فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْا﴾ التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل، كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي، وفيه النهي عن أن يتمنى الإنسان ما فضل الله به غيره من الناس عليه، فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقسمة التي قسمها الله بين عباده على مقتضى إرادته، وحكمته البالغة، وفيه أيضاً نوع من الحسد المنهي عنه إذا صحبه إرادة زوال تلك النعمة عن الغير.
وقد اختلف العلماء في الغبطة هل تجوز أم لا ؟ وهي أن يتمنى أن يكون به حال مثل حال صاحبه من دون أن يتمنى زوال ذلك الحال عن صاحبه، فذهب الجمهور إلى جواز ذلك، واستدلوا بالحديث الصحيح :«لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله القرآن، فهو يقوم به آناء الليل، وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفقه آناء الليل، وآناء النهار » وقد بوب عليه البخاري :«باب الاغتباط في العلم، والحكم » وعموم لفظ الآية يقتضي تحريم تمني ما وقع به التفضيل سواء كان مصحوباً بما يصير به من جنس الحسد أم لا، وما ورد في السنة من جواز ذلك في أمور معينة يكون مخصصاً لهذا العموم، وسيأتي ذكر سبب نزول الآية، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقوله :﴿للرّجَالِ نَصِيبٌ﴾ الخ، فيه تخصيص بعد التعميم، ورجوع إلى ما يتضمنه سبب نزول الآية من أن أمّ سلمة قالت : يا رسول الله يغزو الرجال، ولا نغزي، ولا نقاتل، فنستشهد، وإنما لنا نصف الميراث، فنزلت. أخرجه عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي، وقد روى نحو هذا السبب من طرق بألفاظ مختلفة. والمعنى في الآية : أن الله جعل لكل من الفريقين نصيباً على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته، وعبر عن ذلك المجعول لكل فريق من فريقي النساء، والرجال بالنصيب، مما اكتسبوا، على طريق الاستعارة التبعية شبه اقتضاء حال كل فريق لنصيبه باكتسابه إياه. قال قتادة : للرجال نصيب مما اكتسبوا من الثواب، والعقاب، وللنساء كذلك. وقال ابن عباس : المراد بذلك : الميراث والاكتساب على هذا القول بمعنى ما ذكرنا. قوله :﴿واسألوا الله مِن فَضْلِهِ﴾ عطف على قوله :﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْا﴾ وتوسيط التعليل بقوله :﴿للرّجَالِ نَصِيبٌ﴾ الخ. بين المعطوف، والمعطوف عليه لتقرير ما تضمنه النهي، وهذا الأمر يدل على وجوب سؤال الله سبحانه من فضله، كما قاله جماعة من أهل العلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ﴾ يقول : لا يتمنى الرجل، فيقول : ليت أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن يسأل الله من فضله :﴿للرّجَالِ نَصِيبٌ ممَّا اكتسبوا﴾ يعني مما ترك الوالدان والأقربون، للذكر مثل حظ الأنثيين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة : أن سبب نزول الآية أن النساء قلن : لو جعل أنصباؤنا في الميراث، كأنصباء الرجال ؟ وقال الرجال : إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة، كما فضلنا عليهنّ في الميراث.
وقد تقدم ذكر سبب النزول. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله :﴿واسألوا الله مِن فَضْلِهِ﴾ قال : ليس بعرض الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير ﴿واسألوا الله مِن فَضْلِهِ﴾ قال : العبادة ليس من أمر الدنيا. وأخرج الترمذي، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ :«سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل». قال الترمذي : كذا رواه حماد بن واقد، وليس بالحافظ، ورواه أبو نعيم، عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن النبي ﷺ. وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح، وكذا رواه ابن جرير، وابن مردويه، ورواه أيضاً ابن مردويه من حديث ابن عباس.
وأخرج البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا موَالِي﴾ قال : ورثة ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ قال : كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوّة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت :﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا موَالِي﴾ نسخت، ثم قال :﴿والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث، ويوصي له. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه :﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِي﴾ قال : عصبة ﴿والذين عاقدت أيمانكم﴾ قال : كان الرجلان أيهما مات، ورثه الآخر، فأنزل الله :﴿وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إلى أَوْلِيَائِكُمْ معْرُوفاً﴾ [الأحزاب: ٦] يقول : إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وهو المعروف. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه في الآية قال : كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل يقول : ترثني وأرثك، وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله ﷺ :«كل حلف كان في الجاهلية، أو عقد أدركه الإسلام، فلا يزيده الإسلام إلا شدّة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام»، فنسختها هذه الآية :﴿وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]. وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي، عنه في الآية قال : كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك في الأنفال :﴿وَأُوْلُوا الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن : أن رجلاً من الأنصار لطم امرأته، فجاءت تلتمس القصاص، فجعل النبي ﷺ بينهما القصاص، فنزل :﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ إن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] فسكت رسول الله ﷺ، ونزل القرآن :﴿الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ :«أردنا أمراً وأراد الله غيره» وأخرج ابن مردويه، عن عليّ نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس :﴿الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء﴾ يعني أمراء عليهنّ أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله ﴿بِمَا فَضَّلَ الله﴾ فضله عليها بنفقته، وسعيه ﴿فالصالحات قانتات﴾ قال : مطيعات ﴿حفظات للْغَيْبِ﴾ يعني : إذا كنّ كذا، فأحسنوا إليهنّ. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة ﴿حافظات للْغَيْبِ﴾ قال : حافظات للغيب بما استودعهنّ الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهنّ. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد قال :﴿حافظات للْغَيْبِ﴾ للأزواج. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال : تحفظ على زوجها ماله، وفرجها حتى يرجع، كما أمرها الله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس ﴿واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ قال : تلك المرأة تنشز، وتستخفّ بحق زوجها، ولا تطيع أمره، فأمره الله أن يعظها، ويذكرها بالله، ويعظم حقه عليها، فإن قبلت، وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها تشديد، فإن رجعت، وإلا ضربها ضرباً غير مبرح، ولا يكسر لها عظماً، ولا يجرح بها جرحاً ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ يقول : إذا أطاعتك، فلا تتجنى عليها العلل. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس :﴿واهجروهن فِى المضاجع﴾ قال : لا يجامعها. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عنه قال : يهجرها بلسانه، ويغلظ لها بالقول، ولا يدع الجماع. وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن عطاء : أنه سأل ابن عباس، عن الضرب غير المبرح، فقال : بالسواك، ونحوه. وقد أخرج الترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، عن عمرو بن الأحوص : أنه شهد خطبة الوداع مع رسول الله ﷺ، وفيها أنه قال النبي ﷺ «ألا واستوصوا بالنساء خيراً، فإنما هنّ عوان عندكم ليس تملكون منهنّ شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن، فاهجروهنّ في المضاجع، واضربوهنّ ضرباً غير مبرح ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾» وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن عبد الله بن زمعة قال : قال رسول الله ﷺ :«أيضرب أحدكم امرأته، كما يضرب العبد ؟ ثم يجامعها في آخر اليوم».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى