تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٢٥ وقوله تعالى :﴿ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت إيمانكم﴾ وقال عز وجل :( في الآية نفسها ) (١) :﴿لمن خشى العنت منكم﴾ فقال بعض أهل العلم : لا يجوز تزوج الأمة حتى يعجز عن نكاح الحرة، ويخشى مع ذلك العنت. فإذا اجتمع الأمران فحينئذ يجوز أن يتزوج الأمة. ولا يجوز أن يكون تأويل الآية في هذا وذلك أن الإماء أعز وجودا اليوم من الحرائر، ويجد الرجل حرة يتزوجها بأدنى شيء ما لم يجد بمثله الأمة لا أن يقال : الإماء في ذلك الزمان أوجد وإن الحرائر عز وإن مؤنة الإماء ومهورهن أقل فخرج الخطاب على ذلك.
وإنه لما نزل قوله سبحانه وتعالى : ب : وأنكحوا اليماني منكم والصالحين من عبادتكم وإمائكم } ( النور ٣٢ ) رغب السادات في تزوج(٢) الإماء بشيء يسير فعند ذلك نزل قوله تعالى :﴿ومن لم يستطع منكم طولا﴾ الآية وإلا الأمر الظاهر ما ذكرنا أنهن أعز وجودا من الحرائر وأكثر مؤنة وان الحرائر أهون وجودا ومؤمنتهن أقل أو أن تكون الآية في الإنفاق عليهن ليس في ابتداء النكاح. وهو أن الرجل إذا تزوج حرة لزمه أن ينفق عليها شاء، أو أبى. فإذا عجز عن الإنفاق عليها يطلقها ويتزوج بأمة إذ نفقة الأمة على سيدها، ونفقة الحرة عليه، فأمر أن يطلق الحرة التي نفقتها عليه، ويتزوج أمة تكون نفقتها على سيدها. هذا أشبه والله أعلم بما قاله أولئك. أو أن يقال : إنه أ راد بالنكاح الوطء لا العقد والتزوج(٣) على ما قال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه :( والنكاح اسم للوطء والتزوج(٤) جميعا ).
قال الله تعالى :﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾ ( النور٣ ) وتأويله : الواطئ فكذلك الأول. ومعنى قول علي رضي الله عنه حين حمل الآية على الوطء لأنه يتزوج الأمة على الحرة : كأنه منعه من ذلك أنه(٥) قادر على وطء الحرة، ويتزوج الحرة على الأمة ؛ ي قول : يتزوج الأمة، ولم يكن قادرا على وطء الحرة، فجاز نكاحه. أو إن كانت الآية في ابتداء النكاح والتزوج(٦) على ما قالوا فليس فيها حظر نكاح الإماء وبطلانه في حال الطول والقدرة لأنه نكاحهن في حال عدم الطول والقدرة.
ومن أصلنا أن ليس في إباحة الشيء وحله في حال دلالة حظره ومنعه في حال أخرى دليله قوله تعالى :﴿أزواجك التي آتيت أجورهن﴾ ( الأحزاب ٥٠ ليس فيه أنه لا يحل له إذا لم يؤت أجورهن وقوله تعالى :﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت إيمانكم﴾ ( النساء ٣ ) ليس فيه حظر الأربع وغن خاف ألا يعدل فهذا يدل على أن حظر الشيء ومنعه ( في حال )(٧) لا يوجب الحظر في حال أخرى وإباحة الشيء في حال وحلة لا يوجب منعه وحرمته في حال أخرى.
على أن المخالفة لما لم يجعل الإيمان المذكور في الآية شرطا لقوله تعالى :﴿أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾ فإذا لم يصر الإيمان شركا في حال نكاح الإماء كيف صار الطول والقدرة شرطا فيه ؟ إذ من قوله ليس له أن ينكح الأمة إذا كان له طول نكاح المحصنة الكتابية لانه يقول : لأن الله تعالى فيهن الإيمان بقوله ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾ فإذا لم يصر الإيمان شرطا في المحصنات كيف كان شرطا في الإماء ؟ وذلك كله عندنا ليس بشرط.
فإن قال قائل : إن قول الله تعالى ﴿فمن لم يستطع فإطعام﴾ ( المجادلة ٤ ) كذا ليس ذلك شرطا حتى لا يجوز غيره إذا كان له طول العتاق وقدرة الصوم ما ينكر أن يكون الأول فبمثله قيل صار ذلك شرطا فيه لأنه فرض لزمه بشريطة لم يكن له الخروج والتعدي إلى غيره.
وأما النكاح فليس هو بفرض لزمه بوجود الطول والقدرة والعتاق وما ذكر فرض لزمه بوجود الطول والقدرة عليه ويجوز الطعام لكن لم يسقط الفرض الذي لزمه عنه لذلك صار شرطا فيه والأول لم يصر.
فغن قال : ما معنى الآية إذن ؟ قيل : معنى الآية على الاختيار والأدب، او على الإنفاق الذي ذكرنا أو ألا يختار نكاح الأمة على نكاح الحرة إذا كان له طول الحرة على ما جاء عن عمر رضي الله عنه ( أنه ) (٨) قال :( أي ما حر تزوج فقد أرق نصفه، وأي ما عبد تزوج فقد أعتق نصفه، لا يختار نكاح الأمة، وله إلى طول الحرة سبيل ). ويجيء أن يكون قوله تعالى :﴿ذلك لمن خشي العنت منكم﴾ ألا يحمل على الزنى ولكن يحمل على مخالطتهن الناس واسترقاق الأولاد. فإذا أمنة السيد عن استرقاق الولد وعن ترك الاختلاط بالناس، فعند ذلك يتزوجها ؛ إذ قلوب الناس لا تحتمل اختلاط أزواجهن بالناس واسترقاق الأولاد، فحمل العنت على هذا أسبه من الزنى.
ومن الدليل أيضا على ألا يعتبر الطول على التزوج على ما قالوا : إذا تزوج أمة، ثم قدر على تزوج الحرة لم يفسد نكاح الأمة، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه فعلى ذلك طوله في الابتداء على نكاح الحرة لا يمنع جواز نكاح الأمة، والله أعلم على ان عدم الطول في الأصل لا يمنع نكاح الحرة إذ شيء يلزم الذمة، وعدم النفقة يمنع الإمساك عنده. فدل أن الآية لعدم نفقة الحرة في الابتداء على ما ذكرنا.
والأصل إن كان أمر يجوز بشرط الاضطرار فإن ارتفاع الضرورة يمنع البقاء. فإذا لم يمنع بان أنه لا على الحل بالضرورة وعلى ذلك يختار لمن تحته حرة مفارقة الأمة ؛ إذ بإمساكها رق لاولد الذي يقبح في العقل اختياره ومخالطة الزوجة في الطبع نفارا منه فمثله في الابتداء، والله اعلم مع ما قال الله تعالى :﴿وأن تصبروا خير لكم﴾ وليس عن الذي فيه الضرورة شرط الصبر. ثم القول واحد فيهن بملك المال، وهو غائب عنه، يخشى العنت إلى أن يبلغ ذلك أنه لا يمنع النكاح وجميع ما له الحرمة يستوي غيبه / ٨٩- ب / ذلك وحضرته كنكاح الأمة على الحرة والأخت على الأخت ونحو ذلك مع ما لو كانت خشية العنت تصير سببا للحل في شيء لكان ملك الحرة التي هي عنه غائبة إذا لم تصر الضرورة مبيحة. فإذن لان ان الحرمة لنفس النكاح في الوجود، والحل لعدمه لا للسبيل على ذلك وغير السبيل.
ثم قوله عز وجل :﴿ذلك لمن خشي العنت﴾ إنما هو الضيق كقوله : ولو شاء الله لأعنتكم } ( البقرة ٢٢٠ ) أي يضيق عليكم مخالطة الأيتام أو الإثم وكقوله(٩) سبحانه وتعالى :﴿عزيز عليه ما عنتم﴾ ( التوبة ١٢٨ ) وكل رجل فيه وسع الاستمتاع فهو يخشى الإثم فيجيء أن يباح له على كل حال أو يرجع إلى الضيق، فيكون المقصود منه الإمساك دون العقد والله أعلم.
ثم خشية الزنى ان يحتمل أن يصير شرطا للحل، وقد حصل له عقوبة، فيها أبلغ الزجر لمن غفل عن رجم أو حد، بل يقرض عليه إبقاء ذلك بكل وجوه الإمكان. ومعلوم أن الله قد جعل عنه بغير النكاح سبيلا في الامتناع أيضا.
وقد جاء أيضا الأمر بالصيام بأنه(١٠) لو وجاء، فغنما خشية ذلك خشية خطر لا حقيقة فلم يجز أن يجعل عذرا لرفع الحرمات ويقدر عليه بالمباح من الصيام.
القول في قوله :﴿ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات﴾ الآية : نقول، وبالله التوفيق، تحتمل الآية وجوها :
أحدهما : طول عقد النكاح مذكور أيضا في نكاح الأمة ب قوله :﴿وآتوهن أجورهم بالمعروف﴾ ومعلوم وجود الحرة بالمهر الذي يوصف في المعروف من المهور، بل لعل ذلك في الحرائر أوجد ؛ إذ قد جاز نكاح الحرائر بالأشياء الضعيفة. ومعروف وجودهن في كل عصر بدون ما يوجد ( في مثله ) (١١) الإماء فمحال أن يشترط في نكاح الإماء عدم ما لا يوجد السبيل إليه إلا بوجود ذلك أو ما هو أعظم في الوجود.
وأما النفقة والمسكن فقد يكون بمال السيد دون ان يؤخذ به وفي الحرة هي لا سبيل إليها إلا بمال الزوج ففيها يذكر الوجود لا في ما يستوي الذكر فيه في المتلو. ثم في الحاجة على ما عليه العرف فيه فضل. ولا قوة إلا بالله.
والوجه الثاني : ما وري عن رسول الله ﷺ انه قال : " لا تنكح الأمة على الحرة " ( البيهيقي في الكبرى ٧/١٧٥ ) ولو كان يجوز نكاحها عند وجود طول الحرة لم يكن للنهي عن ذلك بعد النكاح وجه ؛ إذ ليس لذلك وجود لما الطول يمنع وجوده.
والثالث : أن الذي به يجب النكاح ليس للوجود شرط فيه، والذي به الإمساك شرط، غذ قد يجوز بذمة من لا يملك ولا يمسك ثبت أن ذلك في حق الإمساك. وبعد لو كان يمنع بالذي ذكر لكان جوازه بحق الضرورة، وهذا مما لا يقع بالضرورة(١٢) ثبت أن ذلك في حق الإمساك.
ثم لو كان التاويل على النكاح لم يكن في ذلك تحريم النكاح على وجود طول الحرة لخصال(١٣) :
إحداهما : أن ذلك يوجب أن يكون نكاح الإماء يجوز بحق الإبدال والاضطرار. وذلك لا يحتمل حق النكاح لوجوه :
أحدها أن طريق ذلك إباحة ورخص والفروج لا تحتمل الإباحات بل الأباحات توجب حد المبيح وعقوبته، وتجعل كمبيح ما لا يملكه.
والثاني : ان الحرمات التي كانت في جميع النكاح كانت ظاهرة لم يرفع شيء منها لحاجات، وكذلك نكاح الإماء لو كان من المحرمات. بل الحكم أن كل امرأة لا تحتمل ( النكاح ) (١٤) فهي لا تحل بملك اليمين. فلو قلنا : إنه لا يحل نكاحها لذاتها لم تحل في ملك اليمين فأدخلت بما(١٥) ذكرت، وليس كالزيادة على الأربع، لأن ملك الحرمة لحق المنكوحة لا لمكان المرأة، وكذلك الأخت ونحو ذلك. دليل ذلك جواز ذلك لا بحق الإبدال والاضطرار إذا عدم نكاح غيره بعد وفاته لم يجعل في شيء من الحل والحرمة المال، بل قال الله تعالى :﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا﴾ الآية ( النور ٣٣ ) صبرا لعدم شرط الترك، وله قد يسفح لأنه شرط الإباحة، فذلك أمر نكاح الإماء.
والثالث : أن الأصل في الإضافة الحل والحرمة على أنه لا يوجب عند ذلك في غير ملك الحال بل هو في غيرها على قيام الدليل من ذلك المضاف غليه او غيره، لا انه يوجب ذلك. أمور النكاح. قال الله تعالى لنبيه :﴿إنا أحللنا لك أزواجك التي آتيت أجورهن﴾ ( الأحزاب ٥٠ ) لا أنه يعلم لو لم يؤتهن الأجور لم يحللن، وكذلك قوله سبحانه وتعالى :﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهم﴾ ( المائدة ٥ ).
وقال عز وجل :﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة﴾ الآية لأن الحد لا يجب لو لم يحصن وقال : عز وجل :﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾ لا على جعل الإيمان شرطا، وقال الله عز وجل :﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ ( النساء ٣ ) لأن الأمة لا تحل إذا لم يخف العدل في الحرائر وغير ذلك مما يكثر إذ ليس في إضافة الحل إلى حال قطعة من غيره. فمثله أمر النكاح في ما نحن فيه.
ثم احتج بالآيات التي فيها :﴿ومن لم يستطع﴾ ( النساء ٢٥ و… ) و﴿فمن لم يجد﴾ ( البقرة ١٩٦ و… ) لتوجيه ذلك الحق ههنا. ودخل جواب هذا ما قلنا : إن الحكم في غيره موقوفا على الدليل فيه منعنا لا بهذا مع ما بينا دليل ما نحن فيه ليس بشرط.
ألا ترى انه ذ=كر شرط الإيمان في المحصنات وما(١٦) لم يصر وقد صار في الكفارات ونحو ذلك فمثله ما نحن فيه ؟ ثن الفصل بين الأمرين يقع ( من ) (١٧) وجوه :
احدهما : أن تلك بحق الإبدال والاضطرار دليله زوال حكمه عند الارتفاع وفي هذا إلا أن يرتفع لنكاح الحرة، فلذلك اختلف الأمران. ولو جعلنا الأمر به أو الإشارة بالحل إليها على النهي عن ذلك نهيا عن نكاح الإماء في حال طول الحرائر. فلا يحتمل ان يكون النهي مبطلا للفعل لأوجه :
أحدهما : أن يرق ولده.
والثاني : أن تخالط امرأته الرجال وذلك بعض ما يشين الرجل ثم كان نكاح الزانية مع النهي عن ذلك. ويجوز مع الأمر بطلاقها. ومعلوم أن ذلك أ
١ ساقطة من الأصل و م..
٢ في الأصل و م: تزويج..
٣ في الأصل و م: والتزويج..
٤ في الأصل و م: والتزويج..
٥ في الأصل و م: لأنه..
٦ في الأصل و م: والتزويج..
٧ ساقطة من الأصل و م..
٨ ساقطة من الأصل و م..
٩ الواو ساقطة من الأصل و م..
١٠ من م، في الأصل: بان..
١١ في الأصل و م: من مثله..
١٢ في الأصل و م: الضرورة..
١٣ في الأصل و م: الخصال..
١٤ من م، ساقطة من الأصل..
١٥ في الأصل و م: لأم ما..
١٦ في الأصل و م: ومن.
١٧ من م، ساقطة من الأصل..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى