جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَآ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾. .
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ وإن علمتم أيها الناس شقاق بينهما، وذلك مشاقة كل واحد منهما صاحبه، وهو إتيانه ما يشقّ عليه من الأمور، فأما من المرأة فالنشوز، وتركها أداء حقّ الله عليها الذي ألزمها الله لزوجها¹ وأما من الزوج فتركه إمساكها بالمعروف، أو تسريحها بإحسان. والشقاق : مصدر من قول القائل : شاق فلان فلانا : إذا أتى كل واحد منهما إلى صاحبه ما يشقّ عليه من الأمور، فهو يشاقه مشاقة وشقاقا¹ وذلك قد يكون عداوة، كما :
حدثنا محمد بن الحسن، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، في قوله :﴿وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ قال : إن ضربها فأبت أن ترجع وشاقّته، يقول : عادته.
وإنما أضيف الشقاق إلى البين، لأن البين قد يكون اسما، كما قال جلّ ثناؤه :«لَقدْ تقطّعَ بَيْنُكُمْ » في قراءة من قرأ ذلك.
وأما قوله :﴿فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِهِ وحَكَما مِنْ أهْلِها﴾ فإن أهل التأويل اختلفوا في المخاطبين بهذه الآية من المأمور ببعثة الحكمين، فقال بعضهم : المأمور بذلك : السلطان الذي يرفع ذلك إليه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير أنه قال في المختلعة : يعظها، فإن انتهت وإلا هجرها، فإن انتهت وإلا ضربها، فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان، فيبعث حكما من أهله وحكما من أهلها، فيقول الحكم الذي من أهلها : يفعل بها كذا، ويقول الحكم الذي من أهله : تفعل به كذا، فأيهما كان الظالم ردّه السلطان وأخذ فوق يديه، وإن كانت ناشزا أمره أن يخلع.
حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال : حدثنا يزيد، قال : أخبرنا جويبر، عن الضحاك : وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما، فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِهِ وَحَكَما مِنْ أهْلِها } قال : بل ذلك إلى السلطان.
وقال آخرون : بل المأمور بذلك الرجل والمرأة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَإنْ خِفُتمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِه وَحَكَما مِنْ أهْلِها﴾ إن ضربها فإن رجعت فإنه ليس له عليها سبيل، فإن أبت أن ترجع وشاقته، فليبعث حكما من أهله وتبعث حكما من أهلها.
ثم اختلف أهل التأويل فيما يبعث له الحكمان، وما الذي يجوز للحكمين من الحكم بينهما، وكيف وجه بعثهما بينهما ؟ فقال بعضهم : يبعثهما الزوجان بتوكيل منهما إياهما بالنظر بينهما، وليس لهما أن يعملا شيئا في أمرهما إلا ما وكلاهما به، أو وكله كل واحد منهما بما إليه، فيعملان بما وكلهما به من وكلهما من الرجل والمرأة فيما يجوز توكيلهما فيه، أو توكيل من وكل منهما في ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد، عن عبيدة، قال : جاء رجل وامرأته بينهما شقاق إلى عليّ رضي الله عنه، مع كل واحد منهما فئام من الناس، فقال عليّ رضي الله عنه : ابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، ثم قال للحكمين : تدريان ما عليكما ؟ عليكما إن رأيتما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تفرّقا أن تفرّقا. قالت المرأة : رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولى. وقال الرجل : أما الفرقة فلا. فقال عليّ رضي الله عنه : كذبتَ، والله لا تنقلب حتى تقرّ بمثل الذي أقرّت به.
حدثنا مجاهد بن موسى، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا هشام بن حسان، وعبد الله بن عون، عن محمد : أن عليا رضي الله عنه أتاه رجل وامرأته، ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأمرهما عليّ رضي الله عنه أن يبعثا حكما من أهله وحكما من أهلها لينظرا. فلما دنا منه الحكمان، قال لهما عليّ رضي الله عنه : أتدريان مالكما ؟ لكما إن رأيتما أن تفرّقا فرّقتما، وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما. قال هشام في حديثه : فقالت المرأة : رضيت بكتاب الله لي وعليّ فقال الرجل : أما الفرقة فلا. فقال عليّ : كذبت والله حتى ترضى مثل ما رضيت به. وقال ابن عون في حديثه : كذبت، والله لا تبرح حتى ترضى بمثل ما رضيت به.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا منصور وهشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة، قال : شهدت عليا رضي الله عنه، فذكر مثله.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ، قال : إذا هجرها في المضجع وضربها، فأبت أن ترجع وشاقته، فليبعث حكما من أهله وتبعث حكما من أهلها¹ تقول المرأة لحكمها : قد وليتك أمري، فإن أمرتني أن أرجع رجعت، وإن فرّقت تفرّقنا. وتخبره بأمرها إن كانت تريد نفقة أو كرهت شيئا من الأشياء، وتأمره أن يرفع ذلك عنها وترجع، أو تخبره أنها لا تريد الطلاق. ويبعث الرجل حكما من أهله يوليه أمره، ويخبره يقول له حاجته إن كان يريدها، أو لا يريد أن يطلقها، أعطاها ما سألت وزادها في النفقة، وإلا قال له : خذ لي منها مالها عليّ وطلقها ! فيوليه أمره، فإن شاء طلق، وإن شاء أمسك. ثم يجتمع الحكمان فيخبر كل واحد منهما ما يريد لصاحبه، ويجهد كل واحد منهما ما يريد لصاحبه، فإن اتفق الحكمان على شيء فهو جائز، إن طلقا وإن أمسكا، فهو قول الله :﴿فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِهِ وَحَكَما مِنْ أهْلِها إنْ يُرِيدَا إصْلاحا يُوَفّقِ اللّهُ بَيْنَهُما﴾، فإن بعثت المرأة حكما وأبي الرجل أن يبعث، فإنه لا يقربها حتى يبعث حكما.
وقال آخرون : إن الذي يبعث الحكمين هو السلطان، غير أنه إنما يبعثهما ليعرفا الظالم من المظلوم منهما، ليحملهما على الواجب لكلّ واحد منهما قِبَل صاحبه لا التفريق بينهما. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، وهو قول قتادة، إنهما قالا : إنما يبعث الحكمان ليصلحا ويشهدا على الظالم بظلمه¹ وأما الفرقة فليست في أيديهما، ولم يملكا ذلك، يعني :﴿وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِهِ وَحَكَما مِنْ أهْلِها﴾.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِه وَحَكَما مِنْ أهْلِها﴾. . . الاَية، إنما يبعث الحكمان ليصلحا، فإن أعياهما أن يصلحا شهدا على الظالم ولبس بأيديهما فرقة، ولا يملّكان ذلك.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن قيس بن سعد، قال : سألت عن الحكمين، قال : ابعثوا حكما من أهله وحكما من أهله، فما حكم الحكمان من شيء فهو جائز¹ يقول الله تبارك وتعالى :﴿إن يُرِيدا إصْلاحا يُوَفّقِ اللّهُ بَيْنَهُما﴾ قال : يخلو حكم الرجل بالزوج، وحكم المرأة بالمرأة، فيقول كل واحد منهما لصاحبه : اصدُقني ما في نفسك ! فإذا صدق كل واحد منهما صاحبه اجتمع الحكمان وأخذ كل واحد منهما على صاحبه ميثاقا لتصدقني الذي قال لك صاحبك، ولأصدقنك الذي قال لي صاحبي ! فذاك حين أرادا الإصلاح يوفق الله بينهما، فإذا فعلا ذلك اطلع كل واحد منهما على ما أفضى به صاحبه ليه، فيعرفان عند ذلك من الظالم والناشز منهما، فأتيا عله، فحكما عليه. فإن كانت المرأة قالا : أنت الظالمة العاصية، لا ينفق عليك حتى ترجعي إلى الحقّ وتطيعي الله فيه. وإن كان الرجل هو الظالم، قالا : أنت الظالم المضارّ لا تدخل لها بيتا حتى تنفق عليها وترجع إلى الحقّ والعدل. فإن كانت هي الظالمة العاصية أخذ منها مالها، وهو له حلال طيب، وإن كان هو الظالم المسيء إليها المضارّ لها طلقها، ولم يحلّ له من مالها شيء، فإن أمسكها أمسكها بما أمر الله وأنفق عليها وأحسن إليها.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب القرظي، قال : كان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يبعث الحكمين : حكما من أهله وحكما من أهلها، فيقول الحكم من أهلها : يا فلان ما تنقم من زوجتك ؟ فيقول : أنقم منها كذا وكذا. قال : فيقول : أفرأيت إن نَزَعَتْ عما تكره إلى ما تحبّ، هل أنت متقي الله فيها ومعاشرها بالذي يحقّ عليك في نفقتها وكسوتها ؟ فإذا قال نعم، قال الحكم من أهله : يا فلانة ما تنقمين من زوجك فلان ؟ فتقول مثل ذلك، فإن قالت : نعم، جمع بينهما. قال : وقال عليّ رضي الله عنه : الحكمان بهما يجمع الله وبهما يفرّق.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، قال : قال الحسن : الحكمان يحكمان في الاجتماع، ولا يحكمان في الفرقة.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثنى عمي، قال : ثني أبي عن أبيه، عن ابن عباس، قوله :﴿واللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنّ فَعِظُوهُنّ﴾ وهي المرأة التي تنشز على زوجها، فلزوجها أن يخلعها حين يأمر الحكمان بذلك، وهو بعد ما تقول لزوجها : والله لا أبرّ لك قسما، ولاَذننّ في بيتك بغير أمرك. ويقول السلطان : لا نجيز لك خلعا. حتى تقول المرأة لزوجها : والله لا أغتسل لك من جنابة، ولا أقيم لك صلاة، فعند ذلك يقول السلطان : اخلع المرأة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿واللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنّ فَعِظُوهُنّ﴾ قال : تعظها، فإن أبت وغلبت فاهجرها في مضجعها. فإن غلبت هذا أيضا فاضربها. فإن غلبت هذا أيضا، بُعث حكم من أهله حكم من أهلها. فإن غلبت هذا أيضا وأرادت غيره، فإنّ أبي كان يقول : ليس بيد الحكمين من الفرقة شيء، إن رأيا الظلم من ناحية الزوج قالا : أنت يا فلان ظالم، انزع ! فإن أبى رفعا ذلك إلى السلطان، ليس إلى الحكمين من الفراق شيء.
وقال آخرون : بل إنما يبعث الحكمين السلطان على أن حكمهما ماض على الزوجين في الجمع والتفريق. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله :﴿وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَما مِنْ أهْلِهِ وَحَكَما مِنْ أهْلِها﴾ فهذا الرجل والمرأة إذا تفاسد الذي بينهما، فأمر الله سبحانه أن يبعثوا رجلاً صالحا من أهل الرجل، ومثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها، ومنعوها النفقة. فإن اجتمع رأيهما على أن يفرّقا أو يجمعا، فأمرهما جائز. فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي، وذلك قوله :﴿إنْ يُرِيدَا إصْلاحا﴾ قال : هما الحك
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"إن يريدا إصلاحًا"، إن يرد الحكمان إصلاحًا بين الرجل والمرأة = أعني: بين الزوجين المخوف شقاقُ بينهما = يقول:"يوفق الله" بين الحكمين فيتفقا على الإصلاح بينهما. وذلك إذا صدق كل واحد منهما فيما أفضى إليه: مَنْ بُعِثَ للنظر في أمر الزوجين.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
٩٤٣٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن أبي هاشم، عن مجاهد في قوله:"إن يريدا إصلاحًا"، قال: أمَا إنه ليس بالرجل والمرأة، ولكنه الحكمان.
٩٤٣١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو، عن عطاء، عن سعيد بن جبير:"إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما"، قال: هما الحكمان، إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما.
٩٤٣٢ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما"، وذلك الحكمان، وكذلك كل مصلح يوفقه الله للحق والصواب.
٩٤٣٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما"، يعني بذلك الحكمين.
٩٤٣٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن
٩٤٣٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن أبي هاشم، عن مجاهد:"إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما"، يوفق الله بين الحكمين.
٩٤٣٦ - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا جويبر، عن الضحاك قوله:"إن يريدا إصلاحًا"، قال: هما الحكمان إذا نصحا المرأةَ والرجلَ جميعًا.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه:"إنّ الله كان عليمًا"، بما أراد الحكمان من إصلاح بين الزوجين وغيره ="خبيرًا"، بذلك وبغيره من أمورهما وأمور غيرهما، (١) لا يخفى عليه شيء منه، حافظ عليهم، حتى يجازي كلا منهم جزاءه، بالإحسان إحسانًا، وبالإساءة غفرانًا أو عقابًا.
* * *
القول في تأويل قوله جل ذكره: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وذِلُّوا لله بالطاعة، واخضعوا له بها، وأفردوه بالربوبية، وأخلصوا له الخضوع والذلة، بالانتهاء إلى أمره، والانزجار
="وبالوالدين إحسانًا"، يقول: وأمركم بالوالدين إحسانًا = يعني برًّا بهما = ولذلك نصب"الإحسان"، لأنه أمر منه جل ثناؤه بلزوم الإحسان إلى الوالدين، على وجه الإغراء. (٢)
* * *
وقد قال بعضهم: معناه:"واستوصوا بالوالدين إحسانًا"، وهو قريب المعنى مما قلناه.
* * *
وأما قوله:"وبذي القربى"، فإنه يعني: وأمرَ أيضًا بذي القربى = وهم ذوو قرابة أحدنا من قبل أبيه أو أمه، ممن قربت منه قرابته برحمه من أحد الطرفين (٣) إحسانًا بصلة رحمه.
* * *
وأما قوله:"واليتامى"، فإنهم جمع"يتيم"، وهو الطفل الذي قد مات والده وهلك. (٤)
* * *
="والمساكين" وهو جمع"مسكين"، وهو الذي قد ركبه ذل الفاقة والحاجة، فتمسكن لذلك. (٥)
* * *
يقول تعالى ذكره: استوصوا بهؤلاء إحسانًا إليهم، وتعطفوا عليهم، والزموا وصيتي في الإحسان إليهم.
* * *
(٢) انظر تفسير"وبالوالدين إحسانًا" فيما سلف ٢: ٢٩٠-٢٩٢.
(٣) انظر تفسير"ذي القربى" فيما سلف ٢: ٢٩٢ / ٣: ٣٤٤.
(٤) انظر تفسير"اليتامى" فيما سلف ٢: ٢٩٢ / ٣: ٣٤٥ / ٤: ٢٩٥ / ٧: ٥٢٤، ٥٤١.
(٥) انظر تفسير"المساكين" فيما سلف ٢: ١٣٧، ٢٩٣ / ٣: ٣٤٥ / ٤: ٢٩٥ / ٧: ١١٦.