فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَءاتُوا اليتامى أموالهم﴾ خطاب للأولياء، والأوصياء. والإيتاء : الإعطاء. واليتيم : من لا أب له. وقد خصصه الشرع بمن لم يبلغ الحلم. وقد تقدم تفسير معناه في البقرة مستوفي، وأطلق اسم اليتيم عليهم عند إعطائهم أموالهم، مع أنهم لا يعطونها إلا بعد ارتفاع اسم اليتم بالبلوغ مجازاً باعتبار ما كانوا عليه، ويجوز أن يراد باليتامى المعنى الحقيقي، وبالإيتاء ما يدفعه الأولياء، والأوصياء إليهم من النفقة، والكسوة لا دفعها جميعها، وهذه الآية مقيدة بالآية الأخرى، وهي قوله تعالى :﴿فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: ٦] فلا يكون مجرد ارتفاع اليتم بالبلوغ مسوغاً لدفع أموالهم إليهم، حتى يؤنس منهم الرشد.
قوله :﴿وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الخبيث بالطيب﴾ نهي لهم عن أن يصنعوا صنع الجاهلية في أموال اليتامى، فإنهم كانوا يأخذون الطيب من أموال اليتامى، ويعوضونه بالرديء من أموالهم، ولا يرون بذلك بأساً وقيل المعنى : لا تأكلوا أموال اليتامى، وهي محرّمة خبيثة، وتدعوا الطيب من أموالكم.
وقيل المراد : لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم، وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله، والأوّل أولى ؛ فإن تبدل الشيء بالشيء في اللغة أخذه مكانه، وكذلك استبداله، ومنه قوله تعالى :﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل﴾ [البقرة: ١٠٨] وقوله :﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] وأما التبديل فقد يستعمل كذلك كما في قوله :﴿وبدلناهم بجنتيهم جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦] وأخرى بالعكس، كما في قولك بدّلت الحلقة بالخاتم : إذا أذبتها، وجعلتها خاتماً، نص عليه الأزهري.
قوله :﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أموالهم إلى أموالكم﴾ ذهب جماعة من المفسرين إلى أن المنهي عنه في هذه الآية هو الخلط، فيكون الفعل مضمناً معنى الضم، أي : لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، ثم نسخ هذا بقوله تعالى :﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم﴾ [البقرة: ٢٢٠] وقيل : إن «إلى » بمعنى «مع »، كقوله تعالى :﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى الله﴾ [آل عمران: ٥٢] والأوّل أولى. والحوب : الإثم يقال : حاب الرجل يحوب حوباً : إذا أثم، وأصله الزجر للإبل، فسمي الإثم حوباً لأنه يزجر عنه. والحوبة : الحاجة. والحوب أيضاً : الوحشة، وفيه ثلاث لغات : ضم الحاء وهي قراءة الجمهور. وفتح الحاء، وهي قراءة الحسن، قال الأخفش : وهي لغة تميم. والثالثة الحاب. وقرأ أبيّ بن كعب حاباً على المصدر، كقال قالا. والتحوب التحزن، ومنه قول طفيل :
فذوقوا كما ذقنا عداه يحجرٍمن الغيظ في أكبادنا والتحوب
سورة النساء
هي مدنية كلها. قال القرطبي : إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي، وهي قوله تعالى ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ على ما سيأتي إن شاء الله، قال النقاش : وقيل : نزلت عند هجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، وعلى ما تقدم عن بعض أهل العلم أن قوله تعالى ﴿يا أيها الناس﴾ حيثما وقع، فإنه مكي يلزم أن يكون هذه السورة مكياً، وبه قال علقمة وغيره. وقال النحاس : هذه الآية مكية. قال القرطبي : والصحيح الأول، فإن في صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت : ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله ﷺ. يعني قد بنى بها. ولا خلاف بين العلماء أن النبي ﷺ إنما بنى بعائشة بالمدينة، ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها. قال : وأما من قال :﴿يا أيها الناس﴾ مكي حيث وقع فليس بصحيح، فإن البقرة مدنية وفيها ﴿يا أيها الناس﴾ في موضعين. وقد أخرج ابن الضريس في فضائله والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : نزلت سورة النساء بالمدينة، وفي إسناده العوفي وهو ضعيف، وكذا أخرجه ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت، وأخرجه ابن المنذر عن قتادة.
وقد ورد في فضل هذه السورة ما أخرجه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن مسعود قال : إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ الآية، ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ الآية، و﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ الآية، ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم﴾ الآية. ثم قال : هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود سمع من أبيه، وقد اختلف في ذلك. وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن رجل عن ابن مسعود قال : خمس آيات من النساء هن أحب إلي من الدنيا جميعاً ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ الآية ﴿وإن تك حسنة يضاعفها﴾ الآية ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ الآية ﴿من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه﴾ الآية ﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم﴾ الآية. ورواه ابن جرير. ثم روي من طريق صالح المري عن قتادة عن ابن عباس قال : ثمان آيات نزلت في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، وذكر ما ذكره ابن مسعود، وزاد ﴿يريد الله ليبين لكم﴾ الآية ﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾ الآية ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾ الآية. وأخرج أحمد وابن الضريس ومحمد بن نصر والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة أن النبي ﷺ قال :﴿من أخذ السبع فهو حبر﴾ وأخرج البيهقي في الشعب عن واثلة بن الأسقع قال : قال رسول الله ﷺ :" أعطيت مكان التوراة السبع الطوال والمئين كل سورة بلغت مائة فصاعدا " والمثاني كل سورة دون المئين وفوق المفصل. وأخرج أو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أنس قال :" وجد رسول الله ﷺ ذات ليلة شيئا فلما أصبح قيل : يا رسول الله إن أثر الوجع عليك لبين، قال : أما أني على ما ترون بحمد الله قد قرأت السبع الطوال " وأخرج أحمد عن حذيفة قال :" قمت مع رسول الله ﷺ فقرأ السبع الطوال في سبع ركعات " وأخرج عبد الرزاق عن بعض أهل النبي ﷺ " أن النبي ﷺ قرأ بالسبع الطوال في ركعة واحدة ". وأخرج الحاكم عن ابن عباس أنه قال :" سلوني عن سورة النساء فإني قرأت القرآن وأنا صغيرة " قال الحاكم صحيح علىشرط الشيخين ولم يخرجاه. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عنه قال :" من قرأ سورة النساء فعلم ما يحجب مما لا يحجب علم الفرائض ".

تفسير هذه الآية من كتب أخرى