جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىَ حَتّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِنْ كُنْتُمْ مّرْضَىَ أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمّمُواْ صَعِيداً طَيّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾. .
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا﴾ صدّقوا الله ورسوله ﴿لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ﴾ : لا تصلوا ﴿وأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ وهو جمع سكران، ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ في صلاتكم، وتقرءون فيها مما أمركم الله به، أو ندبكم إلى قيله فيها مما نهاكم عنه وزجركم.
ثم اختلف أهل التأويل في السكر الذي عناه الله بقوله :﴿لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى﴾ فقال بعضهم : عنى بذلك : السكر من الشراب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي : أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر، فصلى بهم عبد الرحمن، فقرأ :«قُلْ يا أيّها الكافِرُونَ » فخلط فيها، فنزلت :﴿لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى﴾.
حدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج بن المنهال، قال : حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب : أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا، فدعا نفرا من أصحاب النبيّ ﷺ، فأكلوا وشربوا حتى ثملوا، فقدّموا عليّا يصلي بهم المغرب، فقرأ : قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما عبدتم، لكم دينكم ولي دين. فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية :﴿لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى حتى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿يا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى﴾ قبل أن تحرم الخمر، فقال الله :﴿يا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى﴾. . . الاَية.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي رزين في قوله :﴿يا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى﴾ قال : نزل هذا وهم يشربون الخمر، فقال : وكان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي رزين، قال : كانوا يشربون بعد ما أنزلت التي في البقرة، وبعد التي في النساء، فلما أنزلت التي في المائدة تركوها.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله :﴿وأنْتُمْ سُكارَى حتى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ قال : نهوا أن يصلوا وهم سكارى، ثم نسخها تحريم الخمر.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله :﴿لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى﴾ قال : كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات، ثم نسخ بتحريم الخمر.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي وائل وأبي رزين وإبراهيم في قوله :﴿يا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى﴾ و﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ للنّاسِ وإثمُهُما أكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما﴾، وقوله :﴿تَتّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرا وَرِزْقا حَسَنا﴾ قالوا : كان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر.
وقال آخرون : معنى ذلك : لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى من النوم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سلمة بن نبيط، عن الضحاك :﴿لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى﴾ قال : سكر النوم.
حدثنا أحمد بن حازم الغفاريّ، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سلمة، عن الضحاك :﴿يا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأنْتُمْ سُكارَى﴾ قال : لم يعن بها سكر الخمر، وإنما عنى بها سكر النوم.
قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بتأويل الاَية، تأويل من قال ذلك : نهى من الله المؤمنين عن أن يقربوا الصلاة وهم سكارى من الشراب قبل تحريم الخمر، للأخبار المتظاهرة عن أصحاب رسول الله ﷺ بأن ذلك كذلك نهي من الله، وأن هذه الاَية نزلت فيمن ذكرت أنها نزلت فيه.
فإن قال لنا قائل : وكيف يكون ذلك معناه، والسكران في حال زوال عقله نظير المجنون في حال زوال عقله، وأنت ممن تُحِيل تكليف المجانين لفقدهم الفهم بما يؤمر وينهى ؟ قيل له : إن السكران لو كان في معنى المجنون لكان غير جائز أمره ونهيه، ولكن السكران هو الذي يفهم ما يأتي ويذر، غير أن الشراب قد أثقل لسانه وأحرّ جسمه وأخدره، حتى عجز عن إقامة قراءته في صلاته وحدودها الواجبة عليه فيها من غير زوال عقله، فهو بما أمر به ونهي عنه عارف فهِم، وعن أداء بعضه عاجز بخدر جسمه من الشراب. وأما من صار إلى حدّ لا يعقل ما يأتي ويذر، فذلك منتقل من السكر إلى الخبل، ومعدود في المجانين، وليس ذلك الذي خوطب بقوله :﴿لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ﴾ لأن ذلك مجنون، وإنما خوطب به السكران، والسكران ما وصفنا صفته.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حتى تَغْتَسِلُوا﴾.


اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معنى ذلك : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها جنبا إلا عابري سبيل، يعني : إلا أن تكونوا مجتازى طريق : أي مسافرين حتى تغتسلوا. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي مجلز، عن ابن عباس، في قوله :﴿وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال : المسافر. وقال ابن المثنى : لفي السفر.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :﴿وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ يقول : لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب، إذا وجدتم الماء، فإن لم تجدوا الماء، فقد أحللت لكم أن تمسّحوا بالأرض.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله، أو عن زرّ، عن عليّ رضي الله عنه :﴿وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال : إلا أن تكونوا مسافرين فلا تجدوا الماء فتيمموا.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير في قوله :﴿وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال : المسافر.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا هشام، عن قتادة، عن أبي مجلز، عن ابن عباس، بمثله.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله، عن عليّ رضي الله عنه، قال : نزلت في السفر :﴿وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ وعابر السبيل : المسافر إذا لم يجد ماء تيمم.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا هارون، عن ابن مجاهد، عن أبيه :﴿وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال : المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم فيصلي.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، في قوله :﴿وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال : هو الرجل يكون في السفر فتصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال : مسافرين لا يجدون ماء فيتيممون صعيدا طيبا، حتى يجدوا الماء فيغتسلوا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله :﴿وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال : مسافرين لا يجدون ماء.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن مسعر، عن بكير بن الأخنس، عن الحسن بن مسلم، في قوله :﴿وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال : إلا أن يكونوا مسافرين، فلا يجدوا الماء فيتيمموا.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام عن عمرو، عن منصور، عن الحكم :﴿وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال : المسافر تصيبه الجنابة، فلا يجد ماء فيتيمم.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير، وعن منصور، عن الحكم في قوله :﴿وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قالا : المسافر الجنب لا يجد الماء فيتيمم فيصلي.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير :﴿وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ إلا أن يكون مسافرا.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو نعيم، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن الحكم، نحوه.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، قال : كنا نسمع أنه في السفر.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله :﴿وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال : هو المسافر الذي لا يجد الماء فلا بدّ له من أن يتيمم ويصلي، فهو يتيمم ويصلي. قال : كان أبي يقول هذا.
وقال آخرون : معنى ذلك : لا تقربوا المصلى للصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوه جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل، يعني : إلا مجتازين فيه للخروج منه. فقال أهل هذه المقالة : أقيمت الصلاة مقام المصلّى والمسجد، إذ كانت صلاة المسلمين في مساجدهم أيامئذ لا يتخلفون عن التجميع فيها، فكان في النهي عن أن يقربوا الصلاة كفاية عن ذكر المساجد والمصلّى الذي يصلون فيه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزري عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه في قوله :﴿وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال : هو الممرّ في المسجد.
حدثنا أحمد بن حازم، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر الرازي، عن زيد بن أسلم، عن ابن يسار، عن ابن عباس :﴿وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال : لا تقرب المسجد إلا أن يكون طريقك فيه، فتمرّ مرّا ولا تجلس.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا معاذ بن هشام، قال : حدثنا أبي، عن قتادة، عن سعيد في الجنب يمرّ في المسجد مجتازا وهو قائم لا يجلس وليس بمتوضىء، وتلا هذه الاَية :﴿وَلا جُنُبا إلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾.
حدثنا ابن حميد، قال : حد

تفسير هذه الآية من كتب أخرى