زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو : لو تُسْوى، بضم التاء، وتخفيف السين. والمعنى : ودوا لو جُعلوا ترابا، فكانوا هم والأرض سواء، هذا قول الفراء في آخرين. قال أبو هريرة : إذا حشر الله الخلائق، قال للبهائم، والدواب، والطير : كوني ترابا. فعندها يقول الكافر : يا ليتني كنت ترابا.
وقرأ نافع، وابن عامر : لو تسوى، بفتح التاء، وتشديد السين، والمعنى : لو تتسوى، فأدغمت التاء في السين، لقربها منها. قال أبو علي : وفي هذه القراءة اتساع، لأن الفعل مسند إلى الأرض، وليس المراد : ودوا لو صارت الأرض مثلهم، وإنما المعنى : ودوا لو يتسوون بها. ثم في المعنى للمفسرين قولان :
أحدهما : أن معناه : ودوا لو تخرقت بهم الأرض، فساخوا فيها، قاله قتادة، وأبو عبيدة، ومقاتل.
والثاني : أن معناه : ودوا أنهم لم يبعثوا، لأن الأرض كانت مستوية بهم قبل خروجهم منها، قاله ابن كيسان، وذكر نحوه الزجاج. وقرأ حمزة، والكسائي : لو تسوّى، بفتح التاء، وتخفيف السين والواو مشددة ممالة، وهي بمعنى : تتسوّى، فحذف التاء التي أدغمها نافع، وابن عامر. فأما معنى القراءتين، فواحد.
قوله تعالى :﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ في " الحديث " قولان :
أحدهما : أنه قولهم : ما كنا مشركين، هذا قول الجمهور.
والثاني : أنه أمر النبي ﷺ وصفته ونعته، قاله عطاء : فعلى الأول يتعلق الكتمان بالآخرة، وعلى الثاني يتعلق بما كان في الدنيا، فيكون المعنى : ودوا أنهم لم يكتموا ذلك.
وفي معنى الآية ستة أقوال :
أحدها : ودوا إذا فضحتهم جوارحهم أنهم لم يكتموا الله شركهم، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس.
والثاني : أنهم لما شهدت عليهم جوارحهم لم يكتموا الله حديثا بعد ذلك، روي عن ابن عباس أيضا.
والثالث : أنهم في موطن لا يكتمونه حديثا، وفي موطن يكتمون، ويقولون : ما كنا مشركين، قاله الحسن.
والرابع : أن قوله ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ كلام مستأنف لا يتعلق بقوله : لو تسوى بهم الأرض، هذا قول الفراء، والزجاج. ومعنى : لا يكتمون الله حديثا : لا يقدرون على كتمانه، لأنه ظاهر عند الله.
والخامس : أن المعنى : ودوا لو سويت بهم الأرض، وأنهم لم يكتموا الله حديثا.
والسادس : أنهم لم يعتقدوا قولهم : ما كنا مشركين كذبا، وإنما اعتقدوا أن عبادة الأصنام طاعة، ذكر القولين ابن الأنباري.
وقال القاضي أبو يعلى : أخبروا بما توهموا، إذ كانوا يظنون أنهم ليسوا بمشركين، وذلك لا يخرجهم عن أن يكونوا قد كذبوا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى