مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي

عن الكتاب
ثم خاطب الولاة بقوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ أصله «شقاقاً بينهما » فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع كقوله :﴿بَلْ مَكْرُ اليل والنهار﴾ [سبأ: ٣٣]. وأصله بل مكر في الليل والنهار. والشقاق : العداوة والخلاف، لأن كلاًّ منهما يفعل ما يشق على صاحبه، أو يميل إلى شق أي ناحية غير شق صاحبه والضمير للزوجين ولم يجر ذكرهما لجري ذكر ما يدل عليهما وهو الرجال والنساء ﴿فابعثوا حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ﴾ رجلاً يصلح للحكومة والإصلاح بينها ﴿وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا﴾ وإنما كان بعث الحكمين من أهلهما لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح ونفوس الزوجين أسكن إليهم فيبرزان ما في ضمائرهما من الحب والبغض وإرادة الصحبة والفرقة. والضمير في ﴿إِن يُرِيدَا إصلاحا﴾ للحكمين، وفي ﴿يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا﴾ للزوجين أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة بورك في وساطتهما، وأوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الألفة والوفاق، وألقى في نفوسهما المودة والاتفاق. أو الضميران للحكمين أي إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين، يوفق الله بينهما فيتفقان على الكلمة الواحدة ويتساندان في طلب الوفاق حتى يتم المراد. أو الضميران للزوجين أي إن يريدا إصلاح ما بينهما وطلب الخير وأن يزول عنهما الشقاق، يلق الله بينهما الألفة وأبدلهما بالشقاق الوفاق وبالبغضاء المودة ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً﴾ بإرادة الحكمين ﴿خَبِيراً﴾ بالظالم من الزوجين وليس لهما ولاية التفريق عندنا خلافاً لمالك رحمه الله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى