورهم وإناثهم، حرهم ورقهم، وانتظم الإيمان في هذا الخطاب، ولم يفردن بذلك فلم يأت والله أعلم بإيمانهن، لئلا يخرج غيرهن عن هذا الخطاب.
والمقصود : عموم الخطاب، إذ كلهم محكوم عليه بذلك.
وكم أمة تفوق حرة في الإيمان وفعل الخير، وامرأة تفوق رجلاً في ذلك، وفي ذلك تأنيس لنكاح الإماء، وأن المؤمن لا يعتبر الأفضل الإيمان، لا فضل الأحساب والأنساب ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾، « لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي إلا بالتقوى »
﴿بعضكم من بعض﴾ هذه جملة من مبتدأ وخبر، وقد تقدم قول الطبري في أن ارتفاع بعضكم على الفاعلية بالفعل المحذوف، ومعنى هذه الجملة الابتدائية : التأنيس أيضاً بنكاح الإماء، وأن الأحرار والأرقاء كلهم متواصلون متناسبون يرجعون إلى أصل واحد، وقد اشتركوا في الإيمان، فليس بضائر نكاح الإماء.
وفيه توطئة العرب، إذ كانت في الجاهلية تستهجن ولد الأمة، وكانوا يسمونه الهجين، فلما جاء الشرع أزال ذلك.
وما أحسن ما روي عن عليّ من قوله :
| الناس من جهة التمثيل أكفاء | أبوهم آدم والأم حواء |
والمراد بالنكاح هنا : العقد، ولذلك ذكر إيتاء الأجر بعده أي المهر.
وسمي ملاك الإماء أهلاً لهن، لأنهم كالأهل، إذ رجوع الأمة إلى سيدها في كثير من الأحكام.
وقد قال ﷺ :« لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد ».
وقال ﷺ :« موالي القوم منهم ».
وقيل : هو على حذف مضاف بإذن أهل ولايتهن، وأهل ولاية نكاحهن هم الملاك.
ومقتضى هذا الخطاب أنّ الأدب شرط في صحة النكاح، فلو تزوجت بغير إذن السيد لم يصح النكاح، ولو أجازه السيد بخلاف العبد.
فإنه لو تزوج بغير إذن سيده فإن مذهب الحسن وعطاء، وابن المسيب، وشريح، والشعبي، ومالك، وأبي حنيفة : أنّ